أزمة سبتة: تدفق الهجرة يهدد بالتفكيك والشرخ بين المجتمعين المسيحي والمسلم
الأحد 13/سبتمبر/2026 - 01:38 م
طباعة
يسود الخوف والغضب والشعور بالهجران في الجيب الإسباني، حيث يعيش آلاف المهاجرين في الشوارع منذ اختراق الحدود المغربية في نهاية يوليو. والآن، يخشى سكان سبتة من حدوث شرخ دائم بين المجتمعين المسيحي والمسلم، بحسب ما ذكرت صحيفة "لا فانغوارديا".
بعد شهر من اختراق حدود تاراخال، الذي دخل عبره أكثر من 80 ألف شخص خلال 48 ساعة فقط، أصبحت سبتة مدينة خيّم عليها الإحباط. فقد استحوذ شعور عميق بالتخلي المؤسسي، تضاف إليه جرعات كبيرة من الغضب والخوف وعدم اليقين، على الشوارع. وهي الشوارع نفسها التي لا يزال آلاف المهاجرين يتجولون فيها. ويخشى سكان سبتة، الذين سُلب منهم شهر أغسطس (هدوؤهم وحريتهم) بسبب عمليات الإغلاق التي لم يفرضها مرسوم رسمي في الجريدة الرسمية، وإنما فرضها انعدام الأمن، من أن يؤدي التوتر الناجم عن الغضب إلى تقويض تعايشهم التاريخي متعدد الثقافات. ويخشون أن يؤدي الانهيار الذي حدث على الحدود مع المغرب إلى إحداث صدع لا يمكن إصلاحه في مجتمع نفد صبره بسبب الوعود التي لم تُنفذ.
يعرف سكان سبتة مانولو فرنانديز باسم «مانولو بائع التبغ»، وذلك بسبب العقود الأربعة التي أمضاها في إدارة الكشك الموجود في ساحة الدستور، في قلب المدينة، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الحياة قد استعادت إيقاعها. لكنه يهدم هذه الفرضية بجملة واحدة. يقول: «أبيع أكثر من ضعف كمية التبغ التي كنت أبيعها قبل شهر: علب سجائر، وتبغًا للف السجائر، وأكياس النيكوتين. أما أكياس المقرمشات فلا أبيع منها شيئًا، لكن السجائر طوال الوقت. انظر إلى الطابور»، يقول ذلك وهو يشير إلى الرصيف، حيث تقف مجموعة من المهاجرين في الانتظار، من دون أن يظهر طفل واحد بينهم. ويُعد الوجود المحدود للأطفال في الشوارع أحد أوضح أعراض الخوف الجماعي. ويقول فرنانديز بأسى: «حفيدي البالغ من العمر ست سنوات لا يزال محبوسًا في المنزل. لا شواطئ، ولا حدائق». ويدعو «كل من يتحدث عن عودة الأمور إلى طبيعتها» إلى التجول في الأماكن العامة في الأحياء، مؤكدًا أن «الوضع الخارج عن السيطرة» لا يزال واضحًا. ولن تستغرق هذه الجولة وقتًا طويلًا؛ فالمدينة لا تزيد مساحتها على 20 كيلومترًا مربعًا، لكن سكانها البالغ عددهم 84 ألف نسمة يتركزون في مساحة لا تتجاوز سبعة كيلومترات مربعة.
