حسام الحداد يكتب: تسعير الفجيعة.. قراءة نقدية في فيلم Worth وديناميات ما بعد الصدمة الوطنية
الأربعاء 02/سبتمبر/2026 - 11:55 ص
طباعة
حسام الحداد
تدشن هذه المقالة المفتتح والأولى ضمن سلسلة "سينما 11 سبتمبر"، وهي سلسلة تحليلية ونقدية تسلط الضوء على الأثر السينمائي والفكري للهجمات الإرهابية الأكثر تأثيرا في التاريخ الحديث، وكيف تمثلت هوليوود والسينما العالمية أبعاد هذه الصدمة الوطنية. تناولت أعمال متعددة هذا الحدث الجلل من زوايا متباينة؛ بدءا من التوثيق البطولي والدرامي المباشر للمأساة كما في United 93 وWorld Trade Center، مرورا بالتتبع الاستخباراتي والميداني لردود الفعل العسكرية كما في Zero Dark Thirty وThe Report، وصولا إلى الرصد الوثائقي والسياسي الجريء في Fahrenheit 9/11. تأتي هذه السلسلة لتفكيك تلك الأعمال وقراءتها ليس فقط كمنتجات فنية، بل كوثائق اجتماعية وسياسية تعكس تحولات الخطاب الغربي تجاه الإرهاب والأمن والعدالة.
تظل سينما ما بعد الحادي عشر من سبتمبر مسكونة بسؤال محوري يمتد عبر طبقات متعددة من الوعي الجمعي: كيف تتشكل صورة الصدمة عندما تهدأ أدخنة الركام وينقشع غبار الفاجعة الأولى؟ بينما هرعت هوليوود في سنواتها الأولى نحو استعادة البطولات الفردية فوق الأنقاض أو الانغماس في تفاصيل رد الفعل العسكري والأمني، جاء فيلم Worth (2020) للمخرجة سارة كولانجيلو ليعالج المنطقة الأكثر إيلاما وتعقيدا في السيرة الوطنية للحادث. إنها المنطقة العتمة التي تلتقي فيها البيروقراطية الرسمية بالثكل الإنساني الخاص، وتقاس فيها أثمان أرواح البشر وخساراتهم بمعادلات رياضية صماء، مما يجعله مدخلا تأسيسيا وفاروقا فهميا لبداية هذه السلسلة.
يقدم Worth تجربة فكرية وسينمائية استثنائية تنقل ساحة المواجهة من الميدان والحدود العابرة إلى أروقة المحاكم وجداول البيانات، معيدا طرح أسئلة السيادة والرأسمالية والكرامة في أعقاب الفعل الإرهابي. ومن خلال هذا التحليل المفصل، نلج إلى قراءة أعمق لكيفية معالجة الفيلم ل "ديناميات ما بعد الصدمة"، مستكشفين الأبعاد القانونية والأخلاقية التي واجهت الدولة والمجتمع أثناء محاولة إعادة بناء ما هدمته يد التطرف.
البيروقراطية كميدان مواجهة:
تستند القوة التأثيرية لفيلم Worth إلى تحويل الأروقة القانونية والمكاتب المغلقة إلى ميدان مواجهة درامي وسياسي حاد، حيث يعاد تشكيل مفهوم العدالة في أوقات الكوارث الوطنية. تنطلق الحبكة من قرار الإدارة الأمريكية بإسناد إدارة "صندوق تعويضات ضحايا 11 سبتمبر" إلى كينيث فاينبرغ (أدى دوره بكفاءة مشهودة مايكل كيتون)، المحامي البارز والخبير المرموق في التوفيق والوساطات المعقدة. لم تكن مهمة فاينبرغ مجرد عمل إداري روتيني، بل تمثلت في سباق محموم مع الزمن حدد بمهلة حاسمة فرضها الكونغرس الأمريكي، بهدف صياغة آلية تعويض تتسم بالسرعة والنجاعة لمنع شلل الدولة عقب الصدمة.
