طهران تلوّح بهجمات استباقية/العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»/هجوم نيامي: النيجر تتهم فرنسا بالتحريض
السبت 05/سبتمبر/2026 - 12:49 م
طباعة
إعداد: فاطمة عبدالغني
تقدم بوابة الحركات الإسلامية أبرز ما جاء في الصحف ووكالات الأنباء العربية، بخصوص جماعات الإسلام السياسي وكل ما يتعلق بتلك التنظيمات، بكافة أشكال التناول الصحفي (أخبار – تعليقات – متابعات – تحليلات) اليوم 5 سبتمبر 2026.
الشرق الأوسط: مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟
يتنقل الأفرقاء الليبيون بين صيغ ومسارات تفاوضية عبر لجان ترعاها البعثة الأممية لدى البلاد، تحمل أرقاماً تبدأ من «5 + 5» إلى «6 + 6»، و«3 + 3»، و«2 + 2»، وصولاً إلى «4 + 4»، وذلك في محاولات لكسر جمود سياسي، وتعثُّر انتخابي، وانقسام عسكري وأمني طال أمده.
ومع توصُّل لجنة «4 + 4» إلى تفاهمات بين «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» المؤقتة في غربها بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية»، الأسبوع الماضي، وما أثارته من جدل، يعود التساؤل حول جدوى هذه المسارات، وما إذا كانت ستُنهي المرحلة الانتقالية، أم قد تمهِّد لصيغة جديدة؟
وتشترك هذه اللجان، رغم اختلاف مهامها، في محاولة تقريب وجهات النظر بين مؤسسات وأطراف شرق ليبيا وغربها، ومعالجة ملفات عالقة، من وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى القوانين الانتخابية أو توحيد الميزانية.
ومن منظور الدكتور عارف أحمد التير، الأكاديمي الليبي، فإن توالي هذه المسارات يعكس جانباً من تعقيدات الأزمة، في ظلِّ الانقسام السياسي والعسكري، وانتشار السلاح والميليشيات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية.
ويعتقد التير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الصيغ «باتت تمثل إطاراً لإيجاد حلول للأزمة من خلال إشراك ممثلين عن شرق البلاد وغربها»، عادّاً أن طبيعة الصراع دفعت إلى البحث عن ترتيبات تستوعب توازنات القوى، لكنها بقيت تحمل في طياتها سؤالاً لدى الليبيين عن «رقم الحظ» الذي يحمل حلاً لليبيين.
البداية مع تلك المسارات كانت عسكرية، حين شُكِّلت لجنة «5 + 5» في يناير (كانون الثاني) 2020 بموجب مخرجات «مؤتمر برلين»، واضطلعت بمهمة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب العاصمة طرابلس عام 2019، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وتمكنت من تثبيت الهدنة، لكنها لم تحقق نتائج حاسمة لتوحيد الجيش.
ومع تعثر انتخابات 2021 الرئاسية والبرلمانية، تشكلت لجنة «6 + 6» في مارس (آذار) 2023، بواقع 6 أعضاء من مجلس النواب، ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، وأقرَّت في يونيو (حزيران) من العام نفسه تعديلات للقوانين الانتخابية، لكنها لم تُفضِ إلى إجراء الانتخابات بسبب استمرار الخلافات السياسية.
ولم تتوقف هذه المسارات، إذ ارتبط إقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، في أبريل (نيسان) الماضي، بتفاهمات عُرفت بصيغة «2 + 2»، جمعت ممثلين عن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» في مسار مرتبط بمصرف ليبيا المركزي. لكن تنفيذه لم يكتمل بالشكل المأمول، وفق تصريحات لمسؤولين حكوميين.
راهناً، تحيط السرية بأعمال لجنة «3 + 3»، التي تشكلت بين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، عقب مناورات مشتركة في سرت خلال أبريل الماضي برعاية أميركية. ويتركز هدفها المعلن على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما فيها الاتجار بالبشر والتهريب.
ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام خطوات لتقريب المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وإن لم تظهر حتى الآن نتائج معلنة بشأن توحيد الجيش، لكنها تبقى رهينة سؤال مؤجل عن مصير الميليشيات والوجود الأجنبي.
ورغم ما حققته لجنة «4 + 4»، الأسبوع الماضي، من توافق بشأن الانتخابات وقوانينها و«مجلس المفوضية»، بوصفه «خطوة مهمة» على مسار إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن التير يشدِّد على أن «الاختبار الحقيقي في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية»، عادّاً أن نجاح الصيغة في ذلك «سيكون إنجازاً مهماً»، ويمهد لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتنظيم الانتخابات.
سياسيون آخرون ينظرون إلى ظاهرة اللجان ذات الصيغ الرقمية بقدر أكبر من التشكيك، عادّين أن سوابقها لا تحمل أي حظوظ لإنهاء المرحلة الانتقالية، بعدما عالجت ملفات جزئية من دون إنتاج حل شامل.
ويقول أبو بكر مصباح، عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف»، إن الصيغ التي طُرحت، ومنها «6 + 6» و«4 + 4» و«3 + 3»، أثبتت أنها أقرب إلى «حلول وقتية لإدارة الأزمة» منها إلى مسارات تستهدف إنهاءها والتوصل إلى تسوية دائمة.
ويربط مصباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استمرار هذه الدائرة بتغير المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، موضحاً أن تغيير القائمة بأعمال المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز أسهم، في رأيه، في «تعطيل المسار السياسي»، إذ يأتي كل مبعوث جديد برؤى وترتيبات مختلفة قبل اكتمال المسارات السابقة.
ويضع مصباح ملاحظة على تركيبة اللجان، إذ يرى أن معظم الصيغ ركزت على الشرق والغرب، بينما تجاهلت معادلاتها الجنوب، رغم موقعه المؤثر، عادّاً أن الجنوب «يمثل رمانة الميزان في هذه المعادلة السياسية المعقدة»، ومؤكداً أن الوصول إلى تسوية مستقرة «لا يمكن أن يتم من دون إشراك الجنوب بصورة حقيقية»، محذراً من أن استمرار إنتاج اللجان وفق صيغ مختلفة لا يعني بالضرورة أن الحل أصبح أقرب، ما لم تتوافر إرادة سياسية لتنفيذ التفاهمات.
ولا يحمّل فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة «6 + 6»، اللجان نفسها مسؤولية التعثر، إذ يرى لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة ليست في اللجان، وإنما في توجهات البعثة لإطالة المرحلة الانتقالية لتحقيق أغراض بعض المتدخلين في الشأن الليبي إقليمياً ودولياً».
