الإخوان المسلمين في إسرائيل بين واقع البرلمان ودعاية اليمين
الإثنين 31/أغسطس/2026 - 02:26 م
طباعة
حسام الحداد
تعد استراتيجية «الهندسة بالتخويف» ونزع المشروعية عن الخصوم السياسيين إحدى الأدوات الثابتة والأكثر كفاءة في الترسانة الدعائية للخطاب الانتخابي الإسرائيلي، لا سيما لدى تيار اليمين المحافظ. يجيء هجوم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخير على منافسيه ومعارضيه، واتهامهم الصريح بالارتهان لدعم حركة «الإخوان المسلمين»، في إطار مساعيه المتجددة لاستثارة المخاوف الأيضا أيديولوجية والأمنية لدى القواعد الناخبة، وحشد التيارات القومية والدينية حول مشروعه السياسي. إن هذا النمط من التصعيدات الكلامية لا ينفصل عن سياق أزمة الاستقطاب الداخلي المحموم؛ إذ يعاد تدوير التهديدات العابرة للحدود وتأطيرها كعنصر حاضر في قلب المنافسة الحزبية، بغية تصوير المعارضة كبديل عاجز أو متواطئ يهدد الهوية السياسية والأمنية للدولة.
غير أن قراءة هذا الهجوم من منظور تحليلي متخصص تستوجب تفكيك البنية الفكرية والتاريخية للحركات الإسلامية داخل إسرائيل (فلسطينيي 48)، وفهم حدوده الفاصلة عن الدعاية السياسية الموسمية. فالمشهد الإسلامي في الداخل الإسرائيلي شهد تحولات هيكلية وانشقاقات أيديولوجية حادة منذ تسعينيات القرن الماضي، أسفرت عن تشكل مسارين متباينين كليا: أحدهما يقاطع اللعبة السياسية برمتها، والآخر ينخرط ببراغماتية عالية في اللعبة البرلمانية عبر «الكنيست». من هنا، فإن سعي نتنياهو لمزج هذه المسارات السياسية المعقدة في قالب أيديولوجي واحد تحت مسمى "الإخوان المسلمين" لا يمثل مجرد قراءة سطحية للواقع، بل يعكس مناورة انتهازية تهدف إلى شيطنة البدائل السياسية وتجريد التفاهمات العربية-الإسرائيلية من مشروعيتها الوطنية.
الدلالات السياسية لهجوم نتنياهو
يمثل إقحام مصطلح «الإخوان المسلمين» في المشهد الانتخابي الإسرائيلي استراتيجية تكتيكية مدروسة تهدف إلى إعادة هندسة وعي الناخب وتوجيه بوصلة الصراع. من خلال هذا الخطاب، يسعى نتنياهو إلى تأطير المنافسة السياسية كمعركة وجودية وحاسمة تمس صميم الهوية اليهودية للدولة وأمنها القومي العتيد. هذا التصعيد الأيديولوجي يرمي في جوهره إلى حرف أنظار الشارع الإسرائيلي عن التقييم الموضوعي للإخفاقات الحكومية المتراكمة، ونقل النقاش العام من مساحات السجال حول إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، إلى مربع التخويف والتهديد الذي يجيد اليمين توظيفه لشد عصب قواعده الانتخابية وضمان ولائها.
على صعيد التوازنات الحزبية، يحمل هذا الخطاب هدفا استباقيا يتمثل في محاصرة المعارضة ووضع قادتها في موقف دفاعي مستمر. يسعى نتنياهو من خلال هذه التصريحات إلى شيطنة خصومه ووصم أي تفاهمات سياسية أو ائتلافية محتملة بين قوى الوسط واليسار والكتل البرلمانية العربية بأنها "تحالفات مشبوهة مع قوى راديكالية". هذا التكتيك يهدف إلى تجريد المعارضة من شرعيتها في عيون الناخب الإسرائيلي المتردد، وزرع ألغام سياسية تعقد من قدرتها المستقبلية على تشكيل أي شبكة أمان برلمانية تعتمد على أصوات النواب العرب لتمرير حكومة بديلة.
إلا أن القراءة التحليلية لهذا الخطاب تكشف عن مفارقة سياسية صارخة وازدواجية واضحة في نهج نتنياهو السياسي. فالتاريخ القريب للأزمات الائتلافية يثبت أن نتنياهو نفسه لم يتوان في محطات حاسمة عن فتح قنوات اتصال سعيا لبناء تفاهمات تكتيكية مع ذات الأطراف الممثلة للتيار الإسلامي البرلماني (القائمة العربية الموحدة)، وذلك بغية تأمين غطاء سياسي وشبكة إنقاذ لحكومته. هذا التناقض يسقط الغطاء المبدئي عن تصريحاته الحالية، ويؤكد أن استدعاء "فزاعة الإخوان" ليس توجها استراتيجيا ثابتا، بل مجرد مناورة انتهازية تحكمها بورصة المقاعد وحسابات البقاء في السلطة.
التحولات التاريخية والحركية في الداخل الإسرائيلي
تعود جذور النشأة الأولى للحركة الإسلامية داخل حدود 1948 إلى بداية سبعينيات القرن الماضي، وتحديدا عقب حرب عام 1967 وما أتاحته من انفتاح وتواصل فكري مع الضفة الغربية وغزة. تأسست الحركة على يد الشيخ عبد الله نمر درويش ورفاقه، مستلهمة أدبيات ومبادئ فكر "الإخوان المسلمين". ركزت الحركة في بداياتها على النشاط الدعوي، وبناء الشبكات الخدمية، والمؤسسات الاجتماعية والمقالع الرياضية والخيرية لتلبية احتياجات المجتمع العربي داخل إسرائيل. ومع مرور الوقت، فرضت أسئلة الهوية الوطنية والتعامل مع المؤسسة الإسرائيلية نفسها على قيادات الحركة، مما مهد لطرح خيار المشاركة في اللعبة السياسية الرسمية كوسيلة لانتزاع الحقوق وتحسين أوضاع فلسطينيي الداخل.