تمثلت الغاية السياسية والإستراتيجية الأولى للصندوق في حماية الاقتصاد الوطني من هزة ارتدادية قد لا تقل خطورة عن الهجوم ذاته؛ فبدون هذا الصندوق، كانت شركات الطيران قطاع التأمين ومؤسسات اقتصادية كبرى ستواجه طوفانا من الدعاوى القضائية الفردية التي قد تؤدي إلى إفلاسها المباشر. وفي المقابل، كان على فاينبرغ وفريقه إقناع أسر أكثر من ثلاثة آلاف ضحية بالتنازل عن حقهم الدستوري في مقاضاة تلك الشركات مقابل الحصول على تعويضات مالية حكومية، وهو ما يتطلب ضمان مشاركة 80% على الأقل من العائلات لإضفاء الشرعية القانونية والسياسية على الصندوق وإغلاق الملف نهائيا.
هنا تكمن المأساة الدرامية التي نجح الفيلم في تعميقها، حيث تحولت قاعات المحاضرات وجداول بيانات "إكسل" الصماء إلى ساحة لاختبار القيم الأخلاقية الرأس مالية. انطلق فاينبرغ في البداية من منطق تكنوقراطي وقانوني بارد، يقيم الروح الإنسانية وفق صيغة رياضية تحسب القيمة الاقتصادية المستقبلية المتوقعة للضحية بناء على دخلها السنوي، عمرها، وعدد معيليها. هذا النهج الحسابي شطر المجتمع إلى طبقات حتى في الموت، وجعل النظام البيروقراطي يصطدم بجدار من التساؤلات الأخلاقية الوعرة حول مدى عدالة نظام يرى أن حياة مدير استثماري في "وال ستريت" تسوى ماديا أضعاف حياة رجل إطفاء أو عامل نظافة قضى في النقطة صفر أثناء أدائه لواجبه.
تتجلى قيمة هذا البناء الدرامي في تعرية الفجوة بين "عدالة الأرقام" و"عدالة الكرامة الإنسانية"، إذ يكتشف فاينبرغ تدريجيا أن التعامل مع الفجيعة الوطنية لا يمكن اختزاله في معادلات حاسوبية صلبة. تحول الخطاب داخل الفيلم من مجرد تفاوض مالي حول قيمة الصكوك، إلى مواجهة مفتوحة بين منطق الدولة الحريص على استقرار المنظومة الاقتصادية، وبين حق أسر الضحايا في الحصول على اعتراف معنوي ومأساة إنسانية متساوية لا تفاضل بين الدماء بناء على العائد المالي لكل ضحية.
دلالات تسعير الإرهاب:
يتجاوز الفيلم المنظور التقليدي لأدبيات مكافحة الإرهاب والتحليل السياسي، والملتزم عادة بتوثيق الأثر المباشر للعمليات الإرهابية على الأجساد والبنى التحتية، ليغوص في تشريح "الأثر التدميري التراكمي" الموجه ضد رأس المال الأخلاقي والمؤسسي للدولة. فالعنف الإستراتيجي للجماعات المتطرفة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم يستهدف فقط رمزية القوة العسكرية والاقتصادية، بل سعى لإحداث شلل ممتد في المنظومة القانونية والرأسمالية للولايات المتحدة. وظهر ذلك جليا في المأزق الذي واجهته واشنطن عقب التفجيرات، حيث بات النظام الاقتصادي برمتة مهددا بالانهيار تحت وطأة مطالبات التأمين الهائلة وطوفان القضايا الفردية التي كانت ستعصف بشركات الطيران والقطاعات المالية المترابطة.
في هذا السياق، تكشف محاولة الدولة لتأسيس صندوق التعويضات عن البعد المعقد ل "تسعير الإرهاب" كأداة أمن وسيادة استباقية لاستعادة السيطرة؛ إذ تحول الصندوق إلى درع أخير لحماية اقتصاد الدولة من التداعي الهيكلي. غير أن هذا الصندوق، بصيغته التكنوقراطية الأولى، كشف عن ثغرة أخلاقية نفذ منها المنطق الإرهابي بشكل غير مباشر، حيث أجبر مؤسسات الدولة على امتثال اضطراري لمعادلات سوقية تقيم أرواح الضحايا ودرجة مظلوميتهم بناء على دخلهم الفردي ومكانتهم الوظيفية، مما أدى إلى تجزئة الفجيعة الوطنية وتكريس الطبقية حتى في لحظات الفقد الجماعي.
