"الشيرازية".. الوجه الراديكالي للتشيع

الخميس 22/مايو/2014 - 10:13 م
طباعة
الشيرازية.. الوجه
 
فقه "التقليد" هو أن يتخذ الشيعي شيخًا عالمًا مشهودًا له "بالاجتهاد والأعلمية" ليقلده، ويتبع فتواه الفقهية، وهو ما يسمى "المرجع أو أية الله"، وبرغم أن هناك فرق خرجت لتنكر "التقليد" وتعتبره بدعة، مستندة في إنكارها على رؤى فقهية ونقلية، وهم من أطلق عليهم الفرقة "الإخبارية"، إلا أن السواد الأعظم من الشيعة – الإثنا عشرية – يعتبره أمرًا لا يحتاج إلى دليل نقلي في وجوب التقليد، وذلك قياساً على الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ أمر مجهول، فمن أصابه مرض ما، فهو يرجع في ذلك إلى الطبيب،  ومن هنا يعتبر الشيعة أن العلوم الفقهية مثلها مثل باقي العلوم تحتاج إلى عالم ببواطن الشريعة، قادر على استنباط الحكم من النص ليكون مُتبعًا من العوام.
وفى حالة اختيار الفرد لمرجعه يجب أن يتخذ  فتواه الدينية والحياتية منه، وإلا يخرج عن الإطار الفقهي للمرجع، حتى وإن كان في تبعية مرجع شيعي اثني عشري آخر، ولو في فتوى واحدة طول حياته، وقد فرض المذهب الشيعي على أتباعه أن يكون المرجع حيًا ليقلده العوام، وفى عصرنا الحالي نجد أن هناك مرجعيات شهيرة، يتبعها الملايين من الشيعة، كالمرجعية الخامنئي والسيستاني والشيرازي والمدرسية، إلا أن المرجع الشيرازي يعد من أكثر المرجعيات أثارة للجدل على الساحة الدينية والسياسية 

المرجعية الشيرازية النشأة والتاريخ

المرجعية  الشيرازية
الشيرازية هم مجموعة تتبع مذهب الشيعة الاثنا عشرية، ويمثلون تيارًا من أقوى التيارات الشيعية وأنشطها، وقد برز دورها خلال السبعينيات، منطلقة من كربلاء بالعراق، ثم انطلقت بعدها إلى إيران والكويت والسعودية ولبنان وسوريا، وسيطرت على البحرين عن طريق المرجعية المدرسية التابعة للمدرسة الشيرازية،، وقد أُطلق عليهم لقب "الشيرازية" نسبة لتقليدهم واتباعهم الاجتهاد الفقهي للمرجع الشيعي الكبير المُتوفّى محمد الحسيني الشيرازي، والذي ورّث المرجعية لأخيه الأصغر صادق الحسيني الشيرازي. 
"السادة الشيرازية" أو عائلة "الشيرازي"، تخرج منها العديد من المراجع الدينية والقيادات الشيعية الفقهية والسياسية، وقد لعبت ثورة العشرين العراقية ضد الاحتلال البريطانى سنة 1920، دوراً هاماً في إبراز دور السادة الشيرازية فى التاريخ الشيعي، بعد أن قادها السيد محمد تقى بن المرزا مجب على والمشهور بـ"الحائري الشيرازي"، وكان من رموز المقاومة ضد الاحتلال، ثم عاد الشيرازية لصدارة المشهد السياسي الشيعي في العراق، بعد أن أسسوا "حركة الرساليين" أو "الطلائع الرسالية" والتي ذاع صيتها فى الأوساط الشيعية بين عامي 1965 و 1967، وقد واجه الشيرازية نقض شديد ومعارضه مستميته من مراجع النجف، وخاصة من السيد محسن الحكيم، حيث كانت الحركة الرسالية بمثابة تيار مجدد للحركة الثورية الشيعية، وفى عام 1979 أنشأ السيد محمد الشيرازي ما أطلق عليه "منظمة العمل الاسلامي" على أرض "إيران"، وتولى قيادتها السيد محمد تقي المدرسي وكان الناطق الرسمي باسمها الشيخ محسن الحسيني ومن قيادييها السيد هادي المدرسي والسيد كمال الحيدري والذي انشق عنها لاحقا.

