"شربل مارون" في دمشق.. أسقف جديد أمام مهمة إنقاذ الوجود الماروني في سوريا
الإثنين 31/أغسطس/2026 - 11:38 ص
طباعة
روبير الفارس
في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الوجود المسيحي في سورية، يأتي انتخاب الخورأسقف شربل (غطاس) مارون رئيسًا لأساقفة دمشق للموارنة، بعد موافقة البابا لاون الرابع عشر على انتخابه من قبل سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية الأنطاكية المارونية، خلفًا للمطران سمير نصّار الذي قبل السينودس استقالته من مهام الرعاية الأسقفية للأبرشية.
ولا تبدو هذه الخطوة مجرد انتقال إداري من أسقف إلى آخر، بل تحمل دلالة رعوية وكنسية عميقة، خصوصًا أن الكنيسة المارونية في سورية تواجه منذ سنوات تحديًا مزدوجًا: استمرار الهجرة المسيحية، وتراجع أعداد المؤمنين، والحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات والكنائس والجماعات التي بقيت في البلاد رغم سنوات الحرب والاضطراب.
من امريكا إلى دمشق
ينتمي شربل مارون إلى جيل من رجال الدين الموارنة الذين اختبروا بأنفسهم تجربة الهجرة والانتشار الماروني خارج الشرق الأوسط. فقد وُلد في لبنان عام 1962، وعاش سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة، قبل أن يدخل المسار الكهنوتي ويُرسم كاهنًا عام 1989.
وتولى لسنوات طويلة رعاية كنيسة مار مارون في مينيابوليس، كما اضطلع بعدد من المسؤوليات الرعوية داخل أبرشية سيدة لبنان للموارنة في الولايات المتحدة، بينها مسؤوليات مرتبطة بالدعوات الكهنوتية والشباب والتبشير الجديد، قبل أن يصبح نائبًا عامًا للأبرشية. وتصفه مصادر كنسية أميركية بأنه صاحب خبرة واسعة في العمل الرعوي وفي التعامل مع أجيال الموارنة الذين يعيشون خارج موطنهم التاريخي.
ومن هنا تكتسب عودته إلى الشرق، في موقع أسقفي بدمشق، معنى خاصًا؛ فهو ينتقل من رعاية جماعة مارونية كبيرة ومستقرة نسبيًا في بلاد الاغتراب إلى أبرشية تواجه تحدي الحفاظ على جماعة أصغر وأكثر تعرضًا لآثار الهجرة وعدم الاستقرار.
ماذا بقي من الموارنة في سوريا؟
تعد مسألة تعداد الموارنة في سورية من أكثر الملفات التي يصعب إعطاؤها رقمًا حاليًا دقيقًا. فلا توجد إحصائية رسمية حديثة يمكن الاعتماد عليها لتحديد عدد الموارنة الذين ما زالوا يعيشون داخل البلاد.
وتشير أرقام كنسية تاريخية إلى أن أبرشية دمشق المارونية كانت تضم نحو 15 ألف مؤمن وفق بيانات عام 2017، بينما كانت أبرشية حلب تضم نحو 3300، وأبرشية اللاذقية نحو 45 ألفًا، أي أن مجموع الموارنة المسجلين في هذه البنى الكنسية كان يقترب من 63 ألفًا في تلك البيانات، مع اختلاف الأرقام بحسب السنة وطريقة الإحصاء. كما أن تقديرات أخرى وضعت عدد الموارنة في سورية عمومًا بين 28 ألفًا و60 ألفًا.
لكن الأهم أن هذه الأرقام لا ينبغي تقديمها باعتبارها تعدادًا حاليًا لعام 2026. فقد أدت الحرب السورية إلى موجات كبيرة من النزوح والهجرة، كما هو الحال بالنسبة إلى معظم الجماعات المسيحية في البلاد.
