اقتحام إجتماع صلاة في البنغال .. تصاعد الضغوط على المسيحيين في الهند
الإثنين 31/أغسطس/2026 - 11:43 ص
طباعة
روبيرالفارس
شهدت ولاية البنغال الغربية الهندية واقعة جديدة أثارت مخاوف الأوساط المسيحية، بعدما اقتحم أعضاء في جماعة «هندو سانغاتي» Hindu Sanghati اجتماعًا للصلاة المسيحية في مدينة أولبيريا بولاية هاورا، واعتدوا على المشاركين وألحقوا أضرارًا بممتلكات المكان، وفق تقارير ومنشورات رصدت الواقعة.
حيث اتهم المقتحمون المشاركين في الاجتماع بممارسة التنصير من خلال ما وصفوه بـ«العلاج والحوافز»، وهي اتهامات تتكرر بصورة متزايدة في الهند ضد الكنائس والجماعات المسيحية، ولا سيما في المناطق التي ينشط فيها التيار القومي الهندوسي.
وتأتي الواقعة في وقت تشهد فيه البنغال الغربية تصاعدًا في التوتر تجاه بعض الجماعات المسيحية. فقد تحدثت تقارير خلال يوليو وأغسطس عن تهديدات استهدفت قساوسة وكنائس ومؤسسات مسيحية، فيما حذّر قادة كنسيون من تحول الاتهامات المتعلقة بـ«التحويل الديني» إلى ذريعة للتخويف والاعتداء وتعطيل الصلوات.
«هندو سانغاتي»؟
«هندو سانغاتي» أو Hindu Samhati هي جماعة هندوسية قومية ظهرت في ولاية البنغال الغربية عام 2008 على يد الناشط الهندوسي القومي تابان غوش، الذي كان في السابق من كوادر منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» RSS قبل أن ينفصل عنها. وتصفها مصادر إعلامية هندية بأنها جماعة متطرفة أو هامشية ذات توجه هندوسي قومي، وقد ركز خطابها على ما تعتبره «الدفاع عن الهندوس» ومواجهة الإسلام والمسيحية والتحويل الديني.
وللجماعة تاريخ من النشاط المرتبط بقضية «العودة إلى الهندوسية» أو ما يعرف بـ«غار وابي»؛ ففي عام 2018 تصدرت أخبارها بعد إعلان تحويل أسرة مسلمة تضم 14 شخصًا إلى الهندوسية خلال تجمع للجماعة في كولكاتا، قبل أن يتم توقيف مؤسسها تابان غوش على خلفية الاعتداء على صحفيين حاولوا تغطية الحدث.
ولا يعني ذلك أن كل أشكال القومية الهندوسية أو جميع الهندوس يشاركون في الاعتداءات على المسيحيين، لكن الجماعات القومية المتشددة تمثل أحد أبرز مصادر المخاوف المتعلقة بحرية الدين بالنسبة للأقليات في الهند.
لماذا يتكرر اتهام المسيحيين ؟
أحد أكثر الاتهامات استخدامًا ضد المسيحيين في الهند هو اتهامهم بإجبار الهندوس على اعتناق المسيحية أو استمالتهم عبر المال والمساعدات والعلاج والتعليم.
وتقول منظمات حقوقية وكنسية إن هذه الاتهامات تُستخدم أحيانًا لتبرير اقتحام اجتماعات الصلاة، واحتجاز القساوسة، ومهاجمة الكنائس، وإجبار المسيحيين على التوقف عن ممارسة شعائرهم.
وتشير منظمة الابواب المفتوحة الكاثوليكية في تقريرها لعام 2026 إلى أن المتحولين إلى المسيحية، وكذلك المسيحيين الذين ينشطون في التبشير، يتحملون جانبًا كبيرًا من الضغوط، خصوصًا في الولايات التي تطبق قوانين لمكافحة التحول الديني بالهند
البنغال الغربية.. موجة تهديدات متصاعدة
ولا تبدو حادثة أولبيريا منفصلة عن سلسلة وقائع أخرى شهدتها الولاية خلال الفترة الأخيرة.
ففي يوليو 2026، أُبلغ عن تهديدات استهدفت قسًا ومسيحيين في منطقة ساندشخالي بشمال 24 برغاناس، حيث وُصفت الكنيسة بأنها مستهدفة على خلفية اتهامات تتعلق بالتحويل الديني.
وفي أغسطس، تحدثت تقارير عن تعرض مسيحيين في منطقة جنوب 24 برغاناس لترهيب وتهديدات من ناشطين مرتبطين، بحسب تلك التقارير، بمنظمات هندوسية قومية، كما زار أشخاص موقعًا تابعًا لكنيسة كاثوليكية وطالبوا بمقابلة المسؤولين عنها، ما دفع الأسقف شيمال بوز إلى اتخاذ إجراءات احترازية.