وبينما تختلف التقييمات، تكشف حصيلة هذه المسارات عن أن كل لجنة جاءت لمعالجة عقدة محددة، لكنها لم تتمكَّن حتى الآن من تقديم حلول حاسمة وقابلة للاستدامة. ويبقى السؤال: إذا لم تكن «4 + 4» هي المسار الذي يخرج ليبيا من أزمتها، فكم ستحتاج البلاد من الصيغ واللجان كي تنتهي المرحلة الانتقالية؟
طهران تلوّح بهجمات استباقية
هدَّدت طهران باللجوء إلى ضربات «استباقية» في مواجهة أي تهديد عسكري محتمل، في وقت تستعد واشنطن والقوى الأوروبية لتصعيد الضغوط، عبر مسعى لإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن وتشديد العقوبات المالية.
وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا إن العقيدة العسكرية تتجه تدريجياً نحو العمليات الاستباقية، وإن القوات الإيرانية قد تلجأ إليها «حيثما تشعر بوجود تهديد».
وقال قائدان في الدفاع الجوي الإيراني إن القوات مستعدة «لكل أنواع المواجهة»، وإن «التهديد لم ينته»، متحدثين عن تطوير ونشر أنظمة دفاعية جديدة، وتحركات مستقبلية قالا إنها ستفاجئ الخصوم.
وفي الملف النووي، أفاد دبلوماسيون بأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تدفع نحو قرار في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأسبوع المقبل، لإحالة إيران إلى مجلس الأمن بدعوى انتهاك التزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار.
ويأتي ذلك التحرك مع استمرار عجز الوكالة عن التحقق من موقع أو حالة جزء أساسي من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية أمس عقوبات مرتبطة بإيران على ثلاثة كيانات مقرّها تركيا، بينها «بنك غولدن غلوبال للاستثمار»، إلى جانب شركتين لإدارة المحافظ وتأجير الأصول.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الاتحاد الأوروبي انضم إلى «عملية المنبوذ الاقتصادي» الرامية إلى تشديد العزلة المالية على طهران.
العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»
أُفيد في العراق، أمس، بأن عائلات ضحايا ما يُعرف بـ«حراك تشرين» عام 2019، تحضّر لرفع دعاوى على خلفية تصريحات أدلى بها قبل أيام، زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة فصائل مسلحة في قمع الاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام ضد النظام السياسي، ووصفها بـ«فتنة تشرين».
وأثار كلامه عاصفة انتقادات، في حين بدأت عشرات من عائلات ضحايا «الحراك» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع قوات الأمن خلال مشاركتهم في الاحتجاجات؛ لتقديمها ضمن دعاوى أمام المحاكم، على خلفية تصريحات زعيم «بدر».
ولم يرد هادي العامري زعيم منظمة «بدر» على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من «الإطار التنسيقي» قال لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات العامري «مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية».
السودان: الحرب قد تأتي من السماء
لا يحتاج سكان مدينة الأبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، إلى رؤية المقاتلين في الشوارع ليعرفوا أن الحرب اقتربت. يكفيهم سماع صوت في السماء، يعقبه إطلاق المضادات الأرضية ودوي انفجار في جهة ما، ليتداول الناس الخبر ويتساءلون: «أين سقطت المسيّرة هذه المرة؟ وأين ألقت بحممها؟ ومن أصابت؟ وما المنشأة التي ستخرج عن الخدمة؟». لقد أصبحت مدينة الأبيِّض، خلال الأشهر الأخيرة، واحدة من أكثر مدن السودان تعرّضاً لهجمات الطائرات المُسيَّرة، وفي حين اقتربت خطوط المواجهة البرّية منها إلى أقل من 40 كيلومتراً، أفاد شهود ومصادر طبية في 12 أغسطس (آب) الماضي، لوكالة «رويترز»، بأن ثماني مسيّرات استهدفت المدينة خلال يوم واحد، وأدى ذلك الهجوم لمقتل شخصين وإصابة آخرين، وذلك بالتزامن مع تجدّد العمليات العسكرية في شمال كردفان، من دون أن يعلن أي طرف مسؤوليته عن تلك الهجمات.
هجمات أغسطس (آب) في السودان لم تكن سوى امتداد لسلسلة أطول على المدينة الاستراتيجية؛ إذ قالت منظمة «أطباء بلا حدود» (MSF)، استناداً إلى بيانات «المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية» (INSO)، إن مناطق شمال كردفان سجّلت ما لا يقلّ عن 141 هجوماً بالمسيَّرات منذ بداية عام 2026 وحتى الثامن من يوليو (تموز) الماضي، وقع معظمها في مدينة الأبيِّض. وطالت الضربات مدارس وسوقاً ومحطات وقود ونقاط مياه ومحطة الكهرباء الرئيسة. وقدّرت المنظمة أن بين عدد سكان المدينة البالغ نحو نصف مليون شخص، قرابة مائة ألف نازح فرّوا من مناطق أخرى.
المسيّرات بعد الحصار
بين 6 - 28 يونيو (حزيران) الماضي وحده، وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 45 مدنياً، وإصابة 41 آخرين، في 15 ضربة بالمسيّرات في الأبيِّض ومحيطها. وبعد أشهر طويلة من ظروف شبيهة بالحصار ونقص المياه النظيفة والغذاء والرعاية الصحية، صار الوصول إلى الماء نفسه محفوفاً بالخطر؛ إذ أفادت «هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، بأن بعض النساء والفتيات بتن يتجنّبن الخروج لجلب المياه نهاراً خوفاً من هجمات المسيّرات، بينما يعرضهن الخروج ليلاً لمخاطر التحرّش والعنف الجنسي.
وبهذا أصبحت الأبيِّض، طوال صيف عام 2026، نموذجاً عملياً للتحول الذي طرأ على الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها في 15 أبريل (نيسان) 2023.
ولم تعد جبهة القتال، هناك، تعني فقط المكان الذي توجد فيه القوات البرية والمدفعية، فالطائرات الحربية والمسيرات حملتا الحرب إلى الأسواق والمستشفيات ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود والمطارات، وإلى مدن تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة.
أما بالنسبة إلى المواطنين، فقد ألغى ذلك واحدة من أبسط قواعد النجاة التي اتبعوها منذ بداية الحرب: «أن تبتعد عن القتال لكي تصبح أكثر أمناً»، فقد كان «محمد عبد المنعم» - اسم مستعار اختير لحماية هويته - يعتقد أنه فعل ذلك أكثر من مرة.
