الشرق الأوسط في ميزان عبد الرحيم علي: من "الحرب الاستفزازية" إلى فواتير ترامب
الأربعاء 01/أبريل/2026 - 08:55 ص
طباعة
حسام الحداد
تأتي حلقة برنامج "مساء dmc" مساء أمس 31 مارس 2026، مع الإعلامي أسامة كمال، في توقيت شديد الحساسية والتعقيد، لتشكل صدمة وعي ضرورية في ظل ضجيج الأحداث المتسارعة التي تعصف بالشرق الأوسط. لم يكن اللقاء مجرد استعراض صحفي للمستجدات، بل كان "جلسة مكاشفة استراتيجية" نجح فيها الدكتور عبد الرحيم علي في تفكيك المشهد الإقليمي وتحويله من مجرد صراعات عسكرية مشتتة إلى لوحة جيوسياسية متكاملة الأركان. تكمن عبقرية هذا اللقاء في قدرة الضيف على الربط بين طموحات الممرات الاقتصادية العابرة للقارات وبين المخططات الاستخباراتية التي وُضعت في أدراج مراكز الأبحاث الدولية منذ عقود، مما جعل المشاهد أمام خريطة طريق واضحة لفهم ما يدور خلف الكواليس وما يُحاك لمستقبل المنطقة العربية.
إن القيمة المضافة لهذا اللقاء تتمثل في "الجرأة التحليلية" التي قدمها الدكتور عبد الرحيم، حيث لم يكتفِ بالوصف، بل غاص في تحليل مفاهيم القوة الشاملة وتكتيكات الاستنزاف التي تستهدف الدولة الوطنية. وبفضل التناغم الفكري بين المحاور والضيف، تحولت الحلقة إلى "وثيقة تاريخية" تستشرف عصر "القوة الغاشمة" القادم، وتضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالدور المحوري للدولة المصرية كصخرة أخيرة تتحطم عليها أوهام التقسيم والتهجير. هذا التوقيت الذي يسبق تحولات كبرى في الإدارة الأمريكية وتصعيداً غير مسبوق في جبهات القتال، جعل من اللقاء منارة تحليلية لكل باحث عن "الحقيقة" وراء الدخان الكثيف للحروب الراهنة.
ممر "الهند-أوروبا" والبديل الجيوسياسي
يرى الدكتور عبد الرحيم علي أن المشهد العسكري المتفجر في المنطقة ليس إلا واجهة لصراع أعمق يتمحور حول "جيوبوليتيك الممرات الاقتصادية". وأوضح أن توقيع مذكرة التفاهم لممر (الهند - الشرق الأوسط - أوروبا) في سبتمبر 2023، على هامش قمة العشرين، لم يكن مجرد اتفاق تجاري عابر، بل كان بمثابة "إشارة البدء" الفعلية لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. هذا المشروع يهدف بالأساس إلى خلق مسارات لوجستية بديلة تتجاوز المسارات التقليدية التاريخية، مما يجعل من الصراع الحالي أداة لفرض واقع اقتصادي جديد يخدم القوى الموقعة على هذا المشروع.
وفي تحليل أكثر دقة لأهداف هذا الممر، أشار الدكتور عبد الرحيم إلى أن المخطط يسعى بشكل مباشر ليكون بديلاً استراتيجياً لقناة السويس المصرية ومشروع "طريق الحرير" الصيني. حيث تم تصميم مسار هذا الممر ليرتكز بشكل أساسي على ميناء "حيفا" في إسرائيل كحلقة وصل رئيسية لنقل البضائع نحو أوروبا. هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، بل يسعى إلى "خنق" الدولة المصرية اقتصادياً عبر تقليل أهمية شريانها الملاحي العالمي، وتعديل موازين القوى في المنطقة بجعل إسرائيل المركز اللوجستي الأهم في قلب الشرق الأوسط.