أما أبرشية دمشق المارونية تحديدًا، فتشير بيانات إحصائية كنسية أحدث إلى نحو 6000 كاثوليكي في نطاق الأبرشية، مع أربعة كهنة أبرشيين وفق إحصاءات نهاية عام 2022. وهذا يعكس حجم التراجع الذي أصاب الجماعة مقارنة بالأرقام السابقة، وإن كانت المقارنة بين السنوات المختلفة تحتاج إلى الحذر بسبب اختلاف منهجيات التسجيل والإحصاء.
الموارنة جزء من قصة مسيحية سوريا
ولا يمكن فهم وضع الموارنة بمعزل عن الانكماش الذي أصاب الوجود المسيحي السوري عمومًا.
فبحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، لا توجد إحصائية رسمية حديثة لعدد المسيحيين المتبقين في سورية، لكن بعض التقديرات تضع نسبتهم عند نحو 2% من السكان، أي قرابة 300 ألف شخص، بعدما كانت نسبتهم قبل اندلاع الحرب عام 2011 تقارب 10%. وتؤكد الوكالة أن الحرب أدت إلى نزوح وهجرة واسعة للمسيحيين إلى لبنان والدول الغربية، ولا سيما أوروبا.
وتشير تقديرات أخرى حديثة إلى أن عدد المسيحيين في سورية يتراوح بين 300 و400 ألف، مع ملاحظة خطيرة تتعلق بالتركيب العمري؛ إذ تشير تقديرات منشورة في نهاية عام 2025 إلى أن أكثر من نصف المسيحيين الذين بقوا في سورية تزيد أعمارهم على 50 عامًا، وهو ما يجعل قضية استمرار الأجيال الشابة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الكنائس السورية.
وهنا تحديدًا تتضح أهمية وصول شربل مارون إلى دمشق.
لماذا يأتي أسقف من الاغتراب إلى دمشق؟
قد تبدو المفارقة واضحة: الكنيسة المارونية التي تعاني في سورية من الهجرة تستعين بشخص أمضى عقودًا في رعاية الموارنة المهاجرين في الولايات المتحدة.
لكن هذه المفارقة قد تكون نقطة قوة.
فشربل مارون يعرف من الداخل معنى أن يغادر الماروني وطنه، وكيف تتشكل الجماعات المارونية في بلاد الاغتراب، وكيف تحافظ على اللغة والطقس والهوية والارتباط بلبنان وسورية والشرق، وفي الوقت نفسه كيف تتعامل مع أجيال جديدة ولدت خارج المنطقة.
وهذه الخبرة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في دمشق، لأن التحدي لم يعد فقط المحافظة على من بقي في سورية، وإنما أيضًا الحفاظ على الصلة بين الكنيسة وأبنائها الذين اضطروا إلى الهجرة.
بمعنى آخر، قد تتحول أبرشية دمشق في المرحلة المقبلة من مجرد كنيسة تخدم الموجودين داخل سورية إلى كنيسة لها امتداد رعوي عابر للحدود، تتواصل مع أبنائها في لبنان وأوروبا والأميركتين، وتحاول ألا تتحول الهجرة إلى قطيعة نهائية مع الوطن والكنيسة.
المعركة الحقيقية: البقاء وليس العدد فقط
المشكلة التي تواجه شربل مارون ليست في عدد الموارنة فحسب.
فحتى لو بقيت بضعة آلاف من العائلات المارونية في دمشق ومناطق الأبرشية، فإن السؤال الأهم هو: هل تستطيع هذه الجماعة أن تستمر بعد جيل أو جيلين؟
وهنا تتداخل عدة عوامل: الهجرة، انخفاض أعداد الشباب، الزواج والهجرة العائلية، الظروف الاقتصادية، ضعف فرص العمل، الأمن، ومستقبل المدارس والمؤسسات الكنسية.
ولهذا فإن مهمة الأسقف الجديد ستكون، على الأرجح، أقرب إلى إعادة بناء الحياة الكنسية منها إلى إدارة أبرشية تقليدية.
فالكنيسة التي تواجه الهجرة تحتاج إلى الاستثمار في الشباب، والتعليم المسيحي، والمدارس، والرعايا، والعمل الاجتماعي، ودعم الأسر، إلى جانب تعزيز التواصل مع المغتربين.
