قصة يوسوكي ناغاي.. الشاب الياباني الذي يحارب التطرف ويدمج مقاتلي القاعدة في الصومال

الأربعاء 02/سبتمبر/2026 - 10:35 ص
طباعة قصة يوسوكي ناغاي.. علي رجب
 
قصة يوسوكي ناغاي..
بدأ يوسوكي ناغاي رحلته الإنسانية مراهقا يافعا يبلغ من العمر 19 عاما فقط، حاملا رؤية مثالية لمساعدة دولة الصومال التي مزقتها الحروب والنزعات المسلحة. والיום، تحول الشاب الياباني ليصبح المشرف والمدير للبرنامج الأجنبي الوحيد الممول من الخارج، المعني بإعادة دمج وتأهيل المقاتلين الإسلاميين النشطين والمنشقين في البلاد، في ظل فراغ دولي هائل وانحسار الدعم الغربي.

من طلاب المدارس إلى إعادة تأهيل المسلحين
تعود جذور المبادرة إلى عام 2011، حين أطلق ناغاي برنامجا مخصصا للطلاب الصوماليين بهدف معالجة الأسباب الجذرية والعميقة للتمرد الوحشي الذي تقوده حركة "الشباب" المرتبطة بتنظيم القاعدة. 
وبحلول عام 2013، وسع مشروعه ليشمل برنامجا لإعادة تأهيل أعضاء العصابات، وهو ما مهد الطريق بعد ثلاث سنوات لشراكة رسمية واستثنائية مع الحكومة الصومالية لإعادة دمج العناصر السابقة لحركة الشباب في المجتمع.

ورغم التحذيرات الشديدة التي تلقاها من معلميه الذين وصفوا خطوته بـ "الخطيرة للغاية"، أصر ناغاي على المضي قدما، متسائلا عن بدائلهم الفعلية للمساعدة. ومنذ ذلك الحين، نجحت منظمته غير الحكومية، "أكسيبت إنترناشونال"، في التعامل مع نحو 1700 مقاتل مسجون و250 منشقا، متوسعة بأنشطتها لتشمل اليمن، والأراضي الفلسطينية، وإندونيسيا، ومناطق أخرى.

بيئة عمل عدوانية وتحديات ميدانية
ومع تقليص واشنطن والجهات المانحة الدولية لأجزاء ضخمة من مساعداتها للصومال، أصبحت منظمة ناغاي الوكالة الأجنبية الوحيدة تقريبا التي تكافح التطرف على الأرض.
 وبتمويل أساسي يعتمد على التبرعات الفردية في اليابان، يدير ناغاي فريقا مكونا من 17 موظفا يعملون داخل السجون ومركز للمنشقين في العاصمة مقديشو، إلى جانب 15 آخرين في مركز إعادة التأهيل بمدينة دوسمريب عاصمة ولاية غلمدغ.

يصف ناغاي بيئة العمل بالقول إنها قد تكون عدوانية وخطرة للغاية، مشيرا إلى أن السجناء التابعين لحركة الشباب يتسمون بدرجة عالية من التطرف، وغالبا ما يوجهون عبارات عدائية للعاملين مثل: "يا كفار، سأقتلكم". إلا أن قصص النجاح المتلاحقة تعوض تلك المخاطر، إذ تحول بعض المستفيدين إلى خياطين، أو عناصر في شرطة المرور، أو جنود ضمن صفوف الجيش الوطني الصومالي.

فلسفة "التمكين" في مواجهة غسيل الدماغ
يتجنب ناغاي استخدام مصطلح "نزع التطرف" التقليدي، مفضلا التركيز على مفهوم "التمكين". وهو يؤمن بعمق أن البرامج التأهيلية قادرة على تحويل المقاتلين السابقين إلى "عملاء سلام". يمتد البرنامج عادة لمدة عام كامل، مسلطا الضوء على المهارات المهنية كالنجارة والتعليم الأساسي، لا سيما أن نحو ثلث المشاركين يعانون من الأمية، وهو ما يجعلهم عرضة لعمليات غسيل الدماغ.

وتعد قصة نور علي (32 عاما) نموذجا بارزا للنجاح؛ فقد انضم لحركة الشباب في سن السابعة عشرة عقب مقتل شقيقه برصاص القوات الحكومية، ليلقى القبض عليه لاحقا ويحكم عليه بالسجن 15 عاما. وهناك، التقى بناغاي وتلقى إرشادات دينية ساعدته على تغيير مسار حياته بالكامل. وأكد علي عبر الهاتف من مقديشو أن الشباب بحاجة ماسة للتعليم والتوجيه، مشيرا إلى أن العديد من العناصر السابقة باتت تتخذه قدوة لتغيير حياتها نحو الأفضل. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، إذ تسيطر حركة الشباب على أجزاء واسعة من وسط البلاد، ما يجعل انشقاق عناصرها مغامرة محفوفة بالمخاطر العائلية والميدانية.

تراجع الدعم الدولي وفراغ التمويل
على صعيد السياسات الدولية، شهدت جهود نزع التطرف -التي طغت خلال ذروة ما يسمى "الحرب الغربية على الإرهاب"- تراجعا ملحوظا بعد فقدان المانحين ثقتهم في كفاءة الحكومة الصومالية. 
وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة كانت قد دعمت برامج إعادة الإدماج بين عامي 2013 و2024، قبل أن توقف تمويلها نهائيا في عام 2025 بسبب محدودية المعلومات وغياب الشفافية المؤسسية.

وتعاني مراكز إيواء المقاتلين السابقين من نقص حاد ومؤسف في التمويل، ترافقه أزمات غذائية وتفشي للأمراض، وسط اتهامات للفساد والصراعات الداخلية بمفاقمة الأوضاع، وفقا لتقارير بحثية أعدتها الخبيرة مارتين زويثن للمعهد الملكي للخدمات المتحدة. 
ورغم هذه الظروف القاتمة، يواصل عبد الله (29 عاما)، الذي انضم سابقا للحركة بحثا عن وعود مالية وهمية وفر منها لاحقا، الإشادة بمراكز التأهيل، مؤكدا أن الكثيرين يتمنون الانشقاق لكنهم يجهلون الوجهة الآمنة، ليظل الفريق الياباني بمثابة الجسر الوحيد المتبقي لإنقاذ التائبين وسد الفجوة الدولية الهائلة في الصومال.

شارك