نبيل فاروق يوثق حياة وأعمال واصف بطرس غالي في كتاب جديد

الإثنين 31/أغسطس/2026 - 11:41 ص
طباعة نبيل فاروق يوثق حياة روبير الفارس
 


«لم يكن واصف  يوسف بالنسبة إليَّ مجرد معلّم، بل كان أبًا تتلمذتُ على يديه، وتعلّمتُ منه الكثير، وظلّت توجيهاته وآراؤه حاضرةً في ذاكرتي، لا يمكنني أن أنساها».

بهذه الكلمات يقدّم الباحث الكبير نبيل فاروق فايز كتابه الجديد  الذي يوثق سيرة المهندس المعماري والفنان والباحث واصف يوسف بطرس غالي، (1924-2023)، في محاولة لاستعادة سيرة رجل جمع بين العمارة والفن والدراسات القبطية، وترك وراءه إرثًا علميًا وفنيًا وإنسانيًا امتد لما يقرب من قرن.
 الكتاب حمل عنوانين، أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الفرنسية :  واصف بطرس غالي: حياته وأعماله، ودراساتٌ في الأدب العربي المسيحي مُهدَاة إلى ذكراه
Wassif Boutros-Ghali
Sa vie et son œuvre
Études consacrées à la littérature arabe chrétienne
En hommage à sa mémoire

ويؤكد فايز أن الكتاب لم يكن مجرد مشروع لتسجيل السيرة الذاتية لواصف بطرس غالي، وإنما جاء بدافع شخصي وإنساني عميق، بعدما رأى فيه أبًا ومعلّمًا ترك أثرًا لا يُمحى في حياته.

ويقول الباحث: «لم أسمعه يومًا يتحدث عن نفسه أو يفاخر بما أنجزه؛ فلم يكن يقول: أنا عملتُ، أو أنا رسمتُ، أو أنا ألّفتُ، أو أنا صممتُ. كان يتحدث عن كل ما أنجزه وكأنه لم يكن له فيه نصيب».

ويضيف أن تواضع واصف بطرس غالي وإنكاره لذاته كانا من أبرز السمات التي دفعته إلى إعداد الكتاب، موضحًا أن هدفه لم يكن الحديث عن الإنجازات وحدها، وإنما الكشف عن «الإنسان الذي كان وراء هذه الإنجازات»، بما امتلكه من هدوء وتواضع وأبوة صادقة.

سيرة عائلة صنعت حضورًا في مصر

ولد واصف يوسف بطرس غالي في القاهرة في 13 أكتوبر 1924، ونشأ في واحدة من أبرز العائلات المصرية حضورًا في الحياة السياسية والفكرية والعامة. فهو نجل يوسف بطرس غالي وصوفي ميخائيل شاروبيم، ابنة المؤرخ ميخائيل شاروبيم بك، مؤلف «الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث».

وهو حفيد بطرس غالي باشا، رئيس وزراء مصر الذي اغتيل عام 1910، وشقيق بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.

غير أن واصف اختار لنفسه مسارًا مختلفًا، إذ اتجه منذ طفولته إلى الفن، قبل أن يدرس الهندسة المعمارية ويتحول لاحقًا إلى أحد الأسماء المهتمة بالعمارة الحديثة والتخطيط العمراني والتراث.

من الرسم إلى العمارة

في الثالثة عشرة من عمره التحق بمرسم الفنان جارُو هيلبرت، بعدما اكتشفت أسرته موهبته المبكرة في الرسم. ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1941، وحصل عام 1946 على دبلوم الهندسة المعمارية بدرجة امتياز، وكان الأول على دفعته.

وبعد التخرج، قام بجولة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، درس خلالها أعمال معماريي مدرسة الباوهاوس، واطلع على أعمال لو كوربوزييه، الذي أصبح من أبرز مصادر إلهامه المعماري.

وعند عودته إلى القاهرة، فاز بالجائزة الأولى في مسابقة لتصميم وبناء كازينو في السويس، ثم افتتح مكتبه الخاص للهندسة المعمارية.

وتتضمن مسيرته عددًا من المشروعات المعمارية، من بينها مبانٍ سكنية وفيلات ومستشفى في بنها ومصنع «سويس فارما» للأدوية ومصنع في بورتسودان، إلى جانب أحد أبرز أعماله في القاهرة، وهو توسعة كنيسة القديسين بطرس وبولس «البطرسية» في العباسية.

