تصدع الدبلوماسية الدولية: قرارات مكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة أمام مفترق طرق تاريخي
الأربعاء 02/سبتمبر/2026 - 10:57 ص
طباعة
حسام الحداد
في تحليل سياسي جديد نشرته منظمة "المجلس الاستشاري الدولي لمكافحة الإرهاب" (ICCT)، سلّط الكاتب الضوء على تحول غير مسبوق شهدته الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال المراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب. ورصد التحليل، كيف تحولت عملية مراجعة الاستراتيجية من أداة للتوافق الدولي المتين إلى ساحة استقطاب حاد كشفت عن عمق التباينات الجيوسياسية بين الدول الأعضاء. فقد أدت الصراعات المتصاعدة، والضغوط الإجرائية، والمبادرات التفاوضية الموازية إلى اللجوء للتصويت لأول مرة منذ تأسيس الاستراتيجية عام 2006، بدلاً من الاعتماد التقليدي بالتوافق، مما أدى إلى تمديد تقني لنص عام 2023 وتأجيل حسم القضايا الخلافية الجوهرية إلى مراجعة عام 2029.
ويقدم هذا التحليل قراءة شاملة للديناميكيات المعقدة التي أطرت مفاوضات عام 2026، مستعرضاً التجاذبات بين التيار المطالب بتوسيع الصلاحيات الأمنية والعملياتية، والتيار المتمسك بالحفاظ على المكتسبات الحقوقية، ودور المجتمع المدني، وولاية الأجهزة الرقابية. وفيما يلي إعادة قراءة مفصلة لكافة محاور هذا الملف الشائك:
رؤى متنافسة لمكافحة الإرهاب العالمي
أبرزت المفاوضات الجارية بين مارس ويونيو 2026 عمق الخلافات بين الدول الأعضاء حول الهدف الجوهري من عملية المراجعة. فمنذ اعتماد المراجعة الثامنة عام 2023، أُثقل كاهل القرار بزيادة عشوائية في الحجم حتى بلغ 28 صفحة، ضمت 123 فقرة تنفيذية وديباجة مطولة من 8 صفحات مليئة بالتكرار والإشارات الهامشية واللغة البيروقراطية الركيكة. هذا التضخم الإجرائي يقف على طرفي نقيض مع الاتفاقية العالمية الأصلية لمكافحة الإرهاب التي لم تتجاوز سبع صفحات موجزة ومركزة، مما أثار شكوكاً جادة حول قدرة هذه القرارات المطولة على توجيه الممارسات الاستراتيجية للدول والأمم المتحدة، خاصة في ظل انعدام أية آليات فعالة لمتابعة التنفيذ.
تجلت هذه الفجوة في انقسام الوفود المشاركة إلى تيارين أمني وسياسي حادين؛ حيث ركّز الفريق الأول على الأولوية العملياتية القمعية لمواجهة التهديدات المتطورة، عبر إقحام قضايا التقنيات الناشئة، الذكاء الاصطناعي، تمويل الإرهاب، وأمن الحدود، والجريمة المنظمة، فضلاً عن الاعتماد على "الرؤى السلوكية". وفي المقابل، اندفع فريق آخر لنزع الصبغة الأمنية الخالصة عن الاستراتيجية عبر المطالبة بالاعتراف بالعنف القائم على الهوية، ومكافحة خطاب الكراهية والتمييز، مع التركيز على قضايا التطرف، الانفصال، ومخاوف الحفاظ على السيادة الوطنية.
وفي خضم هذا التباين، تمسكت مجموعة واسعة من الدول بضرورة تعزيز البعد الحقوقي وضمان التنفيذ المتوازن والمتكافئ لأركان الاستراتيجية الأربعة دون طغيان ركن على آخر. وتتمثل هذه الأركان في: معالجة الظروف المواتية لانتشار الإرهاب، وتدابير منع الإرهاب ومكافحته، وبناء القدرات الوطنية وتعزيز دور الأمم المتحدة، وأخيراً الركن الأساسي المتمثل في ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون باعتباره المظلة الحاكمة لكافة الجهود الدولية.
وعلى صعيد الديناميكيات الدبلوماسية، قادت المفاوضات مجموعة نشطة من الفاعلين الدوليين في مقدمتهم منظمة التعاون الإسلامي، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إلى جانب المكسيك وكندا وأستراليا. في المقابل، لوحظ تراجع نسبي في مشاركة الدول الأفريقية والآسيوية رغم كونها الأكثر تضرراً ميدانياً من تبعات الإرهاب. وكان من أبرز الجوانب الإيجابية في هذه العملية نجاح منظمات المجتمع المدني في فتح قنوات تواصل مباشرة مع الدول الأعضاء ومع الميسرين المشاركين (المغرب وفنلندا) اللذين توليا إدارة وتنسيق جولات المفاوضات.
