خبير طاقة لـ "لو فيجارو": إغلاق باب المندب يحول أزمة النفط من صدمة مؤقتة إلى مشكلة اقتصادية عالمية
الأحد 13/سبتمبر/2026 - 01:33 م
طباعة
مع سيطرة حليف إيراني على المضيق الاستراتيجي وإغلاق خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب عقب غارة جوية بطائرة مسيرة، يتصاعد الصراع في الشرق الأوسط. ويحذر خبير اقتصاديات الطاقة، تيري بروس، قائلاً: "بدأ سباق مع الزمن بين الولايات المتحدة وإيران".
منذ اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير، أصبح النفط مؤشراً رئيسياً لهذه الحرب التي تُشن عن بُعد بالصواريخ والطائرات المسيّرة. بعد ستة أشهر من أزمة حادة في الشرق الأوسط، كان سوق النفط يعمل على أسس هشة: بالكاد كان خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب وانخفاض الطلب الصيني يعوضان حصار مضيق هرمز. وقد انهار هذا الهيكل الهشّ مع إغلاق خط الأنابيب، الذي استُهدف بطائرات مسيّرة أُطلقت من العراق، وسيطرة الحوثيين الموالين لإيران على مضيق باب المندب في اليمن عقب هجوم خاطف. تجاوز سعر خام برنت 100 دولار هذا الأسبوع، وقد يواصل ارتفاعه ابتداءً من يوم الاثنين. ما هي التداعيات المحتملة على استمرار الحرب وعلى الاقتصاد العالمي؟ يُلقي مهندس الطاقة والاقتصادي تيري بروس، المحاضر في معهد الدراسات السياسية بباريس، الضوء على السيناريوهات المحتملة.
• لو فيجارو: ما هو الخطر الرئيسي الذي يمثله إغلاق باب المندب بالنسبة إلى سوق النفط؟
تيري بروس: الخطر الرئيسي هو أن أزمة هرمز لم تعد أزمة منفردة. نحن أمام تضييق متزامن لأكثر من طريق حيوي لنقل الطاقة، وهذا يغير طبيعة المشكلة بالكامل. باب المندب ليس مجرد ممر بحري آخر؛ فهو حلقة أساسية في حركة السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وإذا أصبح المرور فيه غير آمن أو مستحيلاً، تضطر السفن إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار النقل والتأمين ثم على أسعار الطاقة.
• هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى نقص فعلي في النفط، أم أن التأثير سيكون أساسًا في الأسعار؟
على المدى القصير، لا أرى سوى نتيجة واحدة واضحة: ارتفاع جديد في الأسعار. السوق العالمية لا تفقد بالضرورة كل النفط الموجود في المنطقة، لكنها تفقد القدرة على نقله بالسرعة والتكلفة المعتادتين. وهذا فارق مهم. عندما تتعطل طرق النقل، تصبح البراميل المتاحة في المكان الخطأ، في الوقت الخطأ، وبكلفة أعلى. وهنا ترتفع الأسعار حتى قبل أن يظهر نقص مادي حقيقي في الإمدادات.
• لكن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا قد استعدوا لأزمة هرمز. هل ما زالت لديهم قدرة على امتصاص صدمة جديدة؟
إلى حد ما، نعم. هناك مخزونات استراتيجية، وهناك إنتاج خارج المنطقة، كما أن الطلب العالمي ليس بالقوة نفسها التي كان عليها قبل سنوات. لكن المشكلة هي أن كل هذه الهوامش قد استُخدمت جزئيًا لامتصاص الصدمة الأولى. ولذلك فإن إغلاق باب المندب بعد هرمز يضيق هامش المناورة أكثر فأكثر.
• ماذا عن خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب؟
هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن هذا الخط كان أحد العناصر التي تمنح السوق قدرًا من المرونة. الفكرة الأساسية فيه هي نقل النفط السعودي من مناطق الإنتاج في الشرق إلى موانئ على البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز. إذا تعطلت هذه القدرة في الوقت الذي يصبح فيه باب المندب نفسه غير آمن، فإن البديل السعودي يصبح أكثر صعوبة، وتصبح قدرة الرياض على إعادة توجيه صادراتها محدودة.
• هل يعني ذلك أن المملكة العربية السعودية أصبحت في قلب الأزمة النفطية؟
السعودية أصبحت بالتأكيد إحدى الدول الأكثر تعرضًا لتداعياتها، لأنها تقع في قلب شبكة الممرات التي تربط الخليج بالأسواق العالمية. لكن لا ينبغي النظر إلى الأمر من زاوية السعودية وحدها. إذا تعطلت هذه الشبكة لفترة طويلة، فإن التأثير ينتقل إلى أوروبا وآسيا، وإلى كل الدول التي تعتمد على النفط والمنتجات البترولية المستوردة.
• هل يمكن أن يصل سعر برميل برنت إلى مستويات أعلى بكثير من 100 دولار؟
نعم، إذا استمرت الاضطرابات واتسع نطاقها. الوصول إلى 100 دولار ليس سقفًا اقتصاديًا. السعر يمكن أن يرتفع أكثر إذا بدأت الأسواق تعتقد أن الأزمة ستستمر لأسابيع أو أشهر، خصوصًا إذا أصبحت عمليات الشحن نفسها موضع تهديد. في سوق النفط، التوقعات تلعب دورًا كبيرًا جدًا: المتعاملون لا يشترون فقط ما يحتاجونه اليوم، وإنما يسعرون أيضًا الخطر الذي يتوقعونه غدًا.