التربية التنظيمية الراديكالية عند الشرازية وعالمية الرسالة

التربية التنظيمية
إن المرجعية الشيرازية أقرب ما تكون للتنظيم، الذى يسعى لتنفيذ مشروع أممى، فالمنهج الشيرازى ليس مجرد منحى دينيًا أو عقائديًا فقط، وهو حال الغالبية العظمى من المراجع الشيعية، حيث إن فلسفة "عالمية الرسالة" معتقد يقينى متجذر فيهم، ولا ننكر أن نشر المذهب الديني، هو هدف جميع الأديان والمذاهب حتى الوضيعة منها، لكنها تزداد رسوخاً لدى الشيعة عن الأخرين، فمن أسس العقيدة لدى أتباع المذهب الشيعي، هو الإيمان بإمامة "المهدى"، وهى الإمامة العامة والتى تعنى "عالمية الرسالة"، ويعتقد الاثنا عشرية، أن التمهيد لخروج المهدى من غيبته يبنى على أسس غيبية معلوم بعضها، من أهمها انتشار المذهب الشيعي، مستندين على نص قرآنى، "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا"، وحسب تفسيرهم للنص والذى يختلف عن تفسير أهل السُنة، وهو أن الناس يدخلون في المذهب الشيعي أفواجًا علامة على اقتراب الظهور المقدس، أما أهل السُنة فيعتقدون أن زمن الآية كان في بداية رسالة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يرجع إلى الخلاف في التأويل بين الظاهر والباطن في متن النص.
ومن هنا نعلم أن عالمية الرسالة جزء لا يتجزأ من المنهج التكويني للشيعة عامة، إلا أن الشيرازية اتخذوه منهجًا تربويًا تراكميًا لدى مُقلدي المرجعية، وأسسوا له قواعد تربوية منظمة، كما اختلفت المدرسة الشيرازية عن مثيلتها من المدارس الاثنا عشرية، حيث انتهجت فى التربية منهج البراء الجهري، فالعقيدة لديهم تكونت كباقي العقائد على حجري أساس، هو الولاء والبراء، "الولاء" لآل البيت، و"البراء" من أعدائهم وهم رموز أهل السنة والجماعة، من بعض الصحابة وأمهات المؤمنين، وعلى خلاف المراجع التي رأت أن الصدام لن يولد إلا الفُرقة بين جناحيْ المسلمين "السُنة والشيعة"، مثل المرجعية "الخامنئية" والتي سعت جاهدة بكل السبل لرأب الصدع بين الشيعة والسنة، وهو ما يعتبره كثيرٌ من الشيعة، انبطاحًا يصل إلى حد الاتهام بالابتداع في المذهب الشيعي، وهو ما يروِّج له مشاهير الدُعاة من أتباع الشيرازية أمثال "ياسر الحبيب".
لقد اهتم الشيرازيون بالنشاط الاجتماعي وتربية الفرد، إيماناً منهم بأن الفرد هو وحدة بناء المجتمع، فإن بُنى الفردُ وهُذّب وترسخت فيه العقيدة، كان بمثابة دعوة تمشى على قدمين، لذا فأنهم اهتموا بجلسات الشباب الحسينية، والمدارس الدينية ومدارس حفظ القرآن، كما نشطوا في المجال الثقافي والتوعوي عن طريق، إصدار النشرات الإعلامية والثقافية ومنها على سبيل المثال مجلة "عفاف"، المختصة في مخاطبة النساء، خاصة أنها تهتف بقضايا المرأة، واهتمت أيضًا بإنشاء المؤسسات الثقافية والدينية، وافتتاح فروع للحوزات العلمية – أماكن تدريس العلم الديني – في كل البقاع التي تواجد فيها عدد كبير من التابعين، كما افتتحوا عددًا من القنوات الفضائية، لنشر الفكر الشيرازي على مستوى العالم، ولقد حرص الشيرازيون وأتباعهم على التركيز، في إحياء مجالس العزاء – الحسينيات - والمواكب الحسينية، لأنها تعتبر من عوامل جذب القواعد الجماهيرية، خاصة وأنها من أهم ما يميز الشعائر الشيعية عن باقي المذاهب، كما أنها تعتمد على إثارة المشاعر والعواطف.
