أساقفة نيجيريا يتضامنون مع المسلمين: الإرهاب لا يفرّق بين كنيسة ومسجد

الإثنين 31/أغسطس/2026 - 11:45 ص
طباعة أساقفة نيجيريا يتضامنون روبيرالفارس
 


لم تعد موجة العنف التي تضرب نيجيريا تستثني أحدًا على أساس الدين أو المكان؛ فبينما يتعرض المسيحيون لهجمات دامية وعمليات خطف واسعة، بات المسلمون أنفسهم ضحايا مباشرين للجماعات المسلحة وعصابات الاختطاف. وفي أحدث موقف يعكس هذا الواقع، أدان الأساقفة الكاثوليك في نيجيريا اختطاف أكثر من 60 مسلمًا أثناء صلاة الجمعة في ولاية النيجر، إلى جانب مقتل 47 شخصًا في هجوم منفصل بولاية بينوي، مؤكدين تضامنهم مع الضحايا المسلمين. 
وقال الأساقفة إن ما تشهده البلاد يمثل «مسارًا متواصلًا من الدم والإرهاب»، مطالبين بالإفراج الفوري والآمن عن المخطوفين، ومؤكدين أن الاعتداء على أي مكان للعبادة هو اعتداء على الإنسانية المشتركة، وأنه لا يمكن تبرير قتل المدنيين أو خطفهم بأي ذريعة سياسية أو عرقية أو دينية. 

تضامن يتجاوز الانقسام الديني

يحمل موقف الكنيسة الكاثوليكية أهمية خاصة في ظل محاولات تقديم العنف في نيجيريا باعتباره صراعًا دينيًا بين المسيحيين والمسلمين. فواقع الأزمة أكثر تعقيدًا؛ إذ تتداخل فيه الجماعات الجهادية مع شبكات الجريمة المنظمة وعصابات الخطف والصراعات المحلية على الأرض والموارد.
ولهذا فإن استهداف المسلمين لا يمثل حادثًا استثنائيًا، بل يكشف أن المدنيين عمومًا أصبحوا هدفًا للعنف، بصرف النظر عن انتمائهم الديني. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن عمليات الخطف في شمال غرب ووسط نيجيريا تُنفذ في كثير من الأحيان بدوافع إجرامية، خصوصًا طلب الفدية، بينما تستمر الجماعات الجهادية في الشمال الشرقي في تنفيذ عمليات ذات أهداف أيديولوجية وإرهابية.

 لماذا يقتل الخاطفون المسلمين أيضًا؟

الهدف الأساسي لدى جزء كبير من عصابات الخطف المسلحة ليس استهداف المسلمين دينيًا، وإنما تحقيق مكاسب مالية وبسط النفوذ والسيطرة على المناطق الريفية. وتشير دراسة حديثة إلى أن الخاطفين في نيجيريا حصلوا على نحو 5.79 مليون دولار من الفدية  خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو 2026، بعدما شهدت البلاد 7825 حالة خطف، بزيادة 66% عن الفترة السابقة. كما قُتل ما لا يقل عن 1142 شخصًا خلال الفترة نفسها. 

وتكشف هذه الأرقام أن الخطف تحول إلى اقتصاد إجرامي قائم بذاته؛ فالضحايا بالنسبة إلى العصابات ليسوا مسلمين أو مسيحيين بقدر ما هم رهائن يمكن تحويلهم إلى فدية. وتستهدف هذه الجماعات القرى والمدارس والمنازل والأسواق وأماكن العبادة، مستفيدة من ضعف الحضور الأمني واتساع المساحات الريفية وصعوبة ملاحقة المسلحين.
وفي بعض المناطق، تتقاطع هذه العصابات مع جماعات مسلحة ذات خلفيات أيديولوجية، ما يجعل الفصل بين «الإرهاب الديني» و«الجريمة المنظمة» أكثر تعقيدًا. وتؤكد تقارير حقوقية أن العنف المرتبط بعصابات قطاع الطرق وعمليات الخطف مقابل الفدية أصبح من أكثر مصادر العنف انتشارًا في شمال غرب ووسط البلاد. 