غادر محمد عبد المنعم منزله في مدينة الخرطوم بحري، في يونيو 2023، بعد أقل من شهرين على اندلاع القتال، واتجه إلى ولاية الجزيرة. وبعد اجتياح «قوات الدعم السريع» مدينة ود مدني في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، نزح مرة أخرى، وهذه المرة اختار مدينة بورتسودان في أقصى شرق البلاد، مكاناً لنزوح جديد.
كان عبد المنعم يظن أن المدينة هي «الأكثر أمناً»، ليس فقط لبُعدها عن مناطق القتال؛ بل لأن انتقال الحكومة ومؤسّسات الدولة إليها كعاصمة إدارية بديلة، يعني أيضاً أن إجراءات تأمينها ستكون أكبر، وأن وصول الحرب إليها أمر مستبعد.
انهيار أوهام الأمان
خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد عبد المنعم إن افتراضه ذاك انهار دفعة واحدة في صباح 4 مايو (أيار) 2025، وإنه ومن مكان إقامته في حي هدل، بشرقي مدينة بورتسودان، شاهد ما وصفها بأنها أول مسيّرة تهاجم المدينة. وقال: «كان الوقت باكراً، شاهدت المسيّرة تتجه إلى أقصى شرق المدينة، وبعد ذلك سمعت انفجارات في ناحية قاعدة فلامنغو العسكرية البحرية».
كان ذلك الهجوم بداية لستة أيام متتالية من هجمات المسيّرات على بورتسودان بين أيام 4 - 9 مايو من الشهر ذاته، وذلك وفقاً لمشروع تقييم القدرات (ACAPS)، الذي قال إن الهجمات طالت منشآت عسكرية ومدنية، من بينها مطار المدينة الدولي، ومستودع للوقود، وقاعدة عثمان دقنة الجوية، وقاعدة فلامنغو البحرية.
وفي السادس من الشهر ذاته، أصابت هجمات المسيّرات مستودعاً للوقود والمحطة الرئيسة للكهرباء، ما أدى إلى اندلاع حريق واسع وانقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة.
أزمات المياه والوقود
ويتذكّر عبد المنعم أنه شاهد لاحقاً دخاناً كثيفاً يتصاعد من اتجاهين؛ أحدهما ناحية الميناء الجنوبي، والآخر من أقصى جنوب المدينة، قبل أن يرى ألسنة اللهب ترتفع من ناحية مستودعات الوقود، بينما انشغل سكان الحي بتبادل الأخبار عن المواقع التي تعرّضت للقصف ثم انقطعت الكهرباء.
للعلم، كانت الأحياء والضواحي شرقي بورتسودان تعاني أصلاً من مشكلة مزمنة في المياه. وبحسب عبد المنعم، فإن السكان كانوا يشترون المياه للشرب والاستخدامات المنزلية، لذا لم تصنع الضربات أزمة المياه من الصفر، لكنها فاقمتها عندما أدى انقطاع الكهرباء إلى تعطيل تشغيل محطات الضخ والتحلية.
ولم تقف الأزمة في حدود المياه، فوفقاً لروايته لم تمض سوى نحو 24 ساعة، حتى ظهرت أزمة أخرى؛ إذ «بدأت أزمة الوقود وظهرت الصفوف أمام محطات الوقود». ووفق مشروع تقييم القدرات أثرت الضربات على الكهرباء ومستودعات الوقود في إمدادات الوقود والمياه، كما أدت الهجمات إلى نزوح ما لا يقل عن 550 أسرة من بورتسودان، وتعطيل جانب من العمليات الإنسانية وحركة الرحلات التابعة للخدمات الجوية الإنسانية للأمم المتحدة».
دخان الحرائق غطى المدينة
وفق عبد المنعم، فإن الحرائق ظلت مشتعلة، بدرجات متفاوتة، في مستودعات الوقود لنحو أسبوعين، وإن الدخان غطى سماء المدينة، وبينما كانت النيران مستمرة، بدأ يشاهد أشخاصاً يغادرون بورتسودان براً باتجاه مصر، بعضهم عبر طرق غير نظامية «تهريب»، بينما غادرت أسر يعرفها بالفعل المدينة.
وفكّر عبد المنعم أيضاً في المغادرة والنزوح للمرة الثالثة، لكن خياراته كانت تتضاءل. وأضاف: «فكرت في مغادرة المدينة، لكن أي مدينة سودانية أخرى بعد بورتسودان لن تكون آمنة من المسيّرات، خاصة أن خدمات المطار توقفت لعدة أيام، فقرّرت البقاء وانتظار المقدّر، فقد نزحت مراراً».
لم يكن البقاء في بورتسودان رخيصاً؛ إذ كان عبد المنعم يدفع مليون جنيه سوداني - 300 دولار وقتها - شهرياً مقابل منزل يصفه بأنه متهالك، عبارة عن غرفة وصالة صغيرة ومطبخ وحمام بلدي. وبالنسبة لرجل غادر منزله في بحري، ثم لجأ إلى الجزيرة، ومنها إلى ساحل البحر الأحمر، لم يعُد الوصول إلى مكان بعيد عن الجبهة يعني الوصول إلى مكان خارج الحرب.
وتابع عبد المنعم كلامه، فقال: «وصول المسيرات لبورتسودان أرسل رسالة واضحة وصريحة: إن هذه الحرب لن تترك مكاناً في السودان إلا وستصله».
سوق كبكابية
وإذا كانت هجمات بورتسودان التي اتهمت بها «قوات الدعم السريع»، تكشف عن كيف تستطيع المسيّرات الوصول إلى مدينة ظلت بمنأى عن القتال البري سنتين، فإن حادثة سوق كبكابية، في شمال دارفور، تكشف عن الوجه الأكثر مباشرة ودموية للحرب الجوية.
ففي التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعرّضت السوق الأسبوعية في المدينة لقصف جوي في وقت كانت فيه السوق مكتظة بالمدنيين، وقالت «منظمة العفو الدولية» وقتها إنها تلقّت معلومات، بينها شهادات من كبكابية، أن طائرات عسكرية قصفت السوق وقتلت عشرات الأشخاص، وكان بين القتلى 15 نازحاً، سبق لهم الفرار إلى كبكابية من هجمات في مناطق أخرى في دارفور.