خلال الأسابيع الأربعة الماضية، وضع مانولو بائع التبغ على رف كشكه صحفًا تحمل عناوين تفيد بأن الحكومة ستطرد «جميع» الأشخاص الذين دخلوا بصورة غير نظامية. وقد أثار هذا الوعد كثيرًا من الاستياء بين سكان سبتة. أولًا، لأنه، كما يقول فرنانديز، غير صحيح. فقد خضع السكان خلال هذه الأيام لدورة مكثفة في سياسة الهجرة، وتعلموا أن المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء يُعدون طالبي لجوء محتملين لا يمكن إعادتهم فورًا، كما لا يمكن إعادة القاصرين المهاجرين. وقد عاد الغالبية العظمى منهم من تلقاء أنفسهم خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى من أغسطس، لكن بعد ذلك أُغلق الصنبور. وتقول فاطمة حمد، أول امرأة مسلمة تتولى قيادة حزب سياسي في إسبانيا، محللة الوضع: «إن البلدة بأكملها غاضبة. الرسالة التي أُطلقت منذ الدقيقة الأولى بشأن عمليات الإعادة لم تُنفذ. وإلى جانب الشعور العام بالتخلي، هناك أيضًا شعور بالخداع». وترى زعيمة «حركة الكرامة والمواطنة» أنه لو كانت الحكومة قد أوضحت جيدًا أن عمليات الإعادة لن تتم خارج إطار القانون، «وبالتالي فإنها ستستغرق شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر»، لربما أدى ذلك إلى رد فعل مختلف.
وهي تشير إلى أحداث العداء التي اندلعت، مثل منع توزيع المواد الغذائية التي يقدمها الصليب الأحمر، أو إحراق الأكواخ في أحد تجمعات المهاجرين، وهي أحداث تشتبه في أنه ربما تسللت إليها عناصر متطرفة لتغذية المزيد من «إحباط السكان» الذين لا يرون ضوءًا في نهاية النفق. وكذلك الكمائن التي استهدفت العسكريين؛ وكان آخرها أمس، وأسفرت عن إصابة رقيب واعتقال أربعة مغاربة. وتقول زعيمة اليسار المسلم: «هذه هي الشقوق التي تتسلل منها خطابات الكراهية». وقد بدأت الاحتجاجات التي تحولت إلى عدد من هذه الحوادث تتغير خلال الأيام الأخيرة. وكان من الممكن اعتبار الاحتجاجات الأولى انعكاسًا للمجتمع في سبتة، حيث ينحدر نصف السكان من أصول مسيحية ونحو 40% من أصول مسلمة. وفيها قام بعض المتظاهرين، وهم الأقلية، بتوجيه الإهانات إلى مواطنين آخرين، هم أيضًا من سكان سبتة ولكنهم مسلمون، بعدما ظنوا خطأً أنهم مهاجرون. أما في الاحتجاجات الأخيرة، فلم تكن تُرى إلا أعداد قليلة من النساء المحجبات. ويرى عبد الله مصطفى، رئيس حي سيدي مبارك، أن «خطابات خطيرة» بدأت تجد طريقها إلى الناس بسبب «غياب ردود الحكومة»، ولذلك يرفض المشاركة في المظاهرة لأنه لا يريد «أن ينتهي به الأمر إلى خوض معركة بالعصي مع أي من أبناء بلده». ويحذر المتحدث باسم الحي الواقع في أطراف المدينة: «إنهم يدفعون بهذه المدينة نحو انقسام غير مسبوق». أما حمد فترى، في المقابل، أن الوضع لم يصل إلى هذه المرحلة: «آمل فقط ألا يتفكك، تحت أي ظرف، لا التعايش ولا التعايش المشترك».
