ست "بمية راجل"

السبت 08/يوليه/2017 - 11:46 م
طباعة
 
لا تُنسب الوطنية إلا لمن كان على خلق عظيم، ولا يتحلى بها إلا كل مؤثر كريم، و لا يمكن تخيلها دون تخيل النفس الإنسانية في أسمى درجاتها، وما تتحلى به من رغبة نبيلة في الفداء والتضحية، ورضا بالعناء بل والفناء أحيانًا في سبيل إسعاد الغير، ودفع الشر عن الوطن، والاستبسال في الدفاع عن الأرض والعرض والدين. فالوطنية إذن جهاد في الحق واستشراف لأعلى المثل. وإذا كان للأمة أن تعتز وتفتخر برجالها الذين يتحلون بهذه الصفات، فحري بها أن تعتز وتفتخر بنسائها اللائي يتحلين بالصفات ذاتها. والتاريخ مليء بالمواقف التي تثبت أن النساء لسنا أقل من الرجال في العزم والهمة، وليس إحسانهن ولا جهدن إحسان وجهد المقل الضعيف، بل إحسان وجهد القوي الشجاع الذي لا يتخلى عن وطنه، ولا يعرف الهروب أمام من يريد به وبأرضه سوء ومكروه.
ونحن اليوم أمام نموذج رائع من النسوة العراقيات اللائي يسطرن في التاريخ صفحات ناصعات في الوطنية لن يستطيع الزمان طيها، ولا الأجيال نسيانها، ولا المنصفون إنكارها. صفحات مشرقة يشار إليها بالبنان، ولا يراها إلا صاحب الوجدان، ولا يعرف قدرها إلا محبي الأوطان، ولا يستطيع تذوق بطولاتها وتضحياتها إلا من فقد البلاغة البيان. صفحات رائعة تحرق أعماقنا، وتجعل الدمع يفيض من عيوننا، والغيرة والحمية تشتعل في صدورنا.
 إنهن نساء قرية "حاجي على" القرية العراقية التابعة لمحافظة الموصل، والتي تبعد سبعين كيلو مترًا عن مركز مدينة "هاويجه" التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي قبل إعلان العراق خروج داعش من الموصل. سكان هذه القرية كانوا يقفون على أهبة الاستعداد في مواجهة الهجمات التي كان يقوم بها هذا التنظيم الإرهابي في أوقات مختلفة. وقد كانوا قلقين دائمًا من أن تتسلل عناصر داعش إليهم عبر نهر “الزاب الصغير”، ويقومون بعمليات انتحارية وتفجيرات ضد قوات الجيش العراقي. لذلك لعب سكان هذه القرية دورًا مهمًا في الحرب مع داعش، بل كانوا في خط الدفاع الأول في هذه الحرب. ولقد كان دور سكان هذه القرية هو تنبيه الجيش وتحذيره عند حدوث أي احتمالية لوقوع هجوم من تنظيم داعش، وذلك عن طريق إطلاق الأعيرة النارية في الهواء، والتي يعني اطلاقها أن هناك عناصر من التنظيم تحاول التسلل ودخول القرية، لذا يجب على الجميع أن يستعد وأن يأخذ أهبته سواء أهل القرية أو جنود الجيش. ولقد كان أهل القرية يقومون بتنظيم أنفسهم وتوزيع الخدمات عليهم والوقوف حراسات بالسلاح على أبواب القرية وبيوتها كأنهم جنود في الخدمة العسكرية؛ وذلك خوفًا من تسلل عناصر ومقاتلي التنظيم. ونوبات الحراسة هذه لم تكن قاصرة على الرجال فقط، بل كانت مقاسمة بينهم وبين النساء، إذ تشارك نساء هذه القرية جنبًا إلى جنب مع رجالها من أجل الدفاع عن قريتهم، فهن يتقاسمن اليوم بينهم، الرجال نهارًا والنساء ليلًا. وتقف المرأة طوال الليل تحمل السلاح الذي ورثته عن أباءها وأجدادها تحرس به قريتها وترابط به على أبوابها لا تخشى حرًا ولا بردًا، ولا تهاب ثعلبًا ولا ذئبًا، ولا يشغل ذهنها سوى الدفاع عن أرضها، وحماية أرواح أهلها، ومساعدة جنود جيشها.
 
  والحاجة "نزهات صالح درويش" البالغة من العمر 65 عامًا، والتي هي أم لخمسة أبناء واحدة من هؤلاء النسوة الأبطال، كانت تقف كل ليلة بشجاعة ودون خوف خدمة بالسلاح على القرية لحمايتها من تنظيم داعش الإرهابي. وتحكي هذه السيدة لـ "وكالة الأناضول" قصتها مع نوبات الحراسة قائلة "أقف كل ليلة خدمة بسلاحي القديم الذي ورثته عن آبائي وأجدادي لحماية قريتي من تنظيم داعش الإرهابي، وأتولى الخدمة مع عشرة من نساء القرية، نأخذ أماكننا في سياج المنازل وحولها. وعندما يحاول أحد الدواعش التسلل إلى قريتي أقوم بإطلاق النار من البندقية في الهواء، وأبلغ قوات الأمن، ونحن قريبون جدًا من مناطق الصراع مع التنظيم، ولا يوجد عندنا نقطة شرطة تحمي أرواحنا وأرواح أولادنا من هذا التنظيم الغاشم، لذلك نتولى نحن القيام بهذه المهمة لحين تأسيس نقطة للأمن تحمينا من شر الإرهابيين".
 
الغريب في هذه القصة أن المرأة مسنة في الخامسة والستين من عمرها، لا يتصور أي شخص كيف تقف طوال الليل على أقدامها ببندقية قديمة، وذخيرة تلفها حول جسمها في مواجهة عدو دموي غاشم يخاف البعض وينزعج من مجرد ذكر اسمه. إنهن بحق نساء أظهرن من القوة والثبات شيئًا عجيبًا، ومن شجاعة النفس ما يجعل للحسد في قلوب الشجعان دبيبًا. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظ العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والعالم العربي كله من خطر الإرهاب، وأن ينشر الأمن والسلام في شتى ربوع العالم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. 
                                               

شارك