صوريا العراقية.. 57 عامًا على مجزرة المسيحيين التي لم تُغلق أسئلتها

الإثنين 21/سبتمبر/2026 - 10:41 ص
طباعة صوريا العراقية.. روبير الفارس
 


في السادس عشر من سبتمبر عام 1969، كانت قرية صوريا، الواقعة في منطقة زاخو بمحافظة دهوك شمال العراق، تستعد ليوم عادي من أيامها. قرية يعيش فيها مسيحيون من أبناء الكلدان والسريان والآشوريين إلى جانب عائلات كردية، تجمعهم حياة ريفية بسيطة على ضفاف دجلة، قبل أن يتحول صباح ذلك اليوم إلى واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ المنطقة الحديث.

بعد 57 عامًا، لا تزال صوريا حاضرة في ذاكرة أبنائها، ليس فقط باعتبارها مجزرة راح ضحيتها مدنيون، وإنما باعتبارها حادثة ما زالت بعض تفاصيلها وأسئلتها بلا إجابات نهائية.

بدأت القصة بتحرك رتل عسكري عراقي كان في طريقه باتجاه منطقة فيشخابور. وتختلف الروايات في بعض التفاصيل المتعلقة بالرتل ومكان الانفجار، لكنها تتفق على أن لغمًا أرضيًا انفجر تحت إحدى العربات العسكرية على مسافة نحو أربعة كيلومترات من القرية، بعد مغادرة القوة صوريا. وتذكر روايات أخرى أن الانفجار وقع في محيط القرية وعلى مسافة أكبر قليلًا. 

هنا بدأت المأساة.

بدل أن يتحول انفجار اللغم إلى واقعة عسكرية يجري التحقيق فيها لمعرفة من زرع العبوة ومن يقف وراءها، عادت القوة العسكرية إلى صوريا، بقيادة الملازم عبد الكريم الجحيشي، واقتادت سكان القرية إلى مكان واحد، تذكر غالبية الروايات أنه كان حظيرة أو بستانًا مسيجًا.

كان بين الأهالي نساء وأطفال وشيوخ ورجال، ولم يكن هناك تحقيق أو محاكمة أو إثبات لمسؤولية هؤلاء المدنيين عن انفجار اللغم.

ومن بين الذين كانوا في المشهد كاهن القرية الأب حنا قاشا، الذي كان موجودًا في صوريا في ذلك اليوم، إلى جانب مختار القرية خمّو ماروكي وعدد من أبناء القرية. ووفق شهادات وروايات متداولة عن المجزرة، حاول الكاهن والمختار تهدئة الموقف والتأكيد على أن الأهالي لا علاقة لهم بالحادث، إلا أن القوة العسكرية فتحت النار على المدنيين. 
كانت النتيجة كارثية.
تتراوح أعداد الضحايا في المصادر بين 38 و49 قتيلًا، فيما تذكر مصادر أخرى 39 شهيدًا، وهو الرقم الأكثر حضورًا في روايات أبناء المنطقة، بينهم 25 مسيحيًا و14 كرديًا مسلمًا، إضافة إلى عشرات الجرحى. كما تشير روايات أخرى إلى 39 ضحية من المسيحيين والمسلمين مع اختلاف في توزيعهم، وهو ما يكشف الحاجة إلى توثيق رسمي مستقل ونهائي لأسماء الضحايا وأعدادهم.

ولم تكن المجزرة مجرد إطلاق نار على مجموعة من المدنيين. فبحسب شهادات منشورة، تعرضت القرية عقب الحادث للحرق والتخريب، وقُتلت ماشية، وبقيت آثار الجريمة حاضرة في ذاكرة الناجين وأسر الضحايا لعقود طويلة. وفي السنوات اللاحقة ظل مصير الجريمة مرتبطًا بغياب محاسبة رسمية واضحة للمتورطين فيها. 
لكن صوريا لا يمكن اختزالها في مشهد الضحايا وحده. فهناك سؤال آخر ظل حاضرًا، لكنه لم يحظ بالقدر نفسه من البحث والتوثيق: من زرع اللغم الذي فجّر الرتل العسكري؟
هذا السؤال لا يبرر، بأي شكل، قتل المدنيين، ولا يخفف مسؤولية من أصدر أو نفذ أو شارك في قتلهم. فحتى إذا ثبت أن الهجوم على الرتل كان عملًا عسكريًا من طرف مسلح، فإن مسؤولية القوات عن التمييز بين المدنيين والمقاتلين وعن عدم الانتقام الجماعي تظل قائمة.
لكن في المقابل، فإن البحث التاريخي الجاد لا ينبغي أن يتوقف عند اللحظة التي بدأ فيها إطلاق النار.
اللغم لم يأت من فراغ. كانت المنطقة في ذلك الوقت تعيش صراعًا مسلحًا بين الدولة العراقية والحركة الكردية، وكانت القوات الحكومية تتحرك في قرى ومناطق شمال العراق وسط أجواء أمنية وعسكرية شديدة التوتر. وتذكر مصادر تاريخية أن القوات كانت تجري عمليات تفتيش وملاحقة في القرى المحيطة بالمنطقة خلال تلك الفترة.
ومع ذلك، فإن المصادر التي تناولت المجزرة لا تقدم دليلًا مستقلًا وحاسمًا يحدد هوية الشخص أو المجموعة التي زرعت اللغم. بعض الروايات تنسب العملية إلى عناصر مرتبطة بالحركة الكردية، بينما تكتفي روايات أخرى بالقول إن لغمًا انفجر في طريق الرتل من دون تحديد واضعه. لذلك فإن تحويل هذه النقطة إلى حقيقة محسومة سيكون تجاوزًا لما تسمح به الأدلة المنشورة المتاحة.
وهنا تكمن أهمية إعادة فتح ملف صوريا بعد أكثر من نصف قرن.
فالذاكرة لا ينبغي أن تكون انتقائية، والتاريخ لا يكتبه الشعار وحده. من حق عائلات الضحايا أن تعرف أسماء قتلاها كاملة، ومن حق الناجين أن تُوثق شهاداتهم، ومن حق الباحثين أن يعرفوا ماذا حدث للرتل العسكري، ومن زرع اللغم، وما طبيعة القوة التي دخلت القرية، ومن أصدر الأوامر، ومن نفذها، وكيف تعاملت الدولة العراقية آنذاك مع الجريمة.
صوريا لم تكن ساحة معركة بين جيشين. كان الضحايا في نهايتها مدنيين، مسيحيين ومسلمين، قتلوا في قريتهم.
ولهذا فإن إحياء ذكراها لا ينبغي أن يكون مناسبة سنوية لتكرار الأرقام والشعارات فقط، بل فرصة لفتح ملف تاريخي يحتاج إلى الوثائق والشهادات والأسماء.
فالجريمة لا تصبح أقل بشاعة لأن وراءها حادثًا عسكريًا سبقها، كما أن البحث عن حقيقة ذلك الحادث لا يعني تبرير الجريمة التي جاءت بعده.
في صوريا، هناك جريمة واضحة، وهناك سؤال لم يُجب عنه بصورة قاطعة.
والعدالة التاريخية تقتضي أن نضع الاثنين أمامنا في الوقت نفسه:

من قتل المدنيين؟

ومن زرع اللغم؟

الإجابة عن السؤالين معًا هي وحدها التي تستطيع أن تجعل ذاكرة صوريا أكثر من مجرد ذكرى سنوية، وتحولها إلى صفحة موثقة من تاريخ العراق لا يستطيع أحد إعادة كتابتها وفقًا لمصالح السياسة أو رواية الحزب.

شارك