شكلت محطة عام 1996 منعطفا تاريخيا وانشقاقا بنيويا حادا في جسد الحركة الإسلامية، وذلك على خلفية القرار المفصلي بالخوض في انتخابات الكنيست الإسرائيلي لأول مرة. أدى هذا السجال الفكري والسياسي إلى انقسام الحركة تنظيميا إلى جناحين بمسارين متباينين كليا: "الجناح الشمالي" و"الجناح الجنوبي". اعتمد هذا الانقسام على خلاف أيديولوجي حول شرعية العمل البرلماني ومدى الاندماج في مؤسسات الدولة؛ حيث رأى المعارضون أن دخول الكنيست يمثل منحا للشرعية لمؤسسة صهيونية وإقرارا بالمفهوم السياسي لسيادة الدولة، في حين رأى المؤيدون أن البرلمان مجرد منصة تكتيكية لتحقيق مكاسب مادية ومدنية جارية لصالح المواطنين العرب.
تجسد هذا الانقسام في رؤيتين عمليتين؛ حيث قاد الشيخ رائد صلاح "الجناح الشمالي" متخذا خيار المقاطعة المطلقة للانتخابات البرلمانية، ومركزا جهوده على النضال الجماهيري والأهلي، واستراتيجية "الرباط" لحماية المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى تحت شعار "الأقصى في خطر"، وهو ما قاد السلطات الإسرائيلية إلى حظر الجناح الشمالي رسميا وإعلانه تنظيما غير مشروع عام 2015. وفي المقابل، قاد الشيخ عبد الله نمر درويش ومن بعده منصور عباس "الجناح الجنوبي"، متبنيا مسار الواقعية والبراغماتية السياسية من خلال «القائمة العربية الموحدة»، حيث واصل خوض الانتخابات التشريعية، والتأكيد على استقلالية قراره التنظيمي عن الأطر العابرة للحدود، وصولا إلى تعميق اندماجه التشريعي والعمل من داخل قواعد اللعبة البرلمانية.
التمثيل البرلماني وموقف الحركة من القضية الفلسطينية
تتبنى القائمة العربية الموحدة (الذراع السياسي للجناح الجنوبي للحركة الإسلامية) فلسفة سياسية تعرف ب «البراغماتية المطالبية»، حيث تركز استراتيجيتها تحت قبة الكنيست على الشؤون الداخلية والمعيشية لفلسطينيي 48. تتلخص أولويات هذا التيار في معالجة القضايا اليومية الضاغطة، وفي مقدمتها التصدي لظاهرة الجريمة والمنظمات الإجرامية في الشارع العربي، وتوسيع الخرائط الهيكلية للبلدات العربية لمنع هدم المنازل، ورفع التمييز عن القرى غير المعترف بها في النقب، إضافة إلى دعم التمكين الاقتصادي وزيادة الميزانيات الحكومية المخصصة للتعليم والمجالس المحلية العربية.
أثمر هذا النهج البراغماتي تحولا راديكاليا في أدبيات وممارسات العمل السياسي العربي داخل إسرائيل؛ حيث انتقلت «الموحدة» من نموذج "الاحتجاج الرافض" إلى خيار "التأثير المنخرط". وتجلت هذه التحولات في محطة عام 2021 عند انضمام القائمة برئاسة منصور عباس رسميا إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي (حكومة بينيت-لبيد)، لتبتكر مقولة «بيض قبان الائتلاف»، مراهنة على إمكانية مقايضة الأوراق السياسية بحقوق مدنية ومكتسبات مادية ملموسة لمواطنيها بعيدا عن الاصطفاف التقليدي التلقائي مع معسكر اليسار أو اليمين.
على صعيد الموقف من القضية الفلسطينية والهوية القومية، خلق هذا المسار جدلا واسعا وسجالا حادا في الأوساط الوطنية والإقليمية. فقد وجهت فصائل وأحزاب عربية ونشطاء اتهامات للقائمة بتقزيم الصراع وتغليب المكتسبات المعيشية الضيقة على الثوابت الوطنية، ومحاولة "أسرلة" الوعي الجمعي لفلسطينيي الداخل على حساب ملفات القدس والإنهاء الشامل للاحتلال. وفي المقابل، يدافع قادة التيار الجنوبي عن هذا الخيار باعتباره مقاربة واقعية تهدف لتعزيز صمود المجتمع العربي وحماية أمنه الاجتماعي، مؤكدين أن النضال القانوني والمدني داخل المؤسسة الإسرائيلية يمثل الأداة الوحيدة المتاحة لتحسين واقع السكان وحفظ وجودهم ومصالحهم.
يظهر التحليل الموضوعي لواقع المشهد السياسي أن ادعاءات ارتهان المعارضة الإسرائيلية لأجندات أيديولوجية خارجية لا تتعدى كونها توظيفا دعائيا لاستقطاب أصوات الناخبين. فالتيار الإسلامي المشارك في الكنيست بات يعمل وفق قواعد اللعبة البرلمانية الإسرائيلية ومقتضيات العمل الحزبي الداخلي، مما يجعل أقوال نتنياهو مجرد استدعاء لمفاهيم التهديد التقليدية بهدف الحفاظ على تماسك الكتلة اليمينية في مواجهة خصومه.