ولأن العقيدة تُبنى دائمًا على الجزء الروحي المتحكم في المشاعر الوجدانية، فقد تخصصت المدرسة الشيرازية، في تعميق فجوة العداء بين السُنة والشيعة، اعتمادًا منها على توليد مشاعر سلبية ضد المخالفين للمذهب الشيعي، ومن ثم تستخدم تلك المشاعر السلبية في السيطرة على ذلك التيار الجارف من مؤيديها، إلا أن فترة الخمس سنوات الأخيرة، شهدت تغيير دراماتيكي أصاب المنهج الشيرازي بشيء من الضعف، فبرغم أن المدرسة الشيرازية تخرج فيها قامات علمية ودينية وثقافية، إلا أن عددًا ليس بقليل من هؤلاء الرموز اختلفوا مع هذه المدرسة، واتبعوا مناهج أكثر وسطية وأقرب للتقارب المذهبي، وأطلقوا حركة إصلاحية تتبنى تجديد المنهج بما يتوافق مع متطلبات الوحدة والتقارب، خاصة أن التابعين في النفور من أسلوب الخطاب الشيرازي، الذى انعكس بالسلب على حياة الأقليات الشيعية في الدول السنية، مثل مقتل الشيخ "حسن شحاته" المصري وبعض من أتباعه، وتعميق العداء بين السُنة والشيعة، نتيجة لغة الخطاب العدائي والذى ينتهجه بعض الدعاة أمثال الداعية الشيعي الكويتي الهارب إلى لندن "ياسر الحبيب".
 ومن أبرز الانشقاقات التي تعرض لها الشيرازيون، المجموعات التي تعمل في الدول الرافضة بشدة للشيعة، مثل المملكة العربية السعودية، ومن أبرز قيادات تلك المجموعات المنشقة " حسن الصفار وزكي الميلاد والاستاذ محمد المحفوظ "، وقد نجحت تلك المجموعات في تهدأة الأجواء وإيقاف الصراع مع السلطات السعودية، بعدما انتهجو طريق بعيد عن الأسلوب الصدامي والتحريضي، وفتحوا باب الحوار مع مختلف التيارات الإسلامية من أهل السنة وحتى التيار السلفي. 
نجد أن موقف الشيرازيين المعلن يتصادم مع الواقع الذى يمارسوه، فنجد ادعائهم بأنهم دعاة تجديد للفكر الاسلامي والواقع السياسي، يتناقض تماماً على اعتمادهم الأساليب التعبوية، واعتمادهم على الإثارة المذهبية، وقد نجحت المرجعية في خلق منهج شديد العداء مع "المخالفين"، وتميزت بالراديكالية في تصنيف المسلمين أنفسهم وحتى الشيعة أنفسهم لم يسلموا من حمى التصنيف المذهبي، فنجدهم يعتبروا من لا يؤمن بالـ"تطبير" – هو جرح النفس في الشعائر الحسينية – ومن يحرمها أو يمنعها مثل المرجعية الخامنئية، بأنهم "بتريين"، وهو مصطلح جاء من كلمة "بتر" أى قطع، والبتري هو المقطوع أو المنقوص، ما يدل على أن "البتري" لدى الشيرازية هو منقوص الإيمان، أو غير مكتمل لشروط الإيمان والعقيدة والشيعة، وبخلاف أغلب المراجع الشيعية الأخرى، يطلق الشيرازية على عموم أتباع المذهب السُنى، "المخالفين" فى حين أن المراجع الأخرى تطلق عليهم "مستضعفين" على أساس ان الفرصة لم تسمح لهم بالاطلاع على المذهب الشيعي، وقد تخطى الأمر هذا الحد إلى صدور فتاوى، تحرم زواج الشيعي والشيعية من السُنى والسُنيه على اعتبارهم ليسوا بمسلمين. 
لكن مهما قيل عن راديكالية الشيرازيين، والملاحظات على خطابهم الديني الرجعى، إلا أنهم يشكلون اليوم أحد أبرز التيارات الفاعلة في الواقع الشيعي.