سد مروي
ويقدم «سد مروي» ومحطته الكهربائية في الولاية الشمالية، أيضاً، أحد أوضح الأمثلة على ذلك؛ ففي يناير (كانون الثاني) 2025، تعرّضت منشآت الطاقة في مروي لهجمات بالمسيّرات، وأدت الأضرار والانقطاعات اللاحقة إلى اضطراب واسع في شبكة الكهرباء في أجزاء كبيرة من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني. ونقلت وكالة «رويترز» حينذاك أن الانقطاعات التي بدأت بهجوم على سد مروي امتدت آثارها إلى الولاية الشمالية، ثم تزامنت مع مشاكل وهجمات أخرى أدت إلى انقطاعات في نهر النيل والبحر الأحمر وولايات شرقية، وعطلت المستشفيات والمدارس ومنشآت المياه.
وقال مشروع تقييم القدرات، في وقت لاحق، إن هجمات المسيّرات على سد مروي وشبكات الطاقة المرتبطة به، أسهمت في تعطيل خدمات المياه والصرف الصحي، وأظهرت كيف يمكن لضربة على عقدة واحدة في الشبكة الكهربائية أن تنتقل آثارها إلى مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن موقع الهجوم.
وهنا تتغير طريقة حساب ضحايا الضربة، فثمة من أصابته الشظايا، لكن هناك أيضاً مريضاً وجد مستشفاه بلا كهرباء، وأسرة تعطلّت مضخة المياه التي تعتمد عليها، ومخبزاً توقف، ودواء يحتاج إلى التبريد، ومواطناً لا يعرف أن العطل الذي يواجهه في مدينته بدأ بمسيرة سقطت على منشأة بعيدة.
في الأبيِّض، يظهر هذا الترابط بصورة أكثر مباشرة، وتقول منظمة «أطباء بلا حدود»، إن تصاعد هجمات المسيّرات أدى إلى تفاقم نقص الوقود وارتفاع كلفة النقل وصعوبة الوصول إلى مياه الشرب والرعاية الصحية، في مدينة تعمل فيها الخدمات أصلاً تحت ضغط شديد.
التحول الحاصل في الحرب السودانية
المقدم المتقاعد بالجيش السوداني الدكتور المهندس الفاتح جمعة حمدي جبارة، الخبير في تطوير أنظمة الطائرات المسيّرة، يفسّر التحوّل في الحرب بأنه نتيجة «تغيّر كبير في استخدام السلاح» خلال سنوات الحرب.
ويوضح جبارة لـ«الشرق الأوسط»، أن الوزن الأكبر في الجو عند اندلاع الحرب كان للطيران المأهول، خصوصاً لدى القوات المسلحة التي تمتلك المقاتلات والطائرات الهجومية والمروحيات والقواعد الجوية، بينما كان استخدام المسيّرات أقرب إلى الاستطلاع ومراقبة تحرّكات القوات ودعم العمليات على الأرض. لكن دور المسيّرات بدأ يتغير ميدانياً منذ أواخر 2023. وأصبح أكثر وضوحاً في 2024، قبل أن تصبح خلال 2025 و2026 جزءاً أساسياً من العمليات، وأصبحت تستخدم لضرب القواعد ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء ومواقع بعيدة عن الاشتباكات المباشرة.
ويشير جبارة إلى أنه «عندما دخل الجيش الحرب بقوة جوية تقليدية، لم يكن لـ(الدعم السريع) ما يوازيها، لكن المسيرات أتاحت للأخيرة تطوير قدرة جوية غير مأهولة لم تكن متاحة لها في بداية القتال، في حين واصل الجيش بدوره تطوير ترسانته من هذا السلاح».
ترسانة المسيّرات الحالية
ووفقاً لإفادة خبير المسيرات لـ«الشرق الأوسط»، ظهرت لدى الجيش أنواع من المسيرات بينها «مهاجر - 6» إيرانية الصنع، و«بيرقدار TB2» و«بيرقدار أكينجي» التركية الصنع، بينما امتلكت «قوات الدعم السريع» مسيرات «CH - 95» الصينية، وأنواعاً أخرى بعيدة المدى. وشرح أن أنواع المسيّرات المستخدمة في الحرب السودانية تختلف جذرياً في وظائفها، فبينها الصغيرة والتجارية المستخدمة في الاستطلاع القريب، وأخرى تكتيكية ثابتة الجناح، ثم المسيرات القتالية التي تحمل ذخائر وتعود إلى قاعدتها، إلى جانب المسيرات الانتحارية التي تتحوّل فيها الطائرة نفسها إلى السلاح وتدمّر عند اصطدامها بالهدف.
ثم أضاف: «لكن التطور الأكثر تأثيراً في حياة المدنيين هو المدى». فوفق جبارة، بعض المسيّرات البعيدة المدى تستطيع الاعتماد على نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية (GNSS)، ونظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS)، ومسارات مبرمجة سلفاً، ما يسمح لها بالوصول إلى أهداف بعيدة من دون حاجة إلى قيادة يدوية مستمرة طوال الرحلة. وهنا بحسب تعبيره، تغيّر مفهوم «العمق الآمن»، قبل أن يضيف: «في السابق، كان الموقع الذي يبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة، يتمتع بحماية طبيعية من المدفعية والأسلحة قصيرة المدى والقوات البرية، لكن المسيرات بعيدة المدى قللت قيمة هذا النوع من الحماية».
واستطرد: «العمق الآمن اليوم لا يقاس بالمسافة وحدها، وإنما يعتمد أيضاً على الإنذار المبكر والتغطية الرادارية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وتوزيع المنشآت الحيوية وسرعة استعادة الخدمات بعد الهجوم».
وبحسب جبارة، قلل توفر المسيّرات كذلك، المخاطر على الطيارين، وإمكانية البقاء في الجو لفترات طويلة، وانخفاض كلفة بعض أنواعها مقارنة بطلعات الطائرات المقاتلة، وإن كانت المقاتلات تتفوّق في السرعة وحمولة الذخائر والمرونة وقدرات الدفاع الذاتي. وهذا قبل أن يردف: «لكن انخفاض كلفة السلاح بالنسبة إلى مستخدمه، قد يعني كلفة ضخمة على الأرض، فمحطة كهرباء واحدة يمكن أن تغذي مستشفى ومضخات مياه وأحياء سكنية، ومستودع وقود يحرك وسائل النقل والمولدات، وميناء يستقبل الغذاء والدواء والمساعدات».
