العالم بين تنامي التطرف وحرب إلكترونية قادمة

الأربعاء 29/أكتوبر/2014 - 04:25 م
طباعة العالم بين تنامي
 
استضافت الكويت أول من أمس الاثنين 28 أكتوبر 2014 مؤتمر خاص في قاعة في فندق «شيراتون»، بتنظيم وإشراف السفارة الأمريكي، وحضر هذا المؤتمر ممثلون عن البحرين وبريطانيا ومصر وفرنسا والعراق والأردن ولبنان وسلطنة عمان وقطر والسعودية والإمارات، إضافة إلى ممثل الخارجية الكويتية.
وقد دعت الولايات المتحدة حلفاءها في الحرب على التنظيم الإرهابي "دولة الخلافة" الذي يعرف إعلامياً بـ "داعش" إلى أخذ الإنترنت كأحد منابر التنظيم لمواجهة حملاته لتجنيد مقاتلين في صفوفه، وجذب ممولين.
وقد حذر المنسق الأمريكي للتحالف الجنرال المتقاعد جون ألن، خلال المؤتمر مما أسماه  "حرب رهيبة" يشنها التنظيم لتجنيد وإفساد عقول الشباب. 
ودعا الجنرال ألن المشاركين في المؤتمر إلى "صياغة خطط عمل تقضي على ماكينة داعش الإعلامية في الصحف والفضاء الإلكتروني بشكل مباشر وسريع".
وقال: إن على "ردود أفعالنا أن تتسم بالخفة والمرونة وأن تصاغ بشكل يواكب سرعة الأحداث على أرض المعركة وكذلك في المجالات السياسية والاجتماعية التي يتحدى فيها تنظيم داعش أعضاء التحالف".

داعش ومرحلة التعصب الإلكتروني

داعش ومرحلة التعصب
يبدو أن الحرب ستنتقل إلى ساحة أخرى هي ساحة الفضاء الإلكتروني وقد تنبأ بذلك كلٌّ من "تال كورين" و"جابي سيبوني"، الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في مقال بعنوان "الفضاء الإلكتروني في خدمة داعش"، وقام بعرضه محمد محمود السيد باحث متخصص في الشئون العربية.
ويقر كورين وسيبوني بأن تنظيم داعش الذي يجسّد مرحلة جديدة من التعصب، أصبح يجمع ما بين بدائية الأفكار وتكنولوجيا الحرب الإلكترونية في القرن الحادي والعشرين. وهو الأمر الذي دفع عدة منظمات تابعة لـ"الأنونيموس"- وهم قراصنة إنترنت لديهم إمكانيات هائلة وقاعدة معلوماتية ضخمة- إلى الإعلان عن شن حربٍ إلكترونية على نطاق واسع ضد داعش تحت اسم  Operation Ice ISIS، بالإضافة إلى مهاجمة أنصار داعش عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

التكنولوجيا والإرهاب

يبدو أن التنظيمات الإرهابية تفهم جيدًا القوة الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة (تويتر، فيسبوك، يوتيوب.. وغيرها)، وأهميتها كأداة فعالة للدعاية للتنظيم والتخديم على برنامجهم السياسي، وجذب مزيد من مصادر التمويل له، وتوسيع عملية التجنيد.

تجربة القاعدة

تجربة القاعدة
ولتنظيم القاعدة الذي يعتبر الرائد في المنطقة- تجربة سابقة لتوظيف الإنترنت في التخديم على برنامجها، ففي عام 2003 بدأ التنظيم في تأسيس منصات إعلامية عبر الفضاء الإلكتروني أهمها مؤسسة السحاب الإعلامية والتي كانت لها وظيفة مهمة لبث بيانات قيادات التنظيم وتوجيهاته ونقل رؤيته الفكرية والميدانية، وتأسيس مركز "الفرقان" التابع لتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، ثم تأسيس منتديات تابعة لخلايا "القاعدة في الجزيرة العربية"، هذا بالإضافة إلى النشاط الكبير في عملية الترجمة إلى اللغات العالمية الحية التي تكثفت عام 2006 وإنشاء منصات متخصصة للترجمة والإعداد والإنتاج بلغات عالمية متنوعة . 
 سبقت هذه المحاولات لتأسيس قاعدة إعلامية للقاعدة محاولات بسيطة في التسعينيات. 
هذه الخطوات التي اتخذتها القاعدة أمنت لها أرشيفا ضخما على الإنترنت وفر مادة متنوعة وثرية للتجنيد وتهيئة المتطرفين واستغلالهم والسيطرة عليهم فكريا. 