دمشق ليست مجرد أبرشية..
اختيار دمشق مقرًا لخدمة أسقف ماروني جديد يحمل أيضًا دلالة تاريخية.
فالمارونية ليست وافدًا حديثًا إلى سوريا؛ جذورها التاريخية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمشرق السوري والأنطاكي. وحتى تاريخ أبرشية دمشق المارونية يعود إلى عام 1527، قبل أن تُرفع إلى مرتبة أبرشية كبرى عام 1736.
ومن ثم فإن بقاء أسقف ماروني في دمشق، رغم تقلص أعداد المؤمنين، يمثل رسالة مفادها أن الكنيسة لا تتعامل مع سورية باعتبارها محطة تاريخية انتهى دورها، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من المجال الأنطاكي الذي نشأت فيه المارونية وتطورت عبر قرون.
وهذه النقطة مهمة جدًا في سياق الحديث عن مستقبل المسيحيين في سورية: فالمشكلة ليست فقط كم مسيحيًا بقي، بل هل يبقى المسيحيون أصحاب حضور مؤسسي وديني واجتماعي حقيقي في المدن والمناطق التي عاشوا فيها تاريخيًا؟
بعد الحرب.. هاجس جديد للمسيحيين
تأتي مهمة الأسقف الجديد أيضًا في مرحلة سورية شديدة التعقيد سياسيًا وأمنيًا. فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى فتح مرحلة سياسية جديدة، لكنها لم تُنهِ المخاوف المتعلقة بوضع الأقليات الدينية.
وقد وثقت تقارير دولية استمرار مخاوف المسيحيين، إلى جانب تعرض أقليات أخرى لأعمال عنف، كما أشارت تقارير إلى مقتل مسيحيين خلال أحداث العنف التي شهدتها المناطق الساحلية في مارس 2025.
وفي مثل هذا السياق، يصبح دور الأسقف أكبر من إقامة القداسات وإدارة الرعايا؛ فهو يصبح أحد الأصوات التي تدافع عن حق المسيحيين في البقاء، وعن المواطنة المتساوية، وعن حماية الكنائس والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، وعن عدم تحويل المسيحيين إلى مجرد أقلية تبحث عن الحماية.
منطق الكنيسة: لا تتركوا سوريا
وتبدو الرسالة الأهم في انتخاب شربل مارون هي أن الكنيسة المارونية لا تريد أن تتعامل مع الهجرة باعتبارها قدرًا نهائيًا.
فالسينودس الماروني نفسه تحدث في بيانه الصادر في يونيو 2026 عن معاناة الكنيسة في لبنان والمنطقة بسبب آثار الحروب وما وصفه بالنزيف المستمر للهجرة.
ومن هنا يمكن قراءة انتخاب أسقف جديد لدمشق باعتباره جزءًا من محاولة أوسع للحفاظ على الوجود المسيحي في المشرق.
إنه اختيار رجل خبر تجربة الاغتراب ليقود جماعة تعيش خطر أن تتحول هي نفسها إلى جماعة مهاجرة.
وهذه ربما تكون المفارقة الأكثر دلالة في المهمة الجديدة لشربل مارون: أن يأتي من قلب الشتات الماروني ليحاول حماية ما تبقى من الموارنة في سورية، وأن يحافظ في الوقت نفسه على الجسر بين الذين بقوا والذين غادروا.
فنجاح مهمته لن يقاس فقط بعدد الكنائس التي ستظل مفتوحة أو بعدد القداسات التي ستقام في دمشق، وإنما بقدرته على جعل الماروني السوري يرى أن الهجرة لا تعني بالضرورة نهاية علاقته بأرضه وكنيسته، وأن بقاء الكنيسة في دمشق هو بحد ذاته رسالة إلى سورية والمنطقة والعالم بأن المسيحية المشرقية لا تزال تتمسك بحقها في الوجود في موطنها التاريخي.