أما الجماعات الجهادية فلها هدف مختلف

في شمال شرق نيجيريا، يظل خطر جماعتي «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا»  مختلفًا؛ فهنا لا يتعلق الأمر بالفدية وحدها، وإنما بمشروع أيديولوجي يسعى إلى فرض سلطة الجماعات المسلحة وتوسيع مناطق نفوذها ومهاجمة الدولة والمجتمعات التي ترفض مشروعها.
وتقاتل «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا» أيضًا بعضهما بعضًا على النفوذ في منطقة بحيرة تشاد، في الوقت الذي تستهدف فيه الجماعات المسلحة المدنيين والقوات الحكومية وتنفذ عمليات خطف واسعة. 

ومن الخطأ بالتالي اختزال كل عمليات قتل المسلمين أو المسيحيين في نيجيريا في دافع ديني واحد. فهناك هجمات ذات دوافع جهادية واضحة، وأخرى تحركها الجريمة المنظمة والفدية، وأخرى تتداخل فيها النزاعات العرقية والمحلية على الأرض والمياه والمراعي، بينما يتحمل المدنيون في النهاية الثمن الأكبر.

المسيحيون ما زالوا في قلب الأزمة

هذا التعقيد لا يقلل بأي حال من حجم الاضطهاد والعنف الذي يتعرض له المسيحيون. فبحسب قائمة المراقبة العالمية لعام 2026 الصادرة عن «الأبواب المفتوحة»، قُتل 3490 مسيحيًا في نيجيريا من أصل 4849 مسيحيًا قُتلوا عالميًا بسبب إيمانهم خلال الفترة التي يغطيها التقرير، أي نحو 72% من الإجمالي العالمي. 
كما نشرت منظمة «الجمعية الدولية للحريات المدنية وسيادة القانون» (Intersociety) تقديرات تقول إن 2550 مسيحيًا قُتلوا خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب تدمير أو هجر نحو 300 كنيسة، وهي أرقام صادرة عن المنظمة وتحتاج إلى التعامل معها بوصفها تقديرات حقوقية وليست إحصاءً حكوميًا نهائيًا. 
وتؤكد هذه المعطيات أن المسيحيين يواجهون تهديدًا بالغ الخطورة، خصوصًا في مناطق الشمال والوسط، حيث أدت الهجمات إلى إغلاق كنائس ورعايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان.

 رسالة الأساقفة

لكن أهمية موقف الأساقفة الكاثوليك لا تكمن فقط في إدانة اختطاف عشرات المسلمين، وإنما في الرسالة التي يحملها: الدفاع عن المسيحيين لا يتناقض مع التضامن مع المسلمين الذين يتعرضون للإرهاب، بل إن حماية الجميع هي الطريق الحقيقي لمواجهة الجماعات المسلحة.
وتأتي هذه الرسالة في وقت شهدت فيه نيجيريا أيضًا مبادرات للحوار بين القيادات الدينية؛ ففي أغسطس الجاري وقّع أكثر من 50 قائدًا مسيحيًا ومسلمًا اتفاقًا للحوار والسلام الديني، بهدف مواجهة التطرف وخطاب الكراهية وتعزيز التعايش. 
وهنا تبدو المفارقة واضحة: الجماعات التي تقتل المسيحيين وتخطف المسلمين لا تخدم أي دين، وإنما تستفيد من تعميق الخوف والانقسام بين أبناء المجتمع الواحد. فكل مسجد يتحول إلى مكان للخوف، وكل كنيسة تصبح هدفًا محتملًا، وكل قرية تعيش تحت تهديد الخطف، يعني أن الإرهاب نجح في تحقيق هدفه الأكبر: تفكيك الثقة بين المواطنين وإغراق البلاد في دائرة من الانتقام والخوف.
ولهذا فإن تضامن الأساقفة مع المسلمين ليس موقفًا رمزيًا فحسب، بل يحمل رسالة سياسية وإنسانية واضحة:الإرهاب لا يصبح أقل وحشية عندما يقتل مسلمًا، ولا يصبح أكثر وحشية عندما يقتل مسيحيًا؛ الضحية في الحالتين إنسان، ومن يحمي حقه في الحياة والعبادة يحمي مستقبل نيجيريا كلها.

شارك