عملية تحت ضغط
تكشفت خلال المناقشات اختلالات إجرائية واضحة كشفت أن عملية المراجعة التاسعة لم تُدار بالشكل الأمثل، مما فرض ضغوطاً غير مسبوقة على سير المفاوضات. فقد جاء تعيين الميسرين المشاركين في وقت متأخر نسبياً مع نهاية يناير 2026، لتُطرح المسودة المنقحة الأولى مرفقة بزيادة كبيرة في مقترحات الدول الأعضاء ضمن جدول زمني مضغوط للغاية. هذا الهامش الزمني الضيق حرم الوفود المفاوضة من فرصة إجراء مشاورات متأنية مع عواصمها أو التنسيق الفعال مع الشركاء ذوي التوجهات المماثلة قبل تدشين الجلسات الرسمية.
وقد أثارت هذه الظروف موجة من التشكيك والإحباط لدى شريحة واسعة من الدول الأعضاء، والتي عبّرت عن مخاوف جدية بشأن منهجية الصياغة وتسلسل المفاوضات. وانقسمت الآراء بين فريق رأى أن النص بات مفرطاً في التفاصيل ومُتضخماً من الناحية العملية بشكل يعوق الاتفاق، وفريق آخر تساءل بجدية عما إذا كانت عملية الصياغة قد استوعبت بالفعل مدخلات كافة الدول، أو حافظت على التوازن الحساس المعقود بين ركائز الاستراتيجية الأربعة.
كما أدت الضبابية الإجرائية إلى تعميق أزمة الثقة؛ حيث لاحظت بعض الوفود تبايناً غير مبرر في تعاطي المسودات المتتالية مع المقترحات، إذ جرى دمج بعضها بسلاسة بينما حظيت مقترحات أخرى بتجاهل أو معالجة محدودة. وسواء كانت هذه الشكوك مستندة إلى واقع أم مجرد انطباعات، فقد أضفت ظلالاً من التشكيك حول الشفافية والحياد، مما ألقى بظلاله على بيئة المفاوضات وجعل مهمة الميسرين المشتركين في الحفاظ على حد أدنى من التوافق أمرًا بالغ التعقيد.
وفاقم هذا المأزق الإجرائي من صعوبة الخيارات المتاحة أمام الميسرين المشاركين؛ إذ وجدوا أنفسهم بين فكي ملاقط حقيقيين: فتقديم مسودة شاملة تستوعب كافة المطالب يعرض النص لانتقادات بالتضخم والإسهال التفصيلي، في حين أن الاتجاه نحو تبسيط النص وتقليصه ينطوي على مخاطرة كبرى بإلغاء تنازلات سابقة جرى التفاوض عليها بعناية، مما يهدد بالإخلال الكلي بالتوازن بين الركائز الأربعة للاستراتيجية.
مفاوضتان بدلاً من واحدة
شهد مسار المفاوضات تحولاً إجرائياً فارقاً في 8 يونيو/حزيران، عندما طرحت الولايات المتحدة مسودة بديلة طال انتظارها منافسةً للنص المنقح الثاني المعمم من قِبَل الميسرين المشاركين. قدم الطرح الأمريكي نموذجاً مغايراً بالكامل، تمثل في وثيقة أوجز بكثير تهدف إلى دمج معظم الصياغات النافذة مع خفض عدد الفقرات بنسبة ملحوظة، حيث وصفت واشنطن النص القائم بأنه "مطول، وقديم، ويفتقر إلى التركيز الاستراتيجي". ولم يكن مسعى تبسيط النص في حد ذاته منبوذاً، لا سيما بالنظر إلى التضخم غير المسبوق الذي شهده قرار مراجعة عام 2023 والمسودة المتضخمة المطروحة لمراجعة عام 2026.