• ما الذي يمكن أن يوقف هذا الارتفاع؟
هناك عاملان أساسيان: عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، أو تدخل منتجين آخرين لتعويض جزء من الإمدادات المهددة. لكن العامل الأول هو الأهم. السوق لا تحتاج فقط إلى النفط، بل تحتاج إلى الثقة في إمكانية نقله. وطالما بقيت السفن معرضة للهجمات أو مضطرة إلى تغيير مساراتها، فستظل علاوة المخاطر موجودة في السعر.
• هل نحن أمام أزمة طاقة عالمية جديدة؟
من المبكر استخدام تعبير «أزمة طاقة» بالمعنى الذي عرفناه في أزمات السبعينيات، لكن الاتجاه مقلق. الفارق اليوم أن لدينا عدة نقاط اختناق في الوقت نفسه. هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وخطوط الأنابيب، كلها عناصر في منظومة واحدة. وكلما تعطل عنصر، ارتفع الضغط على العناصر الأخرى.
• وماذا عن الاقتصاد العالمي؟
ارتفاع أسعار النفط يعني في النهاية ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج والتدفئة والمواد الكيميائية، وبالتالي ضغطًا إضافيًا على التضخم. وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة: إذا ارتفع التضخم بسبب الطاقة، يصبح خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة الطاقة في الوقت نفسه إلى إضعاف النشاط الاقتصادي. لذلك فإن صدمة النفط يمكن أن تتحول بسرعة إلى مشكلة نقدية واقتصادية.
• هل الصين هي الأكثر تعرضًا لهذه الصدمة؟
الصين لاعب أساسي لأنها مستورد ضخم للطاقة، لكن الصورة أكثر تعقيدًا. انخفاض الطلب الصيني كان أحد العوامل التي ساعدت السوق على امتصاص الصدمات السابقة. فإذا ظل الطلب الصيني ضعيفًا، فقد يخفف ذلك بعض الضغط. لكن لا يمكن التعويل على ضعف الطلب إلى ما لا نهاية لتعويض اضطراب طرق الإمداد.
• وهل يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل عسكريًا لإعادة فتح باب المندب؟
هذا سؤال سياسي قبل أن يكون اقتصاديًا. الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية، لكن إعادة فتح ممر بحري بالقوة لا تعني بالضرورة إنهاء الخطر. المطلوب هو أن تصبح الملاحة آمنة ومستقرة، لا أن يتم فتح الطريق لبضعة أيام فقط. وكلما طال الصراع، ارتفعت تكلفة حماية السفن، وازدادت احتمالات اتساع المواجهة.
• قلت إن هناك سباقًا مع الزمن بين الولايات المتحدة وإيران. ماذا تقصد؟
أقصد أن كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل أن تضطره الظروف إلى تقديم تنازلات. الولايات المتحدة تريد منع انهيار منظومة الطاقة العالمية ومنع إيران وحلفائها من تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط دائمة. أما إيران فتملك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على التأثير في عدة نقاط استراتيجية في المنطقة. ولذلك فإن الوقت نفسه أصبح سلاحًا: كل يوم إضافي من الاضطراب يرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية على الطرف الآخر.
• وهل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل حرب طويلة بهذا الشكل؟
يستطيع تحملها لفترة، لكن ليس من دون ثمن. السؤال ليس ما إذا كان العالم سينهار غدًا؛ لن يحدث ذلك. السؤال هو مقدار الضرر الذي سيتراكم شهرًا بعد شهر. ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها أعباء تتراكم ببطء. وفي مرحلة معينة، يصبح تأثيرها على النمو أكبر بكثير من تأثيرها الأول على سوق النفط.
• ما السيناريو الأكثر خطورة في رأيك؟
أن تتحول الإغلاقات المؤقتة إلى وضع دائم. إذا اعتادت الأسواق على أن هرمز وباب المندب يمكن إغلاقهما في أي لحظة، فإن علاوة المخاطر لن تختفي حتى بعد توقف الهجمات. ستعيد الشركات حساباتها، وسترتفع تكاليف التأمين والنقل، وستبحث الدول عن طرق ومصادر بديلة للطاقة. عندها لن يكون الضرر مرتبطًا بسعر النفط وحده، بل بإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية للطاقة.
• إذن، هل يمكن القول إن المعركة الحالية تتجاوز النفط نفسه؟
بالتأكيد. النفط هو المؤشر الأسرع لقياس الصدمة، لكنه ليس جوهرها الوحيد. ما يحدث يتعلق بحرية الملاحة، وأمن طرق التجارة، وقدرة الدول على حماية بنيتها التحتية، ثم بمدى قدرة النظام الاقتصادي العالمي على العمل عندما تصبح الممرات الاستراتيجية نفسها ساحات حرب. ولهذا فإن السيطرة على باب المندب لا تعني فقط السيطرة على مضيق؛ إنها تعني امتلاك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله.