تجربة داعش

تجربة داعش
لكن أيضاً يعتبر "داعش" هو الأكثر قدرة على استخدام وسائل الإنترنت والأجدر على استغلالها لانتشار عملياتهم والمعلومات عنهم والتي ينشرها التنظيم بنفسه لأجل غرض استراتيجي. 
وهناك عدة أسباب جعلت داعش تنظيما متفوقا عن أمثاله من التنظيمات الأخرى، وتتمثل في: 
- أن داعش تعتمد في الأساس على القوة البشرية من الشباب والذين لديهم قدرات تكنولوجية كبيرة.
- أن انتماء الكثير من قادة داعش لتنظيم القاعدة أكسبهم خبرات متراكمة في مجال إرسال الرسائل المشفرة عبر الإنترنت، إلى جانب تسلل أعضاء من الجيش السوري الإلكتروني (SEA) والانضمام للتنظيم. 
- الدعم المالي الكبير لدى التنظيم والذي يقدر بالمليارات والذي مكنهم من شراء حسابات على جوجل، وتمكن أعضاء التنظيم من الاستيلاء على حسابات آخرين مثل الاستيلاء على حسابات موقع تويتر التابعة لجماعة "الأنونيموس"، وذلك باستخدام تقنيات مماثلة لتلك المستخدمة من قبل المتسللين من "الجيش السوري الإلكتروني" .

الأهداف الريئسية للتنظيمات المتطرفة من استخدام الفضاء الإلكتروني

الأهداف الريئسية
في تقرير سابق نشرناه على موقع "بوابة حركات الإسلام السياسي" بعنوان "عـالـم الإرهاب الافتراضي الإنترنت: التجنيد.. التعليمات.. صناعة المتفجرات.. والتمويل"، تم تفنيد الأهداف التي تنشدها التنظيمات الإرهابية من استخدام الإنترنت وكانت: 
- نشر الفكر والدعاية للجهاد:
أصبحت الشبكة العنكبوتية عبارة عن مكتبة افتراضية للمواد الجهادية، توفر الحصول على مواد سياسية وفكرية وفتاوى للجهاد، ومالتيميديا متنوعة، وذلك باعتراف الجهاديين أنفسهم، كما يتضح في رسالة أحمد الواثق بالله، نائب أمير الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية، الصادرة بتاريخ 2003، والتي يصف فيها الإنترنت بأنها جامعة القاعدة للعلوم الجهادية.
- التواصل وإنشاء مجتمع إلكتروني:
يعتمد نشر الفكر الجهادي على إنشاء قاعدة عامة للجهاديين على الإنترنت، من خلال وسائل اتصال وإنشاء قنوات اتصال على الإنترنت، ومنها ما هو حصري على مستوى الجهاديين، ومنها ما هو للعامة، ومنها ما هو باتجاه واحد مثل إصدارات قيادة القاعدة من رسائل مصورة، إلى جمهوره الداخلي الجهاديين والخارجي غير الجهاديين، ومنها ما هو تبادلي مع الجمهور من خلال الإجابة على الأسئلة وإصدار الفتاوى.
- التدريب:
انتقلت معسكرات التدريب التقليدية اليوم من مواقع الجهاد الشهيرة مثل أفغانستان إلى العالم الافتراضي حيث يوجد الآن في المنتديات أقسام للخلايا الجهادية، حيث تتوفر كتيبات للتدريب العسكري وأشهرها "موسوعة الإعداد للجهاد" الصادرة عن تنظيم القاعدة والتي يتم تحديثها بنسخ جديدة بشكل مستمر .
- القرصنة:
تحاول بعض الكتائب الإلكترونية مثل "جيش الفاروق الإلكتروني" و"جيش الهكرز الإسلامي"، الهجوم على المواقع الحكومية لبعض الدول، وتهديد الاقتصاد العالمي من خلال اقتحام مواقع البرصة، وشن هجمات من خلال اختراق برامج الاتصال في المطارات، ولكن ما زالت هذه المحاولات تحت السيطرة إلى حد كبير. 
- التجنيد:
هناك نوعان من التجنيد: تجنيد مباشر كتجنيد أشخاص للحاق بالمجاهدين في مواقع الجهاد، وكذلك ما يقوم به أعضاء المنتديات من "قسم البيعة" لمشاهير القادة الجهاديين مثل أسامة بن لادن سابقًا، وأيمن الظواهري حاليًا.
وتجنيد غير مباشر من خلال الاقتناع بالأفكار الجهادية وتنفيذها بشكل فردي مستقل عن التنظيم. 
- الاستطلاع: 
يستغل المجاهدون المعلومات المتاحة على الإنترنت، مثل الخرائط وجداول مواعيد الهبوط وإقلاع الطائرات، وخرائط محطات مترو الأنفاق، فضلًا عن أنهم يرفعون على الإنترنت معلومات مهمة وحساسة، مثل الأهداف الاستراتيجية التي تُستغل في أغراض جهادية.
- الدعم المالي:
تستغل الجماعات الجهادية الإنترنت للحصول على دعم مادي من خلال الدعاية لعملياتهم؛ الأمر الذي يجعل مؤيدي المنظمات الجهادية الذين لا يشاركون في عمليات بشكل مباشر، يرسلون الأموال كنوع من الدعم والجهاد غير المباشرين.
- وظيفة أخرى تضاف إلى هذه الوظائف لاستخدام التكنولوجيا بالنسبة لتنظيم داعش، وتعد أساسية بالنسبة له، ألا وهى نشر صورة عنه تظهر وحشيته وهمجيته للإرهاب النفسي، ويبدو أن هذه الصورة قد وصلت بالفعل وقد ساعد في نقلها وسائل الإعلام وخاصةً الغربية التي بينت داعش على أنها مجموعة من آكلي لحوم البشر وأنهم الخطر الأعظم على الكون!.