أيضاً، ذكر أن هجمات بورتسودان أظهرت هذا التداخل بوضوح، حين امتد أثر ضرب منشآت الوقود والكهرباء والميناء إلى الخدمات المدنية والإمدادات، بل إن اعتراض المسيرة لا ينهي الخطر بالضرورة، فيمكن أن تتساقط أجزاء الهيكل والمحرك والوقود والرأس الحربي، فضلاً عن أجزاء من وسيلة الاعتراض نفسها، وقد يبقى الرأس الحربي الذي لم ينفجر ذخيرة خطرة على الأرض، خصوصاً في المناطق المأهولة.
واختتم جبارة بالقول: «إن مواقع كانت تعد بعيدة عن الحرب أصبحت داخل نطاقها، والهدوء في الشارع لا يعني أن الحرب بعيدة، والمسافة من المدافع لا تضمن أن المدينة أصبحت خارج المدى... هكذا لم يعد على الحرب في السودان، أن تقطع الطريق كله براً حتى تصل إلى الناس، بل يكفي أحياناً أن تأتيهم من السماء».
العربية نت: أشتية: ما يحدث حالياً ضم تدريجي إسرائيلي صامت للضفة الغربية
قال رئيس الحكومة الفلسطينية السابق، الدكتور محمد اشتية، إن "الضفة الغربية تحت حكم عسكري معلن منذ عام 1967، لكن ما يحصل الآن هو ضم تدريجي صامت لمختلف مناطقها، من جانب إسرائيل في مواجهة معارضة دولية".
وأوضح اشتية، في حديث عبر إذاعة "سبوتنيك"، بثته اليوم السبت: "هناك أكثر من 881 ألف مستوطن في الضفة الغربية، يشكلون 26 في المئة من مجمل سكانها، ويسيطرون على أكثر من سبعين في المئة من مساحتها".
وأكد أن "خطة إسرائيل لتهجير الفلسطينيين كانت جاهزة للتنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وأن مصر والأردن رفضتا الخطط الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء والأردن"، وأشار إلى أن "عدد الفلسطينيين ديمغرافياً كان متفوقاً، قبل أحداث أكتوبر (تشرين الأول) على الإسرائيليين، لذا فإن موضوع التهجير له بعد أمني واقتصادي، وهو جزء من الميزان الديمغرافي لاستكمال تهويد فلسطين".
وقال أشتية: "لم يبق من اتفاق أوسلو شيء، وإسرائيل أفشلت بالكامل المسار السياسي مع القيادة الفلسطينية، حيث العلاقة هي بين مُحتل ودولة احتلال"، وأشار إلى أن "إسرائيل لا تحترم أياً من بنود الاتفاق مع الفلسطينيين، ولا سيما البنود الأمنية والمالية والاقتصادية والجغرافية".
وكشف أشتية عن أن "حدود إسرائيل توسعت، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى يومنا هذا، بأكثر من 541 كيلومتراً مربعاً، تشمل قسماً من جنوب لبنان وسوريا وغزة".
تقرير يكشف خطة إيران لإطالة الحرب وإرباك ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي
أصبحت إيران أكثر ثقة بقدرتها على مهاجمة أهداف في الشرق الأوسط، وتبدو عازمة على مواصلة الصراع لأشهر بهدف إنهاك الولايات المتحدة وإحباط مساعيها، وفق تقارير استخباراتية أميركية أُعدت خلال الأسابيع الأخيرة وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية .
وتعكس التقييمات في جوانب كثيرة ما يمكن رصده ميدانياً، مع تجدد القتال بعد فترة من الهدوء النسبي.
وخلال الأسبوع الماضي، استهدفت إيران سفناً في مضيق هرمز وقوات أميركية في المنطقة، فيما نفذت القوات الأميركية ضربات داخل إيران أدت إلى مقتل عسكريين ومدنيين .
ورغم أن التبادلات العسكرية الجديدة ما زالت محدودة حتى الآن، فإن التقارير الاستخباراتية، وفق أشخاص اطلعوا عليها، تشير إلى أن الحكومة الإيرانية المتشددة قد تكون تدرس تصعيداً كبيراً.
وقال مسؤولون اطلعوا على المعلومات الاستخباراتية إن إيران خرجت من أشهر من الحرب المتقطعة بفهم أفضل بكثير لنقاط قوتها العسكرية، وأصبحت أكثر ثقة بقدراتها. وتشير التقارير، وفق مسؤولين حاليين وسابقين، إلى أن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بصورة كاملة سيكون صعباً.
ولا توجد مؤشرات كثيرة على استعداد إيران لإبرام أي اتفاق مع الولايات المتحدة، فيما ترى بعض التقديرات أن طهران راضية عن زيادة المشكلات السياسية التي يواجهها الرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وفي الوقت الراهن، لا يسعى ترامب إلى مفاوضات، وقال إنه يعتقد أن بإمكانه استخدام الضغوط الاقتصادية على إيران لإجبار طهران على تقديم تنازلات بشأن سيطرتها على المضيق، وربما في نهاية المطاف بشأن برنامجها النووي.
لكن مسؤولين اطلعوا على التقارير الاستخباراتية قالوا إن العقوبات الاقتصادية الأميركية ستواصل على الأرجح دفع إيران نحو التصعيد على المدى القصير.
ضربات جديدة محتملة
وقال مسؤولون أميركيون إن إيران قد تنفذ خلال الأسابيع المقبلة تحركات شبيهة بما قامت به في يوليو (تموز).
ففي ذلك الوقت، هاجمت إيران قواعد عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أميركيين في الأردن، كما استهدفت سفناً في مضيق هرمز، وضربت منشآت وبنية تحتية في الكويت وأماكن أخرى.
ويعتقد مسؤولون أميركيون أيضاً أن قراصنة مرتبطين بإيران كانوا على الأرجح وراء هجمات إلكترونية استهدفت أكثر من 100 نظام للمياه في أنحاء الولايات المتحدة أواخر يوليو.
ورغم عدم وجود مؤشرات على تضرر أي نظام بطريقة جعلت المياه غير آمنة للشرب، أدت الهجمات في بعض الحالات إلى اضطرابات تطلبت تشغيل أنظمة يدوياً، وإصدار تحذيرات احترازية بغلي المياه.
وقال مسؤولون حاليون وسابقون إن القراصنة أبدوا اهتماماً أيضاً باستهداف البنية التحتية الأميركية للنفط والغاز، رغم أن هذه الأنظمة تعتبر عموماً أكثر صعوبة في الاختراق.
