أزمة الشرعية ومستقبل الحكومة الألمانية

الأربعاء 09/سبتمبر/2026 - 10:33 م
طباعة أزمة الشرعية ومستقبل برلين ـ خاصة بوابة الحركات الإسلامية
 
تكشف القراءة السياسية والأكاديمية للاستقطاب الراهن في ألمانيا عن تحول بنيوي في طبيعة النظام الحزبي؛ حيث يعكس الزلزال الانتخابي الأخير في ولاية ساكسونيا أنهالت والذي انتزع فيه حزب "البديل من أجل ألمانيا" المركز الأول بنسبة قياسية بلغت نحو أربعة وأربعين بالمئة   تجاوز النمط التقليدي للاقتراع العقابي إلى مرحلة "أزمة شرعية" تمس قدرة الأحزاب الحاكمة على قيادة التوافق الوطني. إن انخفاض حصة الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى 17 % لم يمثّل مجرد خسارة إقليمية، بل فجر أزمة قيادة داخلية طالت شخص المستشار فريدريش ميرتس، لتنتقل التوترات من صناديق الاقتراع إلى القواعد الحزبية وصحن البرلمان الاتحادي "البوندستاغ".
تُظهر القراءة الأكاديمية للمشهد الحزبي أن سياسة "جدار الحماية"  — القائمة على الرفض المبدئي للتآلف أو التعاون مع اليمين الراديكالي  — أضحت تواجه ضغوطاً متصاعدة من داخل أروقة المحافظين أنفسهم. وتجلت هذه الضغوط في الصدام الداخلي الحاد عقب إعلان نتائج ساكسونيا أنهالت؛ إذ خرجت قيادات إقليمية عن الصمت التقليدي مطالبة بإنهاء حالة الإنكار التنظيمي.
 وفي تصريح عكس حجم الإرباك الداخلي، أكد تينو شومان، نائب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ولاية مكلنبورج-فوربومرن، لصحيفة "بيلد" أن "القيادة المركزية لم تعد قادرة على استيعاب تطلعات القواعد"، مطالباً صراحة بـ"ضرورة تغيير القيادة في برلين ومراجعة آليات العمل الحزبي لأن السير في الاتجاه الحالي يجعل من المستشار عبئاً على الانتخابات القادمة". 
ورغم محاولة المستشار فريدريش ميرتس احتواء هذا التوتر بتأكيده الإعلامي عقب الاجتماع الأزموي لقيادة الحزب بأن "التخلي عن المسؤولية ليس خياراً مطروحاً" واعترافه بضرورة "تعديل أسلوب التواصل والتعبير عن نبض الشارع"، إلا أن الأدبيات السياسية تشير إلى أن الاعتراف بالفجوة دون تغيير جذري في البرامج الاقتصادية والاجتماعية يزكي حالة الشك في قدرة النظام الحزبي التقليدي على إعادة بناء قواعده الجماهيرية.
من الناحية التحليلية، يمثل الاستقطاب حول ملف الهجرة المحرك الأساسي للاختراق الانتخابي لليمين الراديكالي، إذ يستغل الحزب تراجعات الأداء الاقتصادي لإعادة صياغة القضية كمأزق هوياتي ومالي. وفي هذا السياق، يتخذ الدفاع عن المهاجرين أبعاداً اقتصادية وهيكلية صارمة يتبناها التكنوقراط والشركات الألمانية، محذرين من أن النزعات الطاردة للكفاءات ستؤدي إلى شلل العجلة الإنتاجية. 
وقد تجسد هذا الصراع المفاهيمي تحت قبة البرلمان الاتحادي خلال جلسات الموازنة؛ حيث استغلت أليس فايدل، رئيسة كتلة "البديل من أجل البديل " ممثل اليمين المتطرف، المنصة لتعلن أن "النتائج الانتخابية المتتالية أثبتت انتهاء الشرعية السياسية للائتلاف الحاكم"، واصفة الموازنة المالية للعديد من القطاعات بأنها "استنزاف لدافعي الضرائب لصالح سياسات الهجرة غير المحدودة". وفي المقابل، جاء الرد الأكاديمي والسياسي للمستشار ميرتس ليضع حداً فاصلاً في فلسفة الهجرة، متعدياً البعد الأمني ليركز على الحاجة البنيوية؛ حيث شدد تحت القبة البرلمانية على أن "التفريق الواجب بين كفالة دولة القانون وحزم الترحيل للمخالفين لا يعني إطلاقاً التغاضي عن الحقيقة الاقتصادية الجوهرية بأن الاقتصاد الألماني وسوق العمل بحاجة ماسة ومستمرة للمهاجرين والعمال الأجانب"، واصفاً أطروحات "الرحيل العكسي" المروجة من المعارضة الراديكالية بأنها "أفكار تدميرية تتعارض مع قيم البرلمان ومصالح ألمانيا الوطنية".
تؤكد التقييمات الجيوسياسية أن حالة التخبط الداخلي والانقسام حول القيادة الاتحادية تُضعف هامش المناورة الخارجي لبرلين في مرحلة تتسم بعدم اليقين الدولي. ففي العلاقة مع واشنطن والتوازنات الأطلسية، يقلل الضعف الهيكلي للحكومة الاتحادية من قدرة ألمانيا على لعب دور القيادة الموحدة داخل الاتحاد الأوروبي، لا سيما في إدارة ملف التنافس التجاري والشراكة الأمنية مع الإدارة الأمريكية. 
وعلى صعيد إعادة تشكيل السياسة التنافسية والطاقة تجاه موسكو، يضغط صعود "البديل" باتجاه تقويض الرواية الرسمية حول العقوبات الاقتصادية، مستغلاً المخاوف الشعبية من أزمات الإمداد والأسعار المطروحة من قطاعات الصناعة الثقيلة. أما على المسار الاستراتيجي مع العالم العربي، فإن الخطاب المناهض للاندماج والنمو المتصاعد للتيارات الراديكالية يثير هواجس الشركاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتأثر الشراكات الاستراتيجية في مجالات الهيدروجين الأخضر، واستثمارات الطاقة، وبرامج استقطاب العمالة الماهرة بتصاعد الضبابية السياسية وضغوط التوازنات الحزبية في برلين.
تخلص الدراسة السياسية للمشهد الألماني الراهن إلى أن التحدي الأساسي للطبقة الحاكمة لا يكمن فقط في كيفية إدارة التحالفات النيابية المعقدة، بل في مدى قدرتها على تقديم معالجة هيكلية لأسباب السخط الاجتماعي دون المساس بالأسس الدستورية والمرجعيات الاقتصادية للبلاد.

شارك