الإسلام السياسي في مصر: من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف

الثلاثاء 31/مارس/2026 - 11:33 ص
طباعة الإسلام السياسي في حسام الحداد
 
في يوم حزين للأوساط الأكاديمية والفكرية، ودّعت مصر والعالم العربي اليوم، 31 مارس 2026، الدكتورة هالة مصطفى، أستاذة العلوم السياسية والخبيرة المرموقة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، التي تركت برحيلها فراغاً يصعب ملؤه في مجال تشريح الفكر السياسي المعاصر. لم تكن الراحلة مجرد أكاديمية تركن إلى النظريات الجاهزة، بل كانت صوتاً نقدياً جسوراً امتلك أدوات "المثقف الاشتباكي" الذي يواجه الأزمات بتبصر وعلم؛ فكرست حياتها لفك الارتباط الشائك بين المقدس والسياسي، مدافعةً عن مدنية الدولة وعقلانية التفكير في بيئة عصفت بها رياح الأدلجة والصدام.
ويقف كتابها "الإسلام السياسي في مصر: من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف" اليوم كشاهد حي على عبقريتها المنهجية وإرثها الفكري الخالد؛ إذ يُعد هذا المؤلف بوصلة معرفية حاولت من خلالها تقديم فهم "بنيوي" وتاريخي معمق لظاهرة الإسلام السياسي في مصر، بعيداً عن السطحية أو الانحيازات العاطفية. فمن خلال هذا العمل الرصين، نجحت الراحلة في تتبع خيوط الظاهرة منذ صدمة الحداثة الأولى وصولاً إلى تعقيدات الراديكالية المعاصرة، تاركةً خلفها وثيقة لا غنى عنها لكل باحث يسعى لفهم جذور العنف ومآلات الإصلاح في التربة المصرية، وكأنها في يوم رحيلها تمنحنا مفاتيح القراءة الواعية لمستقبل لا يزال يحتاج إلى جرأتها وحكمتها.

المنهجية: المسار التاريخي والسياق الاجتماعي
تعتمد الدكتورة هالة مصطفى في دراستها لظاهرة الإسلام السياسي في مصر على منهجية "تفكيكية" مركبة، تمزج فيها بين الاستقصاء التاريخي والتحليل الوظيفي؛ ففي الركيزة الأولى المتعلقة بالتسلسل التاريخي، لا تكتفي المؤلفة برصد الأحداث كوقائع مجردة، بل تتتبع "سيرورة التحول" الجذري في الخطاب الإسلامي، راصدةً لحظات الانقطاع المفصلية التي انحرفت بالمسار من "النزعة الإصلاحية" التوفيقية في عصر النهضة (التي سعيت لمصالحة الذات مع الحداثة)، وصولاً إلى "النزعة الصدامية" التي تبنتها جماعات العنف. هذا المسار الزمني يكشف، بحسب رؤيتها، كيف تم "تسييس المقدس" تدريجياً وتحويله من إطار قيمي شامل إلى أيديولوجية حركية مغلقة، مما يجعل التاريخ هنا أداة لفهم كيف ولدت الأفكار الراديكالية من رحم التأويلات السياسية المتعاقبة.
أما في البعدين الثاني والثالث، فإن المنهجية تنتقل من الرصد الزمني إلى التشريح السوسيو-سياسي والجوهراني للظاهرة؛ حيث ترفض الدكتورة هالة عزل الحركات الإسلامية عن بيئتها المحيطة، بل تعيد ربط صعودها بتبدلات البنية الاجتماعية والاقتصادية في مصر، معتبرة أن "الاحتجاج الديني" هو في جوهره انعكاس لأزمات التحديث وفشل مشاريع التنمية السياسية. وفي الوقت نفسه، تطبق المؤلفة معيار "التركيز الجوهري" عبر استبعاد القشور التنظيمية أو الممارسات الهامشية، لتنفذ مباشرة إلى قلب "الفلسفة السياسية" لكل حركة؛ فالمعيار لديها ليس ما تقوله الحركات عن نفسها في أدبياتها الدعوية، بل في جوهر مشروعها للحكم وعلاقتها بمفهوم الدولة والمواطنة، وهو ما سمح لها بتقديم تحليل نقدي يتجاوز السطح ليلامس الجذور الفكرية العميقة التي تغذي تيارات العنف والاعتزال.