ولم يتضح ما إذا كانت أي أنظمة للطاقة قد تعرضت للاختراق.
ووفق مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، توجد مؤشرات على أن قراصنة مرتبطين بإيران أعادوا تنظيم صفوفهم خلال الأشهر الأخيرة، بعد تكبدهم بعض الخسائر في بداية الحرب.
وحتى في غياب الاضطرابات الخطيرة، يرجح أن تظل الهجمات الإلكترونية وسيلة جذابة لإيران لمحاولة تقويض الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة لحرب لا تحظى بشعبية ولا تبدو لها نهاية واضحة، وفق مسؤولين استخباراتيين سابقين وخبراء أمنيين.
وفي إفادة صحفية الخميس، بدا نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، وكأنه يقر بإمكانية أن تؤدي هذه الهجمات إلى مزيد من تراجع التأييد لحرب لا تلوح لها نهاية واضحة.
وسعى فانس إلى التقليل من حجم التهديد الذي يواجه الأميركيين، لكنه قال إن إدارة ترامب تتوقع أن تواصل طهران "محاولة القيام بالكثير من الأمور" لاستهداف الولايات المتحدة.
وقال فانس، رداً على سؤال بشأن الهجمات الإلكترونية: "إذا نظرت إلى قدرة إيران على تعطيل الحياة الطبيعية للأميركيين، أعتقد أنها محدودة للغاية. إنها ليست معدومة، لكنها محدودة للغاية.. وسأكون أكثر قلقاً بكثير من الهجمات الإلكترونية التي قد ينفذها أطراف آخرون".
ترامب قلل من صمود إيران
وكان ترامب قد توقع تحقيق نصر سريع وحاسم عندما أطلقت القوات الأميركية والإسرائيلية الحرب في 28 فبراير (شباط).
وبعد موجات من الهجمات المكثفة، يرى منتقدو الرئيس أن من الواضح بصورة مؤلمة أن إدارة ترامب قللت من تقدير قدرة إيران على الصمود.
وقال النائب الديمقراطي عن كولورادو وعضو لجنة الاستخبارات، جايسون كرو: "الإيرانيون يشعرون بثقة كبيرة في موقفهم. لقد تعرضوا لأضرار كبيرة، لكن ذلك كان دائماً جزءاً من حساباتهم.. إنهم يدركون قدرتهم على تحمل الضربات، وهم يخوضون هذه المواجهة وفق لعبة أطول بكثير".
ورفض كرو التعليق على التقييمات الاستخباراتية السرية، لكنه قال إن الإيرانيين يعتقدون أنهم أصبحوا في وضع أقوى لعدة أسباب.
وأوضح أن القيادة الإيرانية التي كانت منقسمة سابقاً أصبحت أكثر توحداً، كما جرى إسكات المعارضة الداخلية.
وأضاف أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً من الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما يبدو أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر دقة في فهم كيفية استخدام السيطرة على مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خُمس النفط العالمي قبل الحرب.
وقال كرو: "لطالما عرفوا أن المضيق ورقة مساومة كبيرة، لكنهم أدركوا بدرجة أكبر حجم النفوذ الذي يمنحهم إياه".
وقال أشخاص اطلعوا على التقارير إن إيران تعتقد على الأرجح أن الجيش الأميركي سيواجه صعوبة في تنفيذ ضربات كبيرة جديدة مع تراجع مخزونات الذخائر الأميركية.
طهران تراهن على انتخابات التجديد النصفي
وقال مسؤولون حاليون وسابقون إن هناك مؤشرات على أن إيران عازمة على إطالة أمد الصراع حتى انتخابات التجديد النصفي الأميركية على الأقل.
وتدرك إيران، وفق المسؤولين، أن الحرب وارتفاع أسعار الوقود الناجم عن إغلاق المضيق يسببان ضرراً سياسياً لترامب والحزب الجمهوري.
وقال النائب الديمقراطي عن نيوجيرسي، جوش غوتهايمر: "الإيرانيون يعتقدون أن لديهم أقصى قدر من النفوذ. ومن وجهة نظرهم، لماذا لا يواصلون الضغط على الرئيس؟".
وتوجد مؤشرات أيضاً على أن إيران تسعى إلى نشر دعاية من شأنها إضعاف ترامب انتخابياً، كما فعلت خلال الانتخابات الرئاسية في عامي 2020 و2024.
وأصدرت شركة ميتا الأسبوع الماضي تقريراً سلط الضوء على شبكة صغيرة من الحسابات على فيسبوك وإنستغرام مصدرها إيران وتركز على السياسة الأميركية.
وقالت الشركة إن محتوى الشبكة، الذي أُنتج بعضه باستخدام الذكاء الاصطناعي، تضمن "وجهات نظر مناهضة للجمهوريين".
وقالت شركة أليثيا المتخصصة في استخبارات التهديدات إن وسائل الإعلام المحلية في إيران نشرت أكثر من 1,200 مقال باللغة الفارسية خلال الأسبوعين الماضيين، أشارت فيها إلى ترامب وانتخابات التجديد النصفي.
وأضافت الشركة أن الإطار الرئيسي لهذه التغطية تمثل في اعتبار الحرب عبئاً سياسياً على ترامب.
وقال غوتهايمر، وهو عضو آخر في لجنة الاستخبارات ورفض مناقشة التقارير السرية، إنه كان يؤيد الحرب في البداية، لكنه يرى أن إدارة ترامب لم تمتلك استراتيجية واضحة، وأن إيران تمكنت من تجاوز آثار الضربات.
وأضاف: "لأن الحكومة الإيرانية لا تهتم كثيراً بمعاناة شعبها، فقد تمكنت من تحمل العقوبات الاقتصادية القاسية والقصف العسكري".
العرب: هجوم نيامي: النيجر تتهم فرنسا بالتحريض
فتحت النيجر فصلًا جديدًا في صراعها مع فرنسا، بعد أن اتهمت حكومة نيامي باريس بالتحريض على هجوم استهدف قاعدة جوية عسكرية ومقر الرئاسة في العاصمة، في اتهام يأتي وسط إعادة رسم واسعة للتحالفات الأمنية في منطقة الساحل، وانتقال النيجر من الشراكة العسكرية مع فرنسا إلى الاعتماد المتزايد على روسيا.
وقالت الحكومة النيجرية، في بيان بثته قناة تلفزيونية أمس الجمعة، إن هجوم 29 أغسطس/آب لم يكن تحركًا عسكريًا داخليًا معزولًا، بل جاء، وفق روايتها، نتيجة تحريض شبكة واسعة من المتواطئين تقودها فرنسا.