لكن المضمون الجوهري للمقترح الأمريكي أثار موجة واسعة من القلق، إذ تعمد حذف إشارات حيوية تتعلق بحماية الخصوصية، ومخاطر المراقبة العشوائية، والآثار السلبية لتدابير مكافحة الإرهاب، إلى جانب إسقاط بنود المساواة بين الجنسين، وضمانات حقوق الإنسان، وولاية المقرر الخاص. وفي المقابل، أبقى النص على الأحكام التشغيلية ذات الطابع الأمني القمعي بل ووسع نطاقها، لا سيما ما يتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والبيانات البيومترية، وقوائم المراقبة، وبيانات المسافرين، وإدارة الحدود. وبذلك، بدا المقترح محاولة جادة لتغليب التدابير الأمنية المباشرة على حساب أطر المساءلة والحماية الحقوقية.
وعلى الصعيد الإجرائي، أدخلت الخطوة الأمريكية المفاوضات في مسار معقد وخطر؛ فبالرغم من حق أي دولة عضو في تقديم مقترحاتها، فإن طرح المسودة الأمريكية جنباً إلى جنب مع نص الميسرين المشتركين باعتبارها أساساً تفاوضياً بديلًا قد وضع واشنطن في موقع "الميسر المشارك غير الرسمي". أدى هذا السلوك الدبلوماسي إلى فرض مسار تفاوضي موازٍ ورُفع نص وطني إلى منصة القرار قبل استنفاد آليات التيسير الرسمية المعتمدة، مما فرض على الوفود التعامل مع مفاوضتين متوازيتين بدلاً من مسار موحد.
وانتهى هذا المناورة الإجرائية بالفشل الذريع للنص الأمريكي ور فضه من غالبية الوفود، إلا أن هذه الواقعة كشفت عن ثغرة هامة في إدارة العملية الدبلوماسية للأمم المتحدة. فقد تركت حثيثات هذا الطرح الموازي دروساً إجرائية قاسية سيتعين على الميسرين المشاركين في الاستعراضات المستقبلية استيعابها، لضمان الحفاظ على الثقة والشفافية في المفاوضات الرسمية، ووضع حد للنزعات المتزايدة لدى بعض القوى الكبرى وفرض أجنداتها الوطنية كبديل للمسارات المتعددة الأطراف.
الحفاظ على الماضي، وتأجيل المستقبل
أمام انسداد أفق التوافق وإصرار مختلف الأطراف على التمسك بخطوطها الحمراء، وجد الميسران المشاركان في التمديد التقني لقرار عام 2023 مخرجاً آمناً لتفادي انهيار العملية التفاوضية أو الوصول إلى طريق مسدود. وبعد أشهر طوال من السجالات المعقدة، انجلت المراجعة التاسعة دون أي تعديل جوهري يُذكر على مضمون النص الأصلي. ولأول مرة منذ تأسيس الاستراتيجية في عام 2006، كُسر تقليد الإجماع الدبلوماسي لتُختتم المراجعة عبر تصويت إلكتروني مسجل، أيدت فيه 141 دولة القرار، بينما اختارت ثلاث دول فقط الوقوف في معسكر المعارضة وهي: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والأرجنتين.
وعلى الرغم من المناخ الاستقطابي الشديد، أثبتت هذه النتيجة الصلابة المكتسبة للإطار المعياري الدولي الذي تشكّل على مدار عقدين من العمل المشترك. إذ تكفل هذا التمديد بالحفاظ على المكتسبات الحقوقية والأنصبة الحاكمة، بما في ذلك النص صراحة على حقوق الإنسان، ودور المجتمع المدني، والمساواة بين الجنسين، وحماية الأطفال، والتنفيذ المتكافئ لأركان الاستراتيجية الأربعة، والرقابة، مع الإبقاء على ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. وفي المقابل، نجح التمديد في حجب المقترحات الإشكالية التي حاولت إقحام مصطلحات مطاطية مثل "التطرف اللاعنفي" أو "الانفصالية"، ومطالبات توسيع الصلاحيات القمعية دون ضمانات حقوقية متناسبة.
وشكّل التمسك بهذه الأدبيات إنجازاً تكتيكياً بارزاً أعاد تأكيد الدعم الدولي العريض للاستراتيجية باعتبارها المظلة المتعددة الأطراف الوحيدة الناظمة للتعاون في هذا المجال. إلا أن هذا الصمود كشف في الوقت ذاته عن هشاشة غير مسبوقة؛ إذ تحولت المبادئ التي كانت تُعد ثوابت راسخة إلى نصوص مطروحة للمساومة والنزاع، مما هدد بتقويض توافق دام عشرين عاماً وفتح الباب أمام تراجعات حادة في ملف حقوق الإنسان على الساحة الدولية.