صدمة التحديث وبذور الإصلاح
تستهل الدكتورة هالة مصطفى كتابها بتحليل أنثروبولوجي وسياسي للحظة "الصدمة" التي أحدثها الاحتكاك بالعرب والأوروبيين، وتحديداً منذ وطأت أقدام الحملة الفرنسية أرض مصر، وما تلاها من مشروع محمد علي التحديثي. ترى المؤلفة أن هذه المرحلة مثلت خلخلة كبرى لحالة الركود الفكري الذي دام قروناً، حيث برز جيل من الرواد كرفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، حاولوا جاهدين صياغة مشروع نهضوي يقوم على "التوفيق" لا التصادم؛ فسعوا لمصالحة القيم الإسلامية مع مكتسبات الحداثة الغربية، ونادوا ببناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة والعلم والوطنية المصرية، معتبرين أن الانفتاح على التجربة الليبرالية الأوروبية هو الممر الإلزامي للخروج من شرنقة التخلف والتبعية.
إلا أن الكتاب يرصد تحولاً دراماتيكياً ونقطة انكسار مفصلية بدأت تتشكل مع أفكار محمد رشيد رضا، والتي تعتبرها المؤلفة الجسر الذي عبرت منه "السلفية" إلى قلب العمل السياسي. ففي هذه المرحلة، بدأ المسار التحديثي في التراجع لصالح نزعة دفاعية انكفائية ركزت على إحياء مفهوم "الخلافة" كجسم سياسي وضرورة عقدية، محوّلةً الإصلاح من مشروع "للمستقبل" إلى استدعاء "للماضي". هذا التحول البنيوي في الخطاب، الذي غلّب الهوية الدينية على الرابطة الوطنية، هو ما مهد التربة الخصبة والمناخ الفكري لظهور جماعة الإخوان المسلمين لاحقاً كحركة تنظيمية، لتنتقل الحركة الإسلامية بذلك من "فضاء الفكر الإصلاحي" الواسع إلى "ضيق التنظيم الأيديولوجي" الساعي للسلطة.

الإخوان المسلمون.. الانقطاع عن المسار الإصلاحي
تقدم الدكتورة هالة مصطفى في هذا المحور رؤية نقدية وصارمة تعتبر فيها تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 بمنزلة "انكسار تاريخي" وانقطاع بنيوي عن مسار النهضة والإصلاح الذي دشنه رواد الفكر التنويري؛ فبينما كان الإصلاحيون يسعون لتحديث المجتمع من خلال المواءمة بين الأصالة والمعاصرة، ذهب الإخوان نحو "أدلجة الدين" وتحويله من منظومة قيمية وروحية شاملة إلى "برنامج سياسي" مغلق يهدف بالأساس إلى الوصول لسدة الحكم. وترى المؤلفة أن هذا التحول أدى إلى تضييق واسع في مفهوم الإسلام، حيث اختُزلت الشريعة في صراع على السلطة، واستُبدلت الوطنية المصرية بالانتماء للتنظيم، مما أوجد حالة من الاغتراب بين الجماعة ومؤسسات الدولة الوطنية الناشئة آنذاك.
وفي تشريحها للهيكل التنظيمي للجماعة، تُركز المؤلفة على خطورة "مركزية السلطة" المطلقة المتجسدة في شخص "المرشد"، والتي صاغت علاقة تبعية قائمة على "السمع والطاعة" بدلاً من الشورى الحقيقية أو الديمقراطية الداخلية، مما جعل من التنظيم أداة طيعة في يد قيادة واحدة تهيمن على الفكر والحركة. ويمضي التحليل أبعد من ذلك ليقف عند "النظام الخاص" (الجناح العسكري) الذي تأسس في الأربعينيات، حيث تصفه المؤلفة بأنه كان "الخطيئة الكبرى" والنواة الصلبة التي شرعنت استخدام العنف كوسيلة لتحقيق مآرب سياسية؛ فمن خلال عمليات الاغتيال والتفجير التي نفذها هذا النظام، وُضعت لبنات الفكر الراديكالي الذي استلهمته لاحقاً جماعات العنف التكفيرية، لتصبح جماعة الإخوان -وفق تحليل الكتاب- هي الجسر الذي عبرت منه فكرة "العنف المقدس" إلى قلب الواقع السياسي المصري المعاصر.

