مسيرة روسية تقتل راهب وتصيب 4 بدير القديس غريغوريوس في اوكرانيا
الإثنين 21/سبتمبر/2026 - 10:43 ص
طباعة
روبيرالفارس
في واحدة من أحدث الهجمات التي طالت رجال الدين والمؤسسات الدينية في أوكرانيا، قُتل راهب عجوز وأصيب أربعة آخرون إثر استهداف طائرة مسيّرة روسية ديرًا للرهبان في منطقة خيرسون جنوب أوكرانيا، في هجوم يعيد تسليط الضوء على الثمن الذي دفعه رجال الدين ودور العبادة منذ اندلاع الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.
ووقع الهجوم عندما استهدفت طائرة مسيّرة من طراز FPV دير القديس غريغوريوس بيزيوكوف للرهبان في قرية تشيرفوني ماياك، التابعة لمنطقة نوفورايسك في خيرسون. وأسفر الهجوم عن مقتل راهب يبلغ من العمر 71 عامًا، فيما أصيب أربعة آخرون، تتراوح أعمارهم بين 31 و53 عامًا، بجروح ناجمة عن الانفجار والشظايا. وأكدت السلطات المحلية أن مباني الدير تعرضت لأضرار جراء الضربة.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقتل رجل الدين، معربًا عن تعازيه لأسرته وذويه، فيما بدأت السلطات الأوكرانية تحقيقًا في الواقعة باعتبارها جريمة حرب محتملة.
ولا تبدو مأساة دير القديس غريغوريوس بيزيوكوف حادثًا منفصلًا عن المشهد الأوسع للحرب. فمنذ الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، تعرض رجال دين من طوائف مسيحية مختلفة للقتل والاعتقال والاختطاف، كما تعرضت الكنائس والأديرة ودور العبادة للقصف أو التدمير في مناطق مختلفة من البلاد.
وبحسب مشروع "كتاب تذكّر الحرب" التابع لمنظمة Mission Eurasia، وثّقت قاعدة بيانات المشروع حتى الأول من ديسمبر 2025 مقتل 54 رجل دين من طوائف مسيحية مختلفة في ظروف مرتبطة بالحرب، بينهم أرثوذكس وبروتستانت ومعمدانيون وخدام من كنائس أخرى. وتشمل الحالات رجال دين قتلوا خلال القصف، وآخرين تعرضوا للقتل أو الاختطاف أو التعذيب في المناطق الواقعة تحت الاحتلال الروسي، إضافة إلى رجال دين قتلوا أثناء مساعدة المدنيين أو أداء خدمتهم. كما وثق المشروع 16 رجل دين قتلوا بعد التحاقهم بالقوات المسلحة، فضلًا عن 10 قساوسة عسكريين سقطوا خلال الحرب.
ومن بين الحالات التي وثقتها المنظمة مقتل الأرشمندريت بترو كريفيتسكي في يوليو 2025، خلال قصف دير للرجال تابع لإيبارشية خاركيف التابعة للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، وكذلك مقتل رئيس شمامسة أثناء إجلاء المدنيين، ومقتل خدام آخرين في هجمات روسية بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي. كما تشير البيانات إلى أن مصير 20 كاهنًا اختطفتهم القوات الروسية منذ بداية الغزو الكامل ظل مجهولًا حتى نهاية 2025.
الكنائس والأديرة..تحت القصف
لم يقتصر أثر الحرب على استهداف الأشخاص، بل امتد إلى المباني الدينية التي تشكل جزءًا من الذاكرة الروحية والتاريخية لأوكرانيا.
وتشير بيانات اليونسكو إلى أنه حتى 29 يوليو 2026 تم التحقق من تعرض 545 موقعًا ثقافيًا للضرر في أوكرانيا، بينها 156 موقعًا دينيًا، إلى جانب مبانٍ تاريخية ومتاحف ونُصب ومكتبات ومواقع أثرية. وتؤكد اليونسكو أن هذه الأرقام تتعلق بالمواقع التي تمكنت من التحقق منها، ولذلك لا تمثل بالضرورة الحجم الكامل للأضرار.
وفي ديسمبر 2025، قالت نائبة رئيس مكتب الرئيس الأوكراني أولينا كوفالسكا إن نحو 704 مواقع دينية تعرضت للتدمير أو الضرر منذ بدء العدوان الروسي، بينها نحو 200 كنيسة ودار عبادة دُمرت بصورة كاملة وتحتاج إلى إعادة بناء. وتشمل القائمة دور عبادة لطوائف وأديان مختلفة، وإن كانت غالبية المواقع المتضررة مسيحية وأرثوذكسية.
ومن أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك دير كييف-بيتشيرسك لافرا، أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في أوكرانيا، والذي تعرض في 15 يونيو 2026 لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى أضرار في كاتدرائية رقاد السيدة العذراء ومبانٍ أخرى داخل المجمع التاريخي. وقد أدانت اليونسكو الهجوم، نظرًا إلى المكانة العالمية للمجمع المدرج ضمن قائمة التراث العالمي.
وتكتسب استهداف الأديرة والكنائس في الحالة الأوكرانية أهمية تتجاوز الأضرار المادية؛ فهذه الأماكن ليست مجرد مبانٍ دينية، وإنما مراكز للصلاة، وإيواء المدنيين، وخدمة الفقراء والنازحين، وحفظ الذاكرة التاريخية للمجتمعات المحلية. ولذلك فإن سقوط رجل دين داخل ديره، أو تدمير كنيسة عمرها مئات السنين، يعني بالنسبة إلى كثير من المجتمعات فقدان جزء من حياتها الدينية والاجتماعية والتاريخية في آن واحد.
وتأتي واقعة دير القديس غريغوريوس في خيرسون في وقت ما زالت فيه المناطق القريبة من خطوط القتال تتعرض بصورة متكررة لهجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية. ووفق بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أوكرانيا، شهدت خيرسون خلال يوليو 2026 سقوط 34 مدنيًا وإصابة 424 آخرين، فيما أصبحت الطائرات المسيّرة قصيرة المدى قرب الجبهة أحد المصادر الرئيسية للخسائر المدنية.
وهكذا، يضيف مقتل رجل الدين السبعيني داخل دير القديس غريغوريوس بيزيوكوف فصلًا جديدًا إلى سجل طويل من الخسائر التي لحقت برجال الدين والمؤسسات المسيحية في الحرب الأوكرانية؛ حرب لم تترك خطوط الجبهة وحدها ميدانًا لها، بل وصلت إلى الأديرة والكنائس، وإلى رجال دين اختار كثير منهم البقاء إلى جانب رعاياهم حتى في أكثر المناطق خطورة.