وهنا تجسدت في البناء الدرامي للفيلم حالة من "العدالة الانتقالية المصغرة" عبر شخصية "تشارلز وولف" (التي أداها ستانلي توتشي برصانة لافتة)، وهو الزوج الذي فقد زوجته في الهجمات وأسس حركة "FixTheFund" (والتي صورت باسم "Give Your Voice" للضرورة الدرامية). لم يطرح وولف نفسه كمنافس قانوني للمؤسسة الحكومية، بل كحارس لقيم الكرامة الإنسانية؛ إذ أدرك أن مواجهة تداعيات الإرهاب لا تكتمل بإنقاذ شركات الطيران ورجال الأعمال، بل برفض تحويل الدماء إلى أرقام في جداول إحصائية تنتزع عن الضحايا إنسانيتهم المستقلة.
شكلت تحركات وولف نقطة تحول محورية حولت الصراع من تفاوض مالي حول "تحسين شروط الدفع" إلى مواجهة سياسية وأخلاقية تهدف إلى انتزاع اعتراف متساو بكرامة كل ضحية، بصرف النظر عن موقعها في الهرم الطبقي أو الرأسمالي. وبذلك، أثبت الفيلم أن التعافي الحقيقي للمجتمعات من آثار الفكر المتطرف لا يتحقق فقط عبر ردع الفاعلين أو تحصين الأسواق المالية، بل من خلال قدرة الدولة على الحفاظ على معايير العدالة والمساواة الإنسانية كاملة في لحظات الاختبار القسري، ومنع الإرهاب من تجريد المجتمع من منظومته الأخلاقية.
التشريح النقدى: التمثيل والبناء الدرامي
نجحت المخرجة سارة كولانجيلو، عبر سيناريو محكم كتبه ماكس بورينشتاين، في قيادة العمل نحو معالجة سينمائية متزنة تحاشى فيها الوقوع في فخاخ "الميلودراما" المبتذلة والابتزاز العاطفي الذي عادة ما يرافق أفلام الكوارث الوطنية. تجلت براعة التوجيه الإخرائي في إدراك أن الصدمة الحقيقية لأحداث 11 سبتمبر في هذا السياق ليست لحظة انفجار البرجين، بل الاصطدام الهادئ والأليم بين القوانين الصماء والوجع الإنساني المتدفق، مما جعل الفيلم ينسج دراماه من تفاصيل الحوارات المكتوبة بعناية والجلسات المغلقة دون حاجة للاستعراض البصري المجاني.
على صعيد الأداء التمثيلي، قدم مايكل كيتون واحدا من أكثر أدوار هادئة ونافذة في مسيرته، حيث رسم التحول التدريجي لشخصية كينيث فاينبرغ بدقة متناهية؛ إذ لم يظهر كشخصية شريرة أو متجردة من الإنسانية في البداية، بل كتكنوقراطي جاف ومؤمن بصرامة بأن القانون هو أداة قياس حيادية ومجردة. ويتتبع الفيلم هذا التحول الهادئ عبر تعابير وجهه ولغة جسده وهو يتنازل تدريجيا عن كبريائه المهني وبرجه العاجي، ليتحول من محام يكتفي بتدوين الملاحظات بحذر إلى إنسان يستمع بعمق وشغف لشواهد الفقد، مصلحا رؤيته للمفهوم الشامل للعدالة.
أما في البناء البصري والصوتي، فقد اعتمد الإخراج على لوحة ألوان بصرية تميل إلى البرودة والعتمة التكتيمية داخل المكاتب التنفيذية وقاعات المحاكم، وهو ما يعكس الجفاف البيروقراطي وجمود المنظومة الرسمية. وحينما كانت الدراما بحاجة إلى كسر هذا الجمود، استخدمت كولانجيلو جلسات الاستماع الحقيقية للضحايا كركيزة شحن عاطفي وهيكلي؛ حيث أفسحت المجال أمام ممثلين ثانويين لتقديم شهادات حية ومؤثرة عن ذويهم المفقودين، مما أوجد تناقضا بصريا وصوتيا حادا بين البرود الإداري للجداول والحرارة الإنسانية للدموع والذكريات.