وانتهت العملية إلى إرساء سابقة مقلقة تمثلت في تحطم قاعدة Consensus (التوافق العام)، وهي ديناميكية تُنذر بمخاطر جسيمة قد تلقي بظلالها على جولات الاستعراض القادمة. وتضع هذه النتيجة المجتمع الدولي أمام ضرورة قراءة الدروس الإجرائية المستفادة بعناية، من أجل إعادة بناء جسور التوافق وضمان ألا تُضحى الالتزامات الحقوقية أو تُستنزف في الاستحقاقات الدبلوماسية المستقبلية.
ما وراء المراجعة التاسعة
أكدت المناقشات التي تلت اعتماد القرار الموقف الراسخ للاستراتيجية باعتبارها الإطار الدولي الوحيد القادر على توجيه التعاون متعدد الأطراف في مجال مكافحة الإرهاب، حتى في أوقات الاستقطاب الجيوسياسي الحاد. غير أن هذه النقاشات كشفت أيضاً عن انقسامات عميقة ومستمرة بين الدول الأعضاء بشأن الاتجاهات المستقبلية، وهي خلافات لم تُحسم في المراجعة التاسعة بل تم تأجيلها. وقد أظهرت العملية أن التوافق الظاهري يخفي خلفه صراعاً مفاهيمياً واستراتيجياً حول كيفية التوفيق بين المتطلبات الأمنية والالتزامات الحقوقية في عالم متغير.
في هذا السياق، قدم المدافعون عن حقوق الإنسان والمقرر الخاص للأمم المتحدة والمجتمع المدني رؤية تفصيلية لتطوير الاستراتيجية وتدارك الثغرات القائمة. وتشمل هذه المقترحات إدماج معايير حقوق الإنسان في التعامل مع التقنيات الحديثة، وتمويل الإرهاب مع كفالة الاستثناءات الإنسانية، وإدارة الحدود الهجرية، والتدابير الإدارية التقييدية، والعمليات العسكرية. كما شددوا على ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة، وتوفير الحماية للمجتمع المدني من الأعمال الانتقامية، وإعادة التوازن المالي والتشغيلي بين أنشطة الأمم المتحدة عبر أركان الاستراتيجية الأربعة لضمان عدم طغيان البعد الأمني على البعد الحقوقي.
في المقابل، تدعو بعض الدول الأعضاء إلى إعطاء الأولوية للتنفيذ الفعلي والعملي للالتزامات القائمة وتحديث التنسيق المؤسسي، بدلاً من التوسع المستمر في إضافة أحكام ومفاهيم معيارية جديدة. وتبرز في هذا الصدد إشكالية تقييم الأداء؛ إذ ما زال إطار العمل القائم على النتائج لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في مراحله الأولى ويركز على التقييم الكمي دون القياس النوعي للأثر أو الفعالية من حيث التكلفة، فضلاً عن غياب آليات الرقابة والمساءلة المستقلة على المستوى الوطني والدولي لمراقبة أداء الدول في تنفيذ التزاماتها.
وعلى الضفة الإجرائية، يُتوقع أن تشهد آليات التفاوض في الاستعراضات القادمة تحولات ملموسة. فالتضخم المتزايد لنصوص القرارات جعل التفاوض عليها كوحدة واحدة أمراً في غاية الصعوبة، مما يفتح الباب أمام مقترحات جادة لإعادة هيكلتها وتبسيطها اقتداءً بالسابقة الأمريكية. ومن المرجح أن تتجاوز النقاشات المستقبلية مجرد التعديلات اللفظية والصياغات الفنية لتركز على الغرض الاستراتيجي والجدوى العملية لقرارات المراجعة، وكيفية جعلها أكثر مرونة واستجابة للتحديات الميدانية دون التضحية بالثوابت القانونية.
وأخيراً، تتطلب الاستعدادات للمراجعة العاشرة عام 2029 تحركاً مبكراً لإعادة بناء التوافق المعياري حول تحديث تدابير مكافحة الإرهاب، مع تأكيد أن احترام حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين ودور المجتمع المدني هي عوامل تعزز الفعالية ولا تضعفها. ويستدعي ذلك بناء تحالفات واسعة وصياغة مقترحات تسوية متينة قانونياً قبل بدء المفاوضات الرسمية للتعامل مع المسارات المتوازية. ورغم أهمية تحقيق الإجماع، فإن التحدي الحقيقي في عام 2029 يكمن في تجاوز الموقف الدفاعي والانتقال إلى أجندة تقدمية تمنع استخدام تدابير مكافحة الإرهاب كغطاء للانتهاكات الحقوقية.