الراديكالية المعاصرة.. "عش الدبابير"
تقتحم الدكتورة هالة مصطفى في الفصل الثالث من كتابها ما تسميه "عش الدبابير"، مستندةً إلى مادة ميدانية وتحليلية فريدة لبنية الجماعات الراديكالية التي تفجرت في السبعينيات، مثل "الفنية العسكرية" و"التكفير والهجرة" و"تنظيم الجهاد". وترى المؤلفة أن هذه الحقبة مثلت ذروة الانقلاب الفكري عبر استلهام أدبيات سيد قطب، لاسيما كتابه "معالم في الطريق"، الذي نقل الحركة الإسلامية من حيز المعارضة السياسية إلى فضاء "التكفير الشامل". فمن خلال مفاهيم "الجاهلية" و"الحاكمية"، تمت شرعنة العنف ليس كخيار اضطراري، بل كأداة وحيدة و"مقدسة" للتغيير، حيث جرى تصوير المجتمع بأكمله ككيان خارج عن الملة، مما أعطى هذه الجماعات مسوغاً أخلاقياً وعقدياً لاستباحة الدماء والهجوم على مؤسسات الدولة في محاولة لتقويض أركانها وإقامة نظام بديل على أنقاضها.
وتضع المؤلفة يدها على تحول نوعي وخطير في استراتيجية هذه الجماعات، وهو الانتقال من "العنف السياسي" الموجه ضد السلطة إلى "العنف الاجتماعي" الموجه ضد آحاد الناس؛ فبرزت ظاهرة محاولة تغيير السلوك العام للمجتمع قسراً تحت لافتة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وتُحلل الدكتورة هالة كيف سعت هذه الجماعات، لاسيما "الجماعة الإسلامية"، إلى فرض وصاية أخلاقية وسلوكية في الجامعات والأحياء الشعبية عبر القوة البدنية والترهيب، وهو ما اعتبرته المؤلفة تهديداً وجودياً لنسيج المجتمع المصري وهويته الوسطية. فالعنف هنا لم يعد يستهدف قمة الهرم السياسي فحسب، بل تحول إلى أداة لـ "هندسة المجتمع" قسرياً، مما أدى إلى خلق مناخ من الاغتراب والصدام داخل الدوائر الاجتماعية البسيطة، وهو ما فكك الروابط الوطنية لصالح انتماءات أيديولوجية متشددة.

رؤية تحليلية: لماذا الدين؟ ولماذا العنف؟
تُقدم الدكتورة هالة مصطفى إجابات سوسيولوجية عميقة تفكك بها لغز ارتداد الحركات الاحتجاجية إلى المظلة الدينية في مصر؛ فترى أن "مركزية الدين" في الوجدان المصري ليست مجرد خيار سياسي طارئ، بل هي متجذرة في الشخصية الوطنية منذ العصور القديمة، حيث كان الدين دوماً هو الإطار المرجعي لتفسير العالم وتنظيم علاقة الفرد بالسلطة. وبناءً على هذه المركزية، يصبح "الرمز الديني" هو الأداة الأكثر طواعية وقوة في عمليات الحشد والتعبئة، لكونه يمتلك لغة مشتركة تتجاوز الحواجز الطبقية والتعليمية. وتذهب المؤلفة إلى أن الجماعات السياسية استغلت هذا "المخزون الإيماني" لتحويل المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى معارك "عقدية"، مما منح الاحتجاج صبغة مقدسة تجعل من الانخراط فيه واجباً دينياً يتخطى حدود العمل السياسي التقليدي.
وفي المقابل، تطرح المؤلفة تفسيراً لافتاً حول محدودية "التمدد الجماهيري" للعنف المسلح، مرجعةً ذلك إلى طبيعة "التدين المصري" في جوهره؛ حيث تصفه بأنه تدين "فردي، عملي، وهادئ". فالمصري بطبعه يميل إلى ممارسة شعائره الدينية (من صلاة وصوم وزيارة أولياء) كفعل تعبدي يمنحه السكينة النفسية، بعيداً عن صخب "التنظيمات السرية" أو تعقيدات الأيديولوجيات السياسية الصدامية. هذا النمط من التدين الشعبي شكل -بحسب تحليل الكتاب- حائط صد طبيعي وعائقاً بنيوياً أمام انتشار الفكر الراديكالي العنيف على نطاق واسع؛ إذ يرفض الضمير الجمعي المصري بطبعه الفطري تحويل المحراب إلى ساحة للقتال، ويميل إلى الوسطية التي ترى في العنف خروجاً عن "روح الجماعة" المعتدلة، مما أدى في النهاية إلى محاصرة هذه التنظيمات وعزلها في جيوب نخبوية أو جغرافية ضيقة بعيداً عن القبول الشعبي العام.

خاتمة 
يظل كتاب هالة مصطفى وثيقة تاريخية وفكرية بالغة الأهمية، كونه لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي البارد، بل غاص في أعماق الوثائق والواقع الميداني ليوضح بذكاء كيف تحولت الحركات الدينية من "قاطرات للنهضة" في مطلع القرن العشرين إلى "معاول للمواجهة" في نهايته. إن هذا العمل ليس مجرد سرد لتاريخ الجماعات، بل هو صرخة تحذيرية من خطورة دمج المقدس بالصراع على السلطة، وتأكيد حاسم على أن الإصلاح المؤسسي وبناء الدولة المدنية الحديثة هما البديلان الوحيدان لمواجهة فوضى الراديكالية؛ ليبقى هذا الكتاب إرثاً ينير طريق العقل في مواجهة ظلام الانغلاق.

شارك