لم ينعى رسميا أو كنسيا ...رحيل محقق تاريخ البطاركة في صمت موجع
الجمعة 13/مارس/2026 - 10:25 ص
طباعة
روبير الفارس
رحل المؤرخ والمحقق المصري عبد العزيز جمال الدين في صمت مؤلم، دون نعي رسمي يليق بقيمته العلمية أو إشادة واسعة بما قدمه للثقافة المصرية. لم تصدر وزارة الثقافة بيانًا لتأبينه، كما لم يصدر نعي كنسي رسمي، رغم أن الرجل ترك خلفه أعمالًا علمية تعد من أهم التحقيقات في تاريخ مصر والكنيسة القبطية.
كان عبد العزيز جمال الدين واحدًا من الباحثين القلائل الذين انصرفوا إلى العمل في هدوء بعيدًا عن الأضواء، مكرسًا حياته لتحقيق المخطوطات التاريخية وإعادة قراءة تاريخ مصر من مصادره الأصلية. وربما كان عمق ما قدمه من أعمال علمية سببًا في ابتعاده عن دائرة الشهرة، إذ انشغل بجهد علمي طويل يتطلب الصبر والدقة، بعيدًا عن ضجيج الحياة الثقافية السريعة.
ومن أبرز إنجازاته تحقيق كتاب تاريخ البطاركة للمؤرخ القبطي ساويرس بن المقفع، وهو أحد أهم المصادر التاريخية لتاريخ الكنيسة المصرية منذ القرن الأول الميلادي. وقد اعتمد جمال الدين في تحقيقه على منهج علمي جمع بين مراجعة النصوص الأصلية ومقارنتها بالمصادر التاريخية الأخرى، سواء المسيحية أو الإسلامية، مضيفًا إليها شروحًا وملاحق تاريخية تساعد القارئ على فهم السياق التاريخي للنص.
ويوثق كتاب تاريخ البطاركة مسيرة الكنيسة القبطية منذ عصر مرقس الرسول مرورًا بالعصور الرومانية والبيزنطية ثم الإسلامية، ويعد من أهم المصادر التي تقدم رؤية مختلفة للتاريخ المصري، إذ يسجل الأحداث من منظور كنسي وشعبي في آن واحد.
وقد وصفه الشاعر سامح محجوب بأنه محقق ومؤرخ ومثقف نادر، عاش حياته منغمسًا في قراءة التاريخ المصري عبر قرونه الطويلة، باحثًا عن جذور الهوية المصرية في نصوصها الأصلية.
أما الكاتب عصام الدين حسن فيروي أن تعرفه على أعمال عبد العزيز جمال الدين جاء من خلال قراءة موسوعة تاريخ البطاركة، مشيرًا إلى أن التحقيق الذي قام به المؤرخ الراحل جمع بين الدقة الأكاديمية والسرد الممتع، وكان شديد الموضوعية في عرض الوقائع التاريخية، حيث لم يتردد في نقد المحتلين الذين تعاقبوا على مصر، كما تناول بالنقد بعض ممارسات المؤسسات الدينية حين اقتضت الوقائع ذلك.
ويؤكد عصام أن قراءة هذه الأعمال شكلت لديه تحولًا فكريًا مهمًا، إذ أتاحت له رؤية أوسع لتاريخ مصر من خلال مصادر متعددة، في وقت بدأت فيه شبكة الإنترنت تتيح كثيرًا من الكتب والمراجع التي لم تكن متاحة من قبل.
ويرى أن عبد العزيز جمال الدين كان مثقفًا موسوعيًا في تاريخ مصر كله، من فجر الحضارة المصرية وحتى العصر الحديث، ولم يكن منحازًا إلا لقيمة مصر وشعبها، متحررًا من الانحيازات الدينية أو الأيديولوجية.
أما صديقه الاستاذ صابر بركات فقد استعاد جانبًا إنسانيًا من حياة الراحل، مؤكدًا أنه عرفه داخل معتقلات عام 1978 في عهد الرئيس السادات. ويصفه بأنه كان إنسانًا هادئًا قليل الاحتياجات، شديد الصلابة، يحمل هموم الناس في صمت، ويملك حسًا إنسانيًا عميقًا انعكس في كتاباته ورسوماته الفنية.
ويتذكر بركات أن جمال الدين كان أيضًا فنانًا تشكيليًا موهوبًا، وأنه ساعد مجموعة من أصدقائه في إصدار نشرة عمالية في الثمانينيات، حيث قدم لهم تصميمات ورسومًا للمجلة دون مقابل، وكان يفعل ذلك بمحبة وتواضع كبيرين.
ترك عبد العزيز جمال الدين عددًا مهمًا من الأعمال في تحقيق التراث ودراسة التاريخ المصري. ومن بين أبرز كتبه تحقيق كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، الذي يعد من أهم المصادر لتاريخ مصر في العصر العثماني وبداية الحملة الفرنسية.
كما حقق كتاب تاريخ مصر والعالم القديم للمؤرخ يوحنا النقيوسي، وهو مصدر تاريخي مهم يوثق أحداث مصر في القرن السابع الميلادي، خاصة فترة الغزو العربي للبلاد.
ومن مؤلفاته أيضًا كتاب ثورات المصريين حتى عصر المقريزي، وكتاب ثورات وتمردات المصريين منذ الاحتلال العثماني حتى عام 1952، إضافة إلى كتاب مصر – إسكندرية أوهام التاريخ والجغرافيا، الذي يناقش فيه عددًا من القضايا التاريخية المرتبطة بمدينة الإسكندرية.
كما قام بتحقيق عدد من الكتب التراثية المهمة، منها كتاب أخبار المشيخة الفرنساوية في الديار المصرية لمذكرات نقولا ترك، وكتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر لعبد اللطيف البغدادي، إلى جانب تحقيق كتاب أحمد باشا الجزار مع نابليون بونابرت للأمير أحمد حيدر الشهابي.
ويرى الكاتب الصحفي محسن عبد العزيز أن رحيل عبد العزيز جمال الدين يمثل خسارة كبيرة للثقافة المصرية، إذ أفنى حياته باحثًا ومنقبًا عن التاريخ الحقيقي لمصر والمصريين، وقدم أعمالًا علمية جليلة في صمت وإخلاص.
رحل المؤرخ إذن كما عاش، بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من الكتب والمخطوطات. غير أن ما يبقى في النهاية ليس ضجيج الشهرة، بل الأعمال التي تعيد قراءة التاريخ وتفتح أبواب المعرفة للأجيال القادمة. وربما يكون أفضل تكريم له اليوم هو إعادة اكتشاف تراثه العلمي وإعادة نشر كتبه والاهتمام بدراسة مشروعه في تحقيق تاريخ مصر.