ما يتفق عليه الاثنان هو ضرورة التركيز على ما هو عاجل: الوحدة والتعايش، وهما أمران طالما تفاخر بهما سكان سبتة. وذلك حتى ما قبل موجة التدفق الهائلة. ويعبر كينو بلانكو، وهو صاحب منشأة فندقية من أبناء سبتة الأصليين، عن شعوره بأنه بالكاد يتعرف إلى مدينته، قائلًا: «في يوليو كانت هذه مدينة سعيدة، حيث كان الناس يملأون الشواطئ ويصطفون أمام المطاعم. والآن؟ لا نملك الحرية، ويسود السأم والغضب والخوف». وعندما يتحدث بلانكو بصفته رئيس جمعية أصحاب المطاعم والمنشآت الفندقية في سبتة، فإنه يحلل التأثير الاقتصادي الناجم عن الأزمة في المدينة، مشيرًا إلى انخفاض إيرادات الحانات والمطاعم بنحو 60%، ولذلك يطالب بمساعدات عاجلة لدعم الشركات والحفاظ على الوظائف. كما يؤكد أن إلغاء مهرجان سبتة حرم العديد من التجار، «وثلاجاتهم ممتلئة بالبضائع»، من جرعة الأكسجين اللازمة لدفع رواتب العاملين والضرائب. وعندما يتحدث بلانكو بصفته من أبناء سبتة الأصليين، فإنه يعبر عن ألمه الشديد من السلبية السياسية. وينضم بذلك إلى هذا الشعور، المنتشر إلى حد كبير، بأن هذه الأزمة لو كانت قد وقعت في مكان آخر من إسبانيا، لما جرى التعامل معها بالطريقة نفسها.
وبلانكو واحد من كثير من سكان سبتة الذين ابتعدوا خلال شهر أغسطس عن أفراد أسرهم أو المقربين منهم، الذين انتقلوا إلى منازلهم الثانية في شبه الجزيرة. ويقول: «غادرت زوجتي مع أحفادي الثلاثة. كانت تشعر بالذعر، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عندما ذهبنا، في الأيام التالية لعملية التدفق، لشراء الخبز، ورأينا أن المشتريات أصبحت مقننة بحد أقصى رغيفين. كما في أوقات الحرب»، يتذكر. والحقيقة أنه في سبتة، عند الحديث عن الأزمة التي تستحوذ على أي حديث، يُلجأ إلى قدر من اللغة الحربية. وقد شاع وصف المهاجرين بأنهم «غزاة». وبغض النظر عن المعنى الذي قد يقبله القاموس، تلخص ياسمينا بشير هذا الشعور قائلة: «من المؤلم أن نقول ذلك، لكن نعم، لقد كان غزوًا. لقد غزوا حياتنا، ويومياتنا». أما والدتها حياة، التي ينكسر صوتها وتمتلئ عيناها بالدموع عندما تُسأل عما إذا كانت تعتقد أن سبتة تتفكك، فترى أن «لا شيء عاد كما كان». لقد مر شهر دون أن تذهب إلى السوق، كما كانت تفعل كل يوم سبت، ولا إلى أي مكان آخر. لكن ما فعلته في أغسطس الاستثنائي هذا، وللمرة الأولى، هو أن استقلت سيارة أجرة جاءت لاصطحابها من أمام باب منزلها ونقلها إلى الطبيب.
تعيشان كل واحدة منهما بجوار الأخرى، في حي هادو، الواقع في أطراف المدينة، حيث يصبح تأثير الأزمة أكثر حدة وأكثر وضوحًا. وهو صدع آخر يتسع: المركز في مواجهة الأطراف. هناك لا يزال عشرات، وربما مئات، من المغاربيين في الشوارع أو في قطع أراضٍ مهجورة. وكما هو الحال مع الجميع في المدينة، إما أنهم ملقون على الأرض نائمين، أو يمشون بلا توقف. ومزيج الروائح المنبعث من واجهات المباني لا يمكن وصفه. كما أنهم لا يجدون الكلمات المناسبة لوصف الليالي التي تمر عليهم. وقد دفعت هذه الأمور وغيرها الأسرة إلى البقاء في المنزل، كما حدث أثناء الجائحة. بل «أسوأ»، كما توضح، لأنهم هذه المرة أبقوا مصاريع النوافذ مغلقة. إلى أن قرر الأب، عبد المالك، جد الأسرة، أن يأخذ بعض الحقائب ويبتعد عن المكان بضعة أيام في أغسطس. وفي يوم الجمعة، عندما استقلوا العبّارة العائدة من الجزيرة الخضراء، حيث لم يعد يُسمع سوى الحديث عن معاناة المدينة المتمتعة بالحكم الذاتي، تقول حياة إنها شعرت بإحساس لم تعرفه من قبل: عدم الرغبة في العودة إلى منزلها هي نفسها. وتقول الأسرة من غرفة الجلوس في منزلها، الذي بناه الأب بطابع إسلامي: «لقد دمروا حياتنا بين عشية وضحاها».