وفي واقعة أخرى موثقة في 23 أغسطس بمنطقة بوروليا في الولاية، تدخل أعضاء من VHP وBajrang Dal، برفقة الشرطة، في اجتماع صلاة مسيحي، متهمين المشاركين بممارسة التحويل الديني،
ويكشف تزامن هذه الوقائع عن نمط يتجاوز حادثة منفردة، يتمثل في تحويل اجتماعات الصلاة والأنشطة الكنسية إلى موضع اشتباه واتهام مسبق، ثم تدخل جماعات قومية هندوسية لتعطيلها.
أوضاع المسيحيين في الهند
تأتي هذه الأحداث في سياق أوسع يتعلق بوضع الحرية الدينية في الهند. فقد صنفت لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية USCIRF الهند ضمن الدول التي أوصت بإدراجها على قائمة «الدول المثيرة للقلق بشكل خاص» في تقريرها لعام 2026، استنادًا إلى ظروف الحرية الدينية التي رصدتها خلال 2025.
كما تضع منظمة الابواب المفتوحة الكاثوليكية الهند في المرتبة الثانية عشرة ضمن قائمة المراقبة العالمية لعام 2026، مع درجة اضطهاد بلغت 84 نقطة، مشيرة إلى استمرار التمييز والعنف ضد المسيحيين، خصوصًا المتحولين من الهندوسية
وتشير تقارير المنظمة إلى أن المسيحيين يواجهون أشكالًا مختلفة من الضغط، تبدأ من المضايقات والتهديدات الاجتماعية، وتمتد إلى العنف، وتخريب الممتلكات، والاعتقالات، والضغوط لإجبار المتحولين إلى المسيحية على العودة إلى الهندوسية.
قوانين مكافحة التحول الديني
وتشكل قوانين مكافحة التحول الديني إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل.
فعدد من الولايات الهندية سن قوانين تجرّم أو تقيّد التحول الديني الناتج عن الإكراه أو الإغراء أو الخداع. وتقول السلطات إن الهدف هو منع التحويل القسري، بينما ترى منظمات حقوقية وكنسية أن الصياغات الواسعة لهذه القوانين يمكن أن تتحول إلى أداة لاستهداف المبشرين والجماعات المسيحية، حتى في الحالات التي لا يثبت فيها وجود إكراه.
وتقول الأبواب المفتوحة إن هذه القوانين تجعل النشاط التبشيري محفوفًا بالمخاطر، وإن مجرد اتهام شخص بممارسة التحويل الديني يمكن أن يؤدي إلى تدخل الشرطة أو جماعات قومية هندوسية.
صعود القومية الهندوسية
ويرتبط جزء من هذا المشهد السياسي والفكري بصعود أيديولوجية «الهندوتفا» Hindutva، التي تنظر إلى الهند باعتبارها وطنًا ذا هوية هندوسية في المقام الأول.
وتشير USCIRF إلى أن منظمات قومية هندوسية لعبت دورًا متزايدًا في البيئة التي تتعرض فيها الأقليات الدينية للمضايقة والعنف، فيما تنفي الحكومة الهندية الاتهامات بالتمييز المنهجي، وتؤكد أن سياساتها تستهدف خدمة جميع المواطنين بصرف النظر عن الدين.
وفي تطور لافت هذا الأسبوع، جددت USCIRF انتقاداتها لمنظمة RSS، وهي المنظمة القومية الهندوسية الكبرى المرتبطة أيديولوجيًا بحزب BJP الحاكم، وطالبت الولايات المتحدة بفرض عقوبات محددة على أعضاء فيها ومسؤولين هنود تتهمهم بالتواطؤ في انتهاكات للحرية الدينية. وترفض RSS هذه الاتهامات وتصف نفسها بأنها حركة ثقافية وحضارية هندوسية.
البنغال الغربية.. من التعايش إلى الاستقطاب؟
تمثل البنغال الغربية حالة خاصة داخل الهند؛ فهي ولاية ذات تاريخ طويل من التعدد الديني والثقافي، لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في الاستقطاب الديني والسياسي.
وتحاول الجماعات الهندوسية القومية توسيع نفوذها في الولاية، مستفيدة من قضايا الهوية والهجرة والتحويل الديني. وفي هذا المناخ يصبح المسيحيون، رغم كونهم أقلية صغيرة نسبيًا، عرضة لاتهامات تتعلق بـ«التنصير» أو «استهداف الهندوس»، وهي اتهامات يمكن أن تتحول سريعًا إلى حملات شعبية ضد الكنائس والقساوسة.
وتكشف وقائع أغسطس 2026 عن مفارقة لافتة: فبينما تكفل الهند دستوريًا حرية ممارسة الدين، يجد بعض المسيحيين أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ إجراءات أمنية لحماية اجتماعات الصلاة، بل إن أساقفة ورجال دين باتوا ينصحون القساوسة بعدم مقابلة مجموعات المحتجين بمفردهم.