وأكد مجلس الوزراء أن السلطات جمعت “قدرًا كبيرًا من الأدلة” بشأن الهجوم، مضيفًا أن النيجر تحتفظ بحقها في إحالة القضية إلى المحاكم الدولية. ولم تكشف الحكومة، حتى الآن، بصورة علنية عن طبيعة الأدلة التي تستند إليها، فيما لا تثبت المعطيات المتاحة بصورة مستقلة الاتهام الموجه إلى باريس.
لكن أهمية الاتهام تتجاوز الهجوم نفسه، فهو يأتي في لحظة تشهد فيها منطقة الساحل تحولًا عميقًا في موازين النفوذ، مع تراجع الحضور العسكري الفرنسي وصعود روسيا كشريك أمني للأنظمة العسكرية التي وصلت إلى الحكم في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
واستهدف المتمردون في 29 أغسطس/آب قاعدة جوية عسكرية رئيسية في نيامي ومقر الرئاسة، فيما دوّت انفجارات وسمع إطلاق نار في محيط القاعدة.
وتمكنت القوات الحكومية من استعادة السيطرة عليها في اليوم التالي، بمساعدة قوات روسية شبه عسكرية، بحسب الرواية الرسمية، لينتهي التحرك سريعًا من الناحية العسكرية، لكنه يترك أثرًا سياسيًا وأمنيًا أكبر.
فالهجوم جاء من داخل المؤسسة العسكرية، وهي المؤسسة نفسها التي أطاحت بالرئيس محمد بازوم في انقلاب عام 2023، ومنحت الجنرال عبد الرحمن تياني السلطة.
وبذلك، لا يمثل التحرك تحديًا أمنيًا للسلطة فحسب، وإنما يكشف أيضًا عن استمرار هشاشة التماسك داخل المؤسسة التي يعتمد عليها النظام في تثبيت حكمه.
وتزداد حساسية المسألة في ظل الضغوط التي تواجهها القوات النيجرية في مواجهة الجماعات المسلحة، والخسائر التي تتكبدها في ساحات القتال، ما يجعل أي اضطراب داخل الجيش أكثر تأثيرًا على قدرة الحكومة على إدارة الملف الأمني.
ولا يمكن فصل الاتهام الجديد عن التحول الجذري في سياسة النيجر الخارجية.
فمنذ انقلاب 2023، دخلت العلاقات بين نيامي وباريس في مسار تصادمي انتهى بخروج القوات الفرنسية من البلاد، وتراجع التعاون الأمني الذي كان يمثل أحد أبرز مظاهر الحضور الفرنسي في الساحل.
وفي المقابل، فتحت السلطة النيجرية الباب أمام موسكو، التي قدمت نفسها شريكًا أمنيًا بديلًا عن القوى الغربية، بما في ذلك من خلال نشر عناصر روسية للمساعدة في دعم السلطات العسكرية.
وهكذا، أصبحت النيجر جزءًا من تحول إقليمي أوسع، لم يعد الصراع فيه يدور فقط حول مكافحة الجماعات المسلحة، وإنما أيضًا حول من يمتلك النفوذ الأمني والسياسي في منطقة الساحل.
ومن هذا المنظور، فإن توجيه الاتهام إلى فرنسا يمنح نيامي رواية سياسية تتناسب مع خياراتها الجديدة، ويعزز خطابها القائم على أن التهديدات التي تواجهها لا تأتي فقط من الجماعات المسلحة، وإنما أيضًا من قوى خارجية تسعى إلى الحفاظ على نفوذها السابق.
وليست هذه المرة الأولى التي تتهم فيها قيادة النيجر فرنسا بالتدخل في شؤونها الداخلية. فقد سبق لتياني أن اتهم باريس ودولًا أخرى في غرب أفريقيا بالوقوف وراء اضطرابات وتحركات معارضة في العاصمة، من دون تقديم أدلة علنية حاسمة.
لكن إعلان الحكومة هذه المرة امتلاكها أدلة، وربطها الهجوم بشبكة واسعة من المتواطئين، يرفع سقف المواجهة السياسية مع فرنسا.
وقد يكون التهديد بإحالة القضية إلى المحاكم الدولية محاولة لنقل المواجهة من المستوى السياسي إلى مستوى قانوني أكثر حساسية، وإن كان نجاح هذه الخطوة سيتوقف بطبيعة الحال على طبيعة الأدلة التي تقول نيامي إنها جمعتها.
وفي المقابل، فإن أي تصعيد جديد مع فرنسا قد يعزز قناعة السلطة بأن خيار الابتعاد عن باريس لم يعد مجرد قرار سياسي، وإنما جزء من معركة أوسع لإعادة تعريف موقع النيجر في محيطها الإقليمي والدولي.
تأتي التطورات في النيجر ضمن سلسلة تحولات متزامنة في منطقة الساحل، حيث تراجعت العلاقات بين عدد من الأنظمة العسكرية والقوى الغربية، بينما اتسع المجال أمام روسيا لبناء شراكات أمنية جديدة.
وتحاول هذه الأنظمة تقديم التحول باعتباره استعادة للسيادة ورفضًا للتدخل الخارجي، في حين تنظر إليه القوى الغربية باعتباره تراجعًا لنفوذها في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.
لكن بالنسبة إلى النيجر، يبقى التحدي الأكثر إلحاحًا داخليًا: هل تستطيع السلطة الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية، في الوقت الذي تخوض فيه حربًا مفتوحة مع الجماعات المسلحة، وتعيد في الوقت نفسه بناء تحالفاتها الخارجية؟
ومن هنا، فإن هجوم نيامي قد يكون أقل أهمية من الاتهامات التي أعقبته. فإذا تمكنت الحكومة من تقديم أدلة واضحة على تدخل خارجي، فقد يتحول الملف إلى ورقة ضغط دولية ضد فرنسا. أما إذا بقي الاتهام في إطار الرواية السياسية من دون أدلة قابلة للتحقق، فسيظل الهجوم أساسًا مؤشرًا على مشكلة أخرى أكثر قربًا من السلطة: استمرار التوتر داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وفي الحالتين، يؤكد هجوم نيامي أن معركة النفوذ في الساحل لم تنته بخروج القوات الفرنسية، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة، تتداخل فيها حسابات الأمن الداخلي مع صراع إقليمي ودولي على مستقبل المنطقة.