بعض الوسائل التي يستخدمها داعش

بعض الوسائل التي
يعتمد أعضاء تنظيم داعش على مواقع التواصل الاجتماعي بالأساس أبرزها "تويتر، وفيس بوك ويوتيوب"، وطبقا لبرنامج لاستخراج بيانات على شبكة الإنترنت، جاء عدد كبير من التغريدات الموالية على تويتر لداعش من دول الخليج وأبرزهم السعودية، والكويت.
ويستخدم التنظيم تويتر بالذات لنشر تغريدات تشرح تفاصيل موسعة بشأن أنشطته، بما فيها عدد التفجيرات، والعمليات الانتحارية، والاغتيالات التي قام بها، بالإضافة إلى المعابر والمدن التي يسيطر عليها.
ومن بين أكثر الهاشتاجات التي يستخدمها التنظيم: #بغداد_تتحرر و#العراق_يتحرر.
وبجانب الهاشتاجات يصدر التنظيم مقاطع فيديو ترويجية محترفة من أجل "حملة المليار" التي تناشد المسلمين نشر رسائل، وصور، ومقاطع الفيديو على تويتر، وانستغرام، ويوتيوب دعما لداعش.
ويحاول التنظيم نشر عملياته على أكبر نطاق من العالم فيتم إعادة نشرها مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.
تطوير بعض التطبيقات التي تساعد في التواصل بين أعضاء التنظيم وانتشار المعلومات عنهم، وفي أبريل 2014 طور التنظيم تطبيقا إلكترونيا مجانيا يسمى "فجر البشائر"، يقوم بنشر التغريدات – التي وافق عليها مديرو داعش الإعلاميون – تلقائيا على حسابات المشتركين في الخدمة.
وتشمل المواد المنشورة هاشتاجات، وروابط، وصورا، ومقاطع فيديو، وغيرها. وقد نشر ما يقرب من 40 ألف تغريدة في يوم واحد أثناء الاشتباكات الدائرة مؤخرا في العراق.
ورغم أن التنظيم في الآونة الأخيرة أعطى تعليمات لأفراده كما شيع لعدم استخدام حساباتهم على تويتر وفيس بوك وانستجرام حتى لا يتم رصدهم ورصد أماكنهم بالتحديد، إلا أن الفضاء الإلكتروني سيظل ساحة حرب أخرى وملاذا آمنا صعبا ترصد قوات التنظيم فيه. 

