كواليس لقاء بطريرك السريان الرئيس الألماني.. المسيحيون في سوريا على طاولة برلين

الإثنين 21/سبتمبر/2026 - 10:39 ص
طباعة كواليس لقاء بطريرك روبيرالفارس
 



في لحظة تحمل دلالة سياسية وكنسية، التقى قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني، بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية،  بالرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، في القصر الرئاسي بالعاصمة برلين، حيث تصدر الوضع في سوريا ومستقبل المسيحيين والكنيسة السريانية الأرثوذكسية في موطنها، إلى جانب أوضاع أبناء الكنيسة في ألمانيا، مباحثات اللقاء.

ورافق البطريرك أفرام الثاني المطران مار فيلوكسينوس متياس نايش، النائب البطريركي في ألمانيا، والمطران مار أوكين الخوري نعمت، السكرتير البطريركي، إلى جانب رئيسي مجلس الأبرشية داوود أصلان ودانيال إلياس، والمستشار السياسي للأبرشية ديفيد إركالب.

وأكد الجانبان، بحسب بيان اللقاء، أن السوريين بعد سنوات طويلة من الحرب يحتاجون إلى الأمن والاستقرار، ومؤسسات مدنية قادرة على العمل، وآفاق اقتصادية تسمح بإعادة بناء حياتهم، مع التشديد على أهمية الحفاظ على الوجود المسيحي في سوريا.

وفي ختام اللقاء، قدم البطريرك أفرام الثاني للرئيس الألماني الصلاة الربانية باللغة السريانية، فيما رتلت الصلاة داخل القصر الرئاسي باللغة السريانية، في مشهد حمل بعدًا رمزيًا يتجاوز البروتوكول السياسي، باعتبار السريانية إحدى أقدم اللغات المسيحية في الشرق، ومرتبطة بالتراث الروحي والثقافي للكنيسة السريانية.

لماذا ألمانيا؟

يحمل اللقاء أهمية خاصة لأن ألمانيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز الأطراف الأوروبية انخراطًا في الملف السوري. فالدور الألماني لا يقتصر على استقبال اللاجئين أو تقديم المساعدات الإنسانية، وإنما يمتد إلى دعم الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والمجتمع المدني.

وتقول وزارة الخارجية الألمانية إن برلين كانت خلال سنوات الحرب من أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية لسوريا. وفي عام 2025 قدمت ألمانيا نحو 120 مليون يورو من المساعدات الإنسانية داخل سوريا، بينها 7 ملايين يورو لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة. كما تدعم مشاريع في الصحة والبنية التحتية والتعليم والمياه والتنمية الاقتصادية المحلية والحكم الرشيد وسيادة القانون.
وتكتسب هذه السياسة أهمية أكبر بالنسبة إلى المسيحيين؛ لأن بقاءهم في سوريا لا يتوقف فقط على توفير الحماية الأمنية، وإنما يرتبط أيضًا بقدرتهم على العمل والتعليم والحصول على الخدمات والعيش في مناطق مستقرة اقتصاديًا.
ولهذا فإن إعادة بناء المدن والقرى والكنائس والمدارس والمستشفيات، وخلق فرص العمل، وعودة النازحين، تمثل بصورة غير مباشرة جزءًا من معركة الحفاظ على التنوع الديني الذي عُرفت به سوريا تاريخيًا.

 برلين:  مشاركة جميع السوريين

تؤكد الحكومة الألمانية في خطابها تجاه سوريا أن المرحلة الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 يجب أن تقود إلى دولة تتسع لجميع مكوناتها، بصرف النظر عن الدين أو القومية أو الانتماء الاجتماعي.
وفي مارس 2025 أعلنت ألمانيا تخصيص 300 مليون يورو لدعم مستقبل سوريا، تشمل المساعدات الإنسانية والغذاء والمياه والأدوية والتعليم والعدالة الانتقالية. وشددت وزيرة الخارجية الألمانية آنذاك على أن مستقبل سوريا لا يمكن بناؤه إلا بمشاركة جميع السوريين، «بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو خلفيتهم العرقية»

وفي مايو 2025 لعبت ألمانيا دورًا مهمًا داخل الاتحاد الأوروبي في الدفع نحو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، في محاولة لفتح الطريق أمام الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار، مع استمرار بعض العقوبات ذات الصلة بالأمن والأسلحة الكيميائية وأطراف مرتبطة بالنظام السابق. 

وفي يوليو 2026 أعلنت الخارجية الألمانية بدء تنفيذ خطة عمل ألمانية ـ سورية لتوسيع العلاقات الثنائية، في إطار دعم إعادة بناء سوريا وتنميتها الاقتصادية. كما أكدت برلين أن استقرار سوريا يمثل مصلحة ألمانية وأوروبية، وأن البلاد تحتاج إلى مؤسسات فعالة واقتصاد قادر على توفير فرص العمل.