هل تنجح مرونة الزيدي في حصر السلاح؟
تختار حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي طريقًا حذرًا في واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق: حصر السلاح بيد الدولة. فبدل الذهاب مباشرة إلى مواجهة مع الفصائل المسلحة، تراهن بغداد على الحوار والتدرج والتفاهمات السياسية، من دون أن يعني ذلك، بحسب خطابها الرسمي، التخلي عن الهدف النهائي المتمثل في إنهاء أي سلاح خارج سلطة الدولة.
وتبدو هذه المعادلة هي جوهر مقاربة الزيدي للملف: مرونة في الوسيلة، وحسم في الهدف.
وأكد الزيدي أن حكومته لا تريد صدامًا عسكريًا مع الفصائل، وأن الحوار معها مستمر بشأن آليات تسليم السلاح وإعادة تنظيم وضعها. وقال إن بعض الفصائل اتخذت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، فيما تتواصل المفاوضات مع فصائل أخرى.
لكن الطريق لا يبدو قصيرًا، إذ لا تزال فصائل مسلحة نافذة ترفض تسليم ترساناتها، أو تحاول إعادة تعريف المسألة من «نزع السلاح» إلى «تنظيمه» أو وضعه تحت إدارة الدولة، وهي صيغة قد تسمح بتجنب الصدام لكنها لا تحسم بالكامل مسألة احتكار الدولة للقوة.
وتدرك بغداد أن فرض حصر السلاح بالقوة قد يفتح أزمة داخلية أكبر من المشكلة التي تسعى إلى حلها. فالفصائل المعنية ليست مجرد مجموعات مسلحة خارج النظام السياسي، وإنما ترتبط بأحزاب وقوى سياسية مؤثرة داخل بنية الحكم، كما أن بعضها جزء من هيئة الحشد الشعبي التي أصبحت رسميًا ضمن مؤسسات الدولة.
لذلك يبدو أن الحكومة تفضل تفكيك المشكلة تدريجيًا، عبر الحوار مع الفصائل والقيادات السياسية الشيعية، بدل تحويلها إلى مواجهة أمنية مفتوحة.
وتدعم قوى سياسية بارزة هذا المسار؛ إذ دخلت شخصيات مثل نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني في جهود للحوار مع الفصائل، في محاولة للوصول إلى صيغة تسمح بإخضاع السلاح لسلطة الدولة من دون تفجير الخلاف داخل البيت السياسي الشيعي. وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه الاتصالات تحقق تقدمًا، وأن الهدف هو الوصول إلى تسوية قبل أو حول استحقاق نهاية سبتمبر.
لكن مرونة الحكومة في إدارة الملف لا تعني، وفق خطابها، التراجع عن المبدأ نفسه.
فالزيدي يربط حصر السلاح بمفهوم أوسع للسيادة، ويعتبر أن قرار الحرب والسلام يجب أن يكون بيد الدولة وحدها. كما أن الحكومة تربط الملف بقدرتها على منع استخدام الأراضي العراقية في مهاجمة دول أخرى، خصوصًا في ظل التوتر الإقليمي المستمر بين واشنطن وطهران.
وهنا تتضح صعوبة المهمة. فبغداد تريد منع تحويل العراق إلى ساحة للمواجهة الإيرانية الأميركية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مع قوى مسلحة تربطها علاقات وثيقة بطهران.
ولهذا تبدو سياسة الحوار محاولة لبناء مساحة وسط بين مطلبين متعارضين: الاستجابة لمطلب الدولة العراقية في احتكار السلاح، وتجنب استفزاز الفصائل إلى درجة تدفعها إلى استخدام القوة.
يزيد اقتراب 30 سبتمبر من صعوبة الحسابات الحكومية. فقد ارتبط التاريخ في البداية بموعد لإنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة، لكنه أصبح مرتبطًا أيضًا بانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
وتشير تصريحات مسؤولين عراقيين أخيرة إلى أن حصر السلاح لن يتوقف عند هذا التاريخ، وأن العملية يمكن أن تستمر بصورة تدريجية بعد انتهاء مهمة التحالف. كما أوضح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أن 30 سبتمبر يمثل نهاية مهمة التحالف، وليس بالضرورة نهاية العملية الكاملة لحصر السلاح.
وقد يكون هذا التمييز مهمًا للزيدي؛ لأنه يمنح حكومته هامشًا للمناورة. فبدل تحويل نهاية سبتمبر إلى لحظة مواجهة صفرية بين الدولة والفصائل، يمكن التعامل معها باعتبارها محطة في مسار أطول.
لكن هذه المرونة تحمل خطرًا معاكسًا أيضًا: أن تتحول المهلة إلى مساحة مفتوحة للتأجيل والمساومة، بحيث يبقى مبدأ حصر السلاح قائمًا نظريًا، بينما تستمر الفصائل في الاحتفاظ بقدراتها العسكرية.
لا يمكن فصل الحسابات العراقية عن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن تريد من بغداد إجراءات ملموسة للحد من نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، بينما تريد الحكومة العراقية تجنب أن يصبح تنفيذ هذا المطلب مدخلًا لصدام داخلي أو سببًا في إعادة إشعال المواجهة على الأراضي العراقية.
وفي المقابل، فإن استمرار السلاح خارج القرار الحكومي يضع بغداد أمام مشكلة تتعلق بالسيادة، ويجعل قدرتها على ضبط أراضيها وقرارها الأمني موضع اختبار.
لذلك تحاول حكومة الزيدي تقديم حصر السلاح باعتباره قرارًا عراقيًا سياديًا، لا استجابة مباشرة لضغط أميركي أو محاولة لاستهداف إيران وحلفائها في العراق.
المشكلة التي تواجه الزيدي ليست في إعلان الهدف، وإنما في تحويله إلى نتيجة ملموسة.
فالحوار قد يكون الطريق الأقل كلفة سياسيًا وأمنيًا، وقد نجح بالفعل في دفع بعض الفصائل إلى خطوات باتجاه دمج أدوارها المسلحة داخل مؤسسات الدولة. لكن الفصائل الأكثر تشددًا لا تزال تربط مستقبل سلاحها بشروط أمنية وسياسية، وبعضها يرفض أصلًا الحديث عن تسليم الترسانة.
ومن هنا يصبح نجاح استراتيجية الزيدي مرهونًا بقدرته على الحفاظ على الحوار من دون أن يتحول الحوار إلى بديل دائم عن التنفيذ.