الشيرازية بين الحراك السياسى والتعاون الإيرانى

الشيرازية بين الحراك
يعتقد الكثير أن ثمة صراعًا يدور بين الشيرازيين والخامنئية، وهو الاعتقاد الذى يعززه التراشق بين دعاتها وبعض علمائها ضد المرجعية "الخامنئية"، وفى أغلب الأمر فإن الشيرازية هم من يسعون لصنع تلك العدلاوات المصطنعة، من أجل توسيع قاعدة المقلدين، لما فى نفوس الشيعة، من رغبة للتخلي عن "التقيه" والجهر بحقيقة المعتقد المبنى على البراء من رموز أهل السُنه، فبعد أن قويت شوكة الشيعة وأصبحت الغالبية الحاكمة في العراق، ومن قبلها أعتمد المذهب الشيعي كمذهب رسمي لإيران، وأنتشر المذهب في دول آسيا، رأى عموم الاثنا عشرية أن "التُقية" لم تصبح ضرورة مُلحّة، حيث إنها فرض على الشيعي في حالة الاستضعاف والخوف على النفس والمال والأهل، من هنا لعب الشيرازية على ذلك الوتر العاطفي، وأظهروا أنفسهم على أنهم حماة المذهب، وازداد الأمر حسب وجهة نظر مُقلدي الخامنئي، إلى أن اعتقد علماء ورموز الشيرازية أنهم محل تقييم كل ما يخص المذهب، من أول الشئون السياسية والدينية وحتى تقييم المراجع أنفسهم وتصنيفهم بين صالح وطالح، وهو ما يسبب خلافات شديدة تصل إلى حد التكفير بين أتباع المرجعيات الأخرى وأتباع الشيرازية، إلا أن العلاقة بين إيران وقيادات الشيرازية تعيش واقعًا مختلفًا إلى درجة كبيرة، فالتقارب والتعاون بينهما، يسمو فوق تلك الصراعات التي أصابت القواعد من المُقلدين، حيث الهدف في عالمية الرسالة هو الرابط الأساسي.
كما كان للشيرازيين دور الكبير في الثورة الإسلامية الإيرانية ومساندة الخميني، أملاً منهم في أن يوفر لهم الخميني جبهة معارضة، ضد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلّا أنهم انضموا إلى صف معارضة النظام الإيراني واختلفوا مع الخميني فيما بعد، ثم شهدت العلاقة بينهما تقاربًا شديدًا في فترة الحرب الإيرانية – العراقية، وسرعان ما تدهور إلى أسوأ درجة، بعد إعدام طهران للسيد مهدي الهاشمي لدوره في كشف "إيران – جيت" وهى فضيحة إمداد الولايات المتحدة الأمريكية للنظام الإيراني بالأسلحة في حربه على العراق.
ثم شهدت العلاقات منحى أخر تفاقمت خلاله الخلافات مع النظام الإيراني في عهد "الخامنئي"، خاصة بعد إتهام المخابرات الإيرانية بقتل السيد محمد الشيرازي، وخطف جنازة ودفنه في مدينة "قم" المقدسة، بخلاف وصيته التي أوصى فيها بدفنه في وطنه بالعراق وبالتحديد في كربلاء، ثم إتهام النظام الإيراني بقتل أبنه محمد رضا الشيرازي بدس السم له، ثم زادت التوترات بعد أن مارس النظام التضييق على الشيرازية في الحوزة العلمية بمدينة "قم".
كل الخلافات التي سبق ذكرها، لم توقف الدعم الإيراني للشيرازية، الذين حظو بدعم كبير من عدة جهات إيرانية، وخصوصًا "منظمة العمل الاسلامي"، خاصة خلال الحرب العراقية– الإيرانية، واقام معظم قادة الشيرازيين في ايران لفترة طويلة. وتولى مهدي هاشمي "شقيق صهر الشيخ منتظري هادي الهاشمي" رعاية الشيرازيين وتقديم الدعم المادي والمعنوي والاعلامي لهم، وكان العمل يتم من خلال "مكتب دعم حركات التحرير" والذي تأسس بدعم من الحرس الثوري الايراني، كما كان للشيرازية دور فاعل في ايران من خلال المؤسسات الاعلامية «كمجلة الشهيد"، بالإضافة الى تغلغلهم في المؤسسات الايرانية، 
وأما على الجانب الفقهي والفكري، فقد برزت خلافات أخرى مع الايرانيين بعد اعتراض الشيرازيين على الفتوى التي أصدرها الإمام الخامنئي بتحريم التطبير وضرب السلاسل ورفض الشيرازيون الالتزام بها، لأنه وكما سبق ذكره، يعتمد الشيرازيون على إعلاء طقوس المذهب الشيعي، من مجالس العزاء والحسينيات والتطبير واللطم والمواكب الحسينية، في محاولة لإحياء المذهب في نفوس الأتباع، بعدما عاشوا قرون في "تُقيه" يمارسون فيها التشييع سراً، وهو باب استقطاب لزيادة أتباع المرجعية، وفرض سيطرتهم وسلطتهم الدينية على غالبية الشيعة، وقد يرى بعض المتابعين للملف الشيعي، أن تأييد الشيرازية للثورة الإسلامية الإيرانية، جاء لعدة أوجه بعيداً عن الرؤية السياسية، حيث اعتبروا نجاح الثورة قد يكسب المذهب قوة إقليمية، تساعد الشيعة الذين يعيشون خارج حدود إيران، في الحصول على حرية ممارسة الشعائر الحسينية، وهو ما خاب أملهم فيه، بعدما اكتشفوا أن الثورة قادمة وهى تحمل مشروعًا سياسيًا، يعتبر التنظيمات السُنية عنصرًا أساسيًا في معادلته، وعلى رأسهم، جماعة الإخوان المسلمين، وكان هذا سببًا رئيسيًا من أسباب توتر العلاقة الفقهية، بينهم وبين طهران.

شارك

موضوعات ذات صلة