تتوج هذه الصنعة الدرامية بالمعالجة الموضوعية والنزيهة التي اتبعتها حبكة الفيلم، إذ تجنب التخندق السياسي أو توجيه أصابع الإدانة الأخلاقية الحادة سواء تجاه الدولة ومؤسساتها أو تجاه الأهالي المعترضين والرافضين للتسوية. وبدلا من تقزيم القضية في معركة بين "خير ومطلق" و"شر مطلق"، اختار الفيلم عرض إشكالية إدارية، قانونية، وسياسية بالغة التعقيد، تبرز صعوبة وصراع البحث عن صيغة توافقية تسعى لإعادة ترميم نسيج مجتمعي ممزق وسط أنقاض كارثة تاريخية غير مسبوقة.
أهمية مشاهدة الفيلم اليوم: دروس في وجه الاستقطاب
تكمن القيمة الاستثنائية لفيلم Worth في الوقت الراهن في كونه يقدم مانيفستو سينمائيا وعمليا حول كيفية تعافي المجتمعات والدول عقب الصدمات الوطنية الكبرى. ففي عصر يتسم بتصاعد الخطابات الراديكالية المتطرفة، وتفاقم حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وتزايد التهديدات العابرة للحدود، يبتعد الفيلم عن البروباغندا الوطنية التقليدية ليطرح رؤية نقدية عميقة تجعل من تجربة التعافي ذاتها أداة لتحصين المجتمع ومنع تفككه أمام الأزمات المستقبلية.
أول هذه الدروس يتجسد في ضرورة إعادة تعريف مفهوم المواطنة ومسؤولية الدولة في أوقات الكوارث؛ إذ يذكرنا الفيلم بأن الاستجابة الحقيقية للهجمات الإرهابية لا تقاس حكما بالقوة العسكرية الغاشمة أو بالتدابير الأمنية الصارمة فحسب، بل تمتد لتشمل مدى قدرة الدولة على التضامن مع مواطنيها وجبر أضرارهم. إن حماية اللحمة الاجتماعية وتأكيد أن الدولة هي المظلة الجامعة لكل أبنائها في لحظات الفقد، يعدان الخط الدفاعي الأول ضد المحاولات الإرهابية المستمرة لزرع الفتنة وإضعاف ثقة المواطن في مؤسساته الوطنية.
ثاني العناصر ينبه إلى خطورة إخضاع الأزمات الإنسانية الوطنية لمنطق السوق والرأسمالية المتوحشة؛ حيث يكشف الفيلم الخلل الفكري والأخلاقي الذي ينشأ عندما تقوم الأرواح والكرامات بأدوات مادية صماء تعتمد على العرض والطلب أو التقييم الوظيفي. تبين هذه التجربة أن العدالة الاجتماعية تتآكل سريعا ما لم تحاط بضوابط أخلاقية وإنسانية صارمة تضمن المساواة الكاملة للمواطنين أمام الفجيعة، وتمنع تحويل الآلام الإنسانية إلى طبقات وفئات تفاوتية تعمق الشعور بالتهميش والظلم.
أما الدرس الأهم فيتمثل في مركزية الاستماع للضحايا وإعطائهم صوتا حقيقيا كشرط أساسي لترميم النسيج المجتمعي ومواجهة الآثار الممتدة للفكر المتطرف. يثبت الفيلم أن إغلاق الملفات الوطنية المعقدة عبر الصكوك المالية أو القرارات الفوقية البيروقراطية لا يصنع تعافيا حقيقيا، بل يراكم مرارات مكتومة؛ فالتعافي المستدام يتطلب إتاحة المساحة الشفافة للضحايا لترجمة آلامهم إلى شهادات اعتراف، مما يحول الفجيعة الفردية إلى ذاكرة جمعية محصنة للمجتمع وموحدة لصفوفه في وجه التطرف.
واخيرا يقدم Worth تجربة سينمائية رصينة تبتعد عن الضجيج وصخب الانفجارات لتغوص في أروقة العدالة المتأخرة. إنه فيلم لا يؤرخ لحادثة 11 سبتمبر كفعل إرهابي فحسب، بل يؤرخ لليوم التالي للهجوم؛ كيف يستعيد المجتمع عافيته النفسية والقانونية عندما يدرك أن القيمة الحقيقية للبشر لا يمكن اختزالها في جدول بيانات.