وفي عام 1960 صمم ملحقًا للكنيسة، اكتمل بناؤه عام 1961، وانتقلت إليه جمعية الآثار القبطية عام 1963، ليصبح مقرًا مهمًا للجمعية.

العمارة والقبطيات في مشروع واحد

ويبرز الكتاب اهتمام واصف بطرس غالي بالتراث القبطي، ليس فقط من خلال تصميماته المعمارية، وإنما أيضًا من خلال عمله البحثي والمؤسسي.

وقد جاء تصميم مقر جمعية الآثار القبطية حاملًا لعناصر تجمع بين الوظيفة والرمزية؛ فبينما استلهم تصميم القباب الداخلية بعض ملامح العمارة الكنسية، جاء المدخل الرئيسي المطل على شارع رمسيس مستوحًى من طراز مقابر تونة الجبل.

كما كتب واصف بطرس غالي عددًا كبيرًا من المقالات والدراسات، وارتبط اسمه بجمعية الآثار القبطية التي تولى رئاستها عام 1988، خلفًا لابن عمه ميريت بطرس غالي، واستمر في رئاستها حتى وفاته عام 2023.

من القاهرة إلى اليونسكو ونيويورك

امتدت تجربة واصف بطرس غالي إلى العمل الدولي؛ ففي أواخر الستينيات عمل مع منظمة اليونسكو، وشارك في مهمات بالجزائر وتونس مرتبطة بالتخطيط العمراني والحفاظ على المدن والتراث.

ثم انتقل عام 1971 إلى نيويورك للعمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مستشارًا فنيًا رئيسيًا في مجال الإسكان والتخطيط العمراني، وظل هناك حتى عام 1985، قبل أن يعود إلى القاهرة ويعيد افتتاح مكتبه الهندسي.

فنان حتى النهاية

لم تكن العمارة نهاية مشروعه الإبداعي؛ فقد ظل الرسم حاضرًا في حياته، وواصل العمل الفني حتى سنواته الأخيرة.

وعُرضت أعماله في عدد من المعارض والمؤسسات الفنية، كما دخلت أعماله ضمن مقتنيات مؤسسة برجيل للفنون في الشارقة، ومتحف بوكا راتون للفنون في فلوريدا، وشارك في معارض جماعية وفردية في باريس ولوس أنجلوس ولندن.

وفي عام 2023 أقيم معرض «واصف بطرس غالي: أصداء الإبداع» في صالة ألبرتز بيندا بلوس أنجلوس، إلى جانب معرض حمل اسمه في «آرتس كلوب لندن».

كتاب للوفاء والتوثيق

ويضم الكتاب السيرة الذاتية لواصف بطرس غالي باللغتين العربية والفرنسية، إلى جانب توثيق مؤلفاته وأعماله، كما يتضمن ثماني دراسات بحثية في مجال الدراسات القبطية والأدب العربي المسيحي أعدها نبيل فاروق فايز تقديرًا لإسهاماته العلمية والفكرية.

ويضم الإصدار كذلك كلمة تأبين، وذكريات شخصية للباحث مع واصف بطرس غالي، ووصيته الأخيرة له، إضافة إلى مجموعة من الصور التي توثق مراحل من حياته ولقاءاته مع تلميذه.

ويبلغ حجم الكتاب نحو 180 صفحة، ليقدم في مجمله مزيجًا من السيرة والتوثيق والدراسة والشهادة الشخصية.

ولا يخفي نبيل فاروق فايز أن الدافع وراء الكتاب يتجاوز التوثيق الأكاديمي؛ فهو يريد أن يحفظ للأجيال القادمة صورة الإنسان الذي عاش خلف كل هذه الإنجازات.

فبالنسبة إلى تلميذه، لم يكن واصف بطرس غالي مجرد مهندس معماري أو فنان أو باحث، وإنما كان نموذجًا للإنسان الذي صنع الكثير دون أن يتحدث عن نفسه، وترك أثرًا كبيرًا دون أن يسعى إلى أن يُنسب إليه هذا الأثر.

ومن هنا تأتي أهمية الكتاب: أن يستعيد اسم واصف بطرس غالي لا باعتباره فردًا في عائلة مصرية شهيرة فحسب، وإنما باعتباره شخصية مصرية متعددة المواهب، جمعت بين العمارة والفن والتراث والدراسات القبطية، وتركت إرثًا يستحق أن يُقرأ ويُوثق ويُحفظ.

شارك