الحرب الإلكترونية قادمة

الحرب الإلكترونية
يبدو أن مواجهات عنيفة سيشهدها الفضاء الإلكتروني الفترة المقبلة، خاصةً بعد تصريحات واشنطن في مؤتمر الكويت، ومن المتوقع اتخاذ تدابير بعينها لا سيما بعد طلب الاتحاد الأوروبي المساعدة من الشركات الكبرى المتحكمة في القدر الأكبر من شبكة الإنترنت في محاربة المتطرفين ومنعهم من تجنيد الآخرين ووقف بث الأشرطة الدعائية. 
وقد شارك في اجتماع أقامه الاتحاد الأوروبي لأجل هذا الهدف ممثلون عن شركات جوجل وفيسبوك وتويتر ومايكروسوفت.
والهدف الأساسي الذي ينشده الاتحاد هو منع بث الرسائل وصور الإرهابين.
وكانت الخطوة التي اتخذها "تويتر" لإغلاق حسابات بعض أعضاء التنظيم بداية لما هو متوقع من خطوات تصعيدية تشل التنظيم وتقيد حركته 
خطوة أخرى اتخذتها الحكومة العراقية بشكل فردي؛ حيثُ عمدت إلى حجب مواقع فيسبوك وتويتر وغيرها من المواقع وذلك في محاولة منها لتقويض تأثير حملات التنظيم .
ويتلقى كل من يحاول الدخول على تلك المواقع في العراق رسالة تقول: إن وزارة الاتصالات تمنع الدخول.
و يتحدث كلٌّ من "تال كورين" و"جابي سيبوني" في هذا الصدد عن استخدام ديناميكية "القط والفأر" على شبكة الإنترنت، التي تحاول من خلالها بعض الدول والأطراف الدولية النشطة مثل مجموعة "الأنونيموس" إلحاق أضرارٍ مباشرة بقدرات داعش الإلكترونية، وإفقادها القدرة على جمع التبرعات عبر الإنترنت من خلال تعليق الحسابات الخاصة بأنصار داعش أو غلقها نهائيًّا. 
ويتكلم الكاتبان عن أن تلك الأطراف الدولية المعنية بمواجهة داعش إلكترونيًّا، بما فيها "الأنونيموس"، تخطط أيضًا لمهاجمة إلكترونية لبلدان يُعتقد أنها تمول داعش، مثل: قطر، وتركيا، وذلك على غرار الهجمات الإلكترونية التي استهدفت أجهزة الكمبيوتر في شركة النفط السعودية "أرامكو".
في النهاية فإن الألفية الثالثة قد مثلت تحدياً كبيرا خاصة مع التقدم التكنولوجي الذي خلق ثورة معلوماتية فجرت طاقات الشباب وساعدت في سهولة انتقال المعلومات وانتشارها على نطاق العالم ككل، بل وأسهمت بشكل كبير في تكوين الشبكات الاجتماعية والسياسية أيضاً.
ومع الاستفادة الهائلة للبشرية من هذا التقدم فإن التنظيمات المتطرفة أيضا استفادت منه؛ حيث سهل تكوين شبكاتهم والاتصال مع أعضائهم وانتقال الأوامر والمعلومات بينهم والترويج لأفكارهم وتجنيد أعضاء جدد لصالحهم.
ويبدو أن هذا التقدم التكنولوجي وخاصة في مجال الإنترنت يمثل تحديا كبيراً لدى الدول والمنظمات الدولية حتى تستطيع حصار التنظيمات المتطرفة، وهذا التحدي سيجعل الدول تبحث عن وسائل جديدة في محاولة للسيطرة على هذا الفضاء الواسع.

شارك