وتتجه أنظار الأسرة، شأنها شأن بقية سكان المدينة، إلى المرحلة التالية من الأزمة التي ستأتي مع شهر سبتمبر: العودة إلى المدارس. وستكون، بلا شك، أكثر بداية دراسية يكتنفها الغموض، مع ارتفاع خطر التغيب عن الدراسة، رغم إصرار السلطات السياسية على إضفاء طابع طبيعي عليها. وللبداية، ستكون أول صورة يراها الطلاب عند وصولهم إلى مدارسهم هي صورة رجال الشرطة أو العسكريين عند الأبواب. لكن قبل ذلك سيكون عليهم الوصول إليها. وسيبدأ آرون، ابن ياسمينا بشير، الذي يقول إنه إذا كان عليه الاختيار بين اللغة والرياضيات فإنه يفضل التربية البدنية، الصف الثاني من المرحلة الثانوية الإلزامية. ويبلغ من العمر 13 عامًا، ويُظهر الطريق من باب منزله إلى المدرسة الثانوية. وما إن يخرج حتى يرى ثلاثة أشخاص تحت الأغطية، وشخصين آخرين يجمعان في أكياس القمامة قطع الكرتون التي ناموا بينها. وعند الانعطاف إلى الشارع، تظهر مجموعة أخرى تتجول. وفي الشارع الرئيسي، الذي يخضع لأعمال منذ نصف عام، أصبحت الأرصفة أضيق. ولا تفكر والدته في السماح له بالذهاب بمفرده. وهذه، أي مسألة الأمن داخل المدارس وخارجها، ليست سوى واحدة من مخاوف الأسر، التي تقوم الاتحادية التي تضم جمعيات أمهات وآباء الطلاب في سبتة «الثقافات الأربع» بجمعها، كما تسلط الضوء أيضًا على التدابير المقررة لضمان الرفاه النفسي للطلاب، ولا سيما ذوي الاحتياجات الخاصة، وتهيئة مناخ مدرسي هادئ.
إنه الهدوء نفسه الذي يتوق إليه جميع سكان سبتة لمدينتهم. إنهم لا يريدون أن تستحوذ سبتة على عناوين الأخبار بسبب أعمال العنف الأخيرة. وفي الواقع، أمس، وبعد عدة أيام متتالية من النزول إلى الشوارع، أُوقفت المسيرات خوفًا من تسلل مجموعات متطرفة وصلت من شبه الجزيرة. فقد جعلوا المدينة بالفعل في حالة فوضى. ولا يريدون مزيدًا من الاضطرابات، رغم أنهم يتوقعون اضطراب الأوضاع خلال الأيام المقبلة عندما تعلن الحكومة الأماكن التي ستُجهز فيها مزيد من الأسرّة لاستقبال المهاجرين، إذ تنتشر على نحو متزايد فكرة أن الخطة الحكومية تتمثل في «تحويل سبتة إلى مركز استقبال مؤقت للمهاجرين» (CETI). ويحذر كينو بلانكو، الذي يتحدث الآن بصفته أحد السكان ومتحدثًا باسم أصحاب المنشآت الفندقية في الوقت نفسه، من أن سكان سبتة الذين «يحبون أرضهم»، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو يهودًا أو هندوسًا، لن يسمحوا بمزيد من التجاهل. ويقول برسالة واضحة للغاية: «إذا كان أحد في مدريد يعتقد أنه سيتمكن من بيع أرضنا، فهو مخطئ تمامًا». ويتوقع أن يتغلب الشعور الانتمائي إلى سبتة على أي محاولة لإحداث انقسام في المدينة.