 إعادة بناء سوريا

المعادلة التي تطرحها ألمانيا تبدو واضحة: لا يمكن معالجة قضية الهجرة السورية من خلال مطالبة اللاجئين بالعودة، وإنما من خلال معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة البلاد.
فخلال سنوات الحرب، غادر أكثر من 12 مليون سوري البلاد أو نزحوا داخلها، وفق بيانات الخارجية الألمانية، واستقبلت ألمانيا أكثر من مليون سوري. ولهذا ترى برلين أن استقرار سوريا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا يمثل شرطًا لعودة جزء من النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية. 
ومن هنا تأتي أهمية المشاريع الألمانية في قطاعات التعليم والصحة والمياه والبنية الأساسية والاقتصاد المحلي، إلى جانب دعم المجتمع المدني والعدالة الانتقالية. فالمسيحي الذي لا يجد مدرسة لأطفاله أو مستشفى أو فرصة عمل أو أمنًا في قريته، لن يكون قادرًا على بناء مستقبل مستقر فيها حتى لو كانت الكنيسة مفتوحة.

 المسيحيون.. اختبار حقيقي لسوريا الجديدة

بالنسبة إلى الكنائس الشرقية، فإن القضية تتجاوز حماية الأقليات بالمعنى الأمني الضيق. فالمسيحيون في سوريا ليسوا جماعة مهاجرة حديثة، بل أحد المكونات التاريخية للمجتمع السوري، وترتبط بهم مدن وقرى وأديرة وكنائس ولغات وتقاليد تمتد إلى القرون الأولى للمسيحية.
وتأتي الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في مقدمة الكنائس التي ترى أن بقاء المسيحيين في المنطقة مرتبط بإعادة بناء الدولة السورية على أساس المواطنة وسيادة القانون.
ولهذا فإن رسالة البطريرك أفرام الثاني في برلين تبدو واضحة: المطلوب ليس فقط حماية المسيحيين من الخطر، بل توفير الظروف التي تجعل بقاءهم ممكنًا ومثمرًا وطوعيًا في أرضهم التاريخية.
وهنا يمكن أن تلعب ألمانيا دورًا مهمًا، ليس باعتبارها طرفًا يقرر مستقبل سوريا نيابة عن السوريين، وإنما باعتبارها دولة أوروبية تمتلك أدوات سياسية واقتصادية وإنسانية يمكن استخدامها لدعم الاستقرار، وإعادة الإعمار، والمؤسسات المدنية، وحماية التعدد الديني.

 ألمانيا والكنيسة السريانية.

اللقاء يحمل كذلك بعدًا خاصًا بسبب وجود جالية سريانية أرثوذكسية كبيرة في ألمانيا. فالكنيسة السريانية لا تتحدث فقط عن أبناء رعيتها الذين بقوا في سوريا، وإنما عن ملايين السوريين الذين أصبح مستقبلهم موزعًا بين الوطن والمهجر.
ولهذا جاء الحديث عن أوضاع الكنيسة السريانية في ألمانيا إلى جانب الوضع في سوريا. فالجالية في ألمانيا أصبحت جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية الألمانية، وفي الوقت نفسه تمثل أحد الجسور التي تربط أبناء المهجر بأرضهم التاريخية.
وإذا كانت ألمانيا قد استقبلت أكثر من مليون سوري خلال سنوات الحرب، فإن التحدي الجديد يتمثل في أن تتحول العلاقة من إدارة نتائج الحرب والهجرة إلى المساهمة في بناء سوريا قادرة على استعادة مواطنيها، بما في ذلك المسيحيون، عندما تتوافر شروط العودة الآمنة والطوعية. 
وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الوجود المسيحي في سوريا جزءًا من قضية أوسع: هل ستستطيع سوريا الجديدة أن تحافظ على التعدد الذي ميزها تاريخيًا، أم تتحول سنوات الحرب والهجرة إلى نقطة فاصلة في اختفاء مكونات أصيلة من الشرق؟

ولعل الصورة الأبلغ في لقاء برلين لم تكن فقط في الملفات السياسية التي ناقشها البطريرك أفرام الثاني والرئيس شتاينماير، وإنما في الصلاة الربانية بالسريانية التي رتلت داخل القصر الرئاسي. لغة خرجت من كنائس وقرى الشرق منذ قرون، ووجدت نفسها في قلب المؤسسة السياسية الألمانية؛ لتذكر بأن قضية مسيحيي سوريا ليست قضية لاجئين أو أرقامًا ديموغرافية فحسب، بل قضية حضارة وذاكرة ووجود تاريخي ما زال يبحث عن مكانه في سوريا الجديدة.

شارك