سياسة "الحرب الاستفزازية" والفخ المنصوب
فصّل الدكتور عبد الرحيم في مفهوم "الحرب الاستفزازية" أو ما يُعرف استخباراتياً بـ (False Flag)، معتبراً إياها أداة لتوجيه الأحداث الكبرى نحو غايات سياسية محددة. وضرب مثالاً بأحداث 11 سبتمبر، موضحاً كيف يمكن للقوى الكبرى أن تترك ثغرات أمنية معلومة لتحدث كارثة توفر "الشرعية الأخلاقية" والذريعة السياسية للتدخل العسكري المباشر؛ فكما استُخدمت تلك الأحداث لتبرير غزو أفغانستان ثم العراق وتقسيمه، يرى الضيف أن ما يحدث الآن في غزة ولبنان قد يُستخدم كفخ مماثل لجر المنطقة نحو "الفوضى الخلاقة" التي تمهد الطريق لتنفيذ خرائط تقسيم قديمة، مثل خريطة "برنارد لويس" التي تهدف لتفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة.
في بعدٍ أكثر خطورة، حلل الدكتور عبد الرحيم المحاولات المستمرة لجر الدولة المصرية تحديداً إلى صراعات عسكرية مباشرة لاستنزاف "قوتها الشاملة". وأوضح أن المخطط لا يستهدف فقط الموارد الاقتصادية عبر التضييق على قناة السويس أو ملف المياه، بل يسعى إلى وضع القيادة المصرية أمام خيارات صعبة تضطرها للانجرار إلى مواجهات تستهلك مخزونها العسكري والبشري. هذا "الدفع المستمر" نحو الصدام يهدف إلى إضعاف دور مصر كحائط صد وحيد باقٍ في المنطقة ضد مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، بحيث تخرج مصر من معادلة القوى الإقليمية، مما يسهل تصفية القضية الفلسطينية وفرض واقع التهجير القسري الذي تقف القاهرة في وجهه بكل ثقلها.
المشروع الصهيوني والمشروع الصفوي: تحالف الضرورة
قدم الدكتور عبد الرحيم علي رؤية استراتيجية تعتبر أن الصراع الظاهري بين إسرائيل وإيران يخفي في جوهره "تحالف ضرورة" غير معلن، واصفاً وجود المشروع الصفوي الإيراني بأنه "شرط لوجود" واستمرار المشروع الصهيوني في المنطقة. ويرى الضيف أن كل مشروع منهما يمثل للآخر "العدو المثالي" الذي يبرر وجوده وتوسعه؛ فإسرائيل تستخدم الخطر الإيراني كذريعة لحشد الدعم الغربي وتبرير ممارساتها العسكرية، بينما تستخدم إيران شعارات "الموت لإسرائيل" للتغلغل في النسيج العربي وبناء مليشيات تابعة لها. هذا التخادم المتبادل يهدف في النهاية إلى تآكل "الدولة الوطنية العربية" وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع طائفي وقومي يخدم مصالح الطرفين وتطلعاتهما التوسعية.
ولتعزيز وجهة نظره، استدعى الدكتور عبد الرحيم شواهد تاريخية تثبت أن التعاون السري بين الطرفين قد سبق الصراعات الحالية، مشيراً إلى فضيحة "إيران-كونترا" التي كشفت عن تزويد إسرائيل لنظام "آيات الله" بالسلاح لمواجهة العراق. وأوضح أن هذا النوع من "التحالفات تحت الطاولة" يؤكد أن الهدف الاستراتيجي المشترك هو تفتيت الكتلة العربية الصلبة، وتحديداً دول المواجهة التاريخية مثل العراق وسوريا ومصر. فالمشروع الصهيوني لا يرى في المشروع الصفوي تهديداً وجودياً حقيقياً بقدر ما يراه أداة فعالة لتمزيق المجتمعات العربية من الداخل عبر أذرعه الطائفية، مما يمهد الطريق لفرض "الشرق الأوسط الكبير" الذي تقوده إسرائيل اقتصادياً وتكنولوجياً بعد إفراغ المنطقة من محتواها العربي القومي.
"القوة الغاشمة" وفواتير ترامب
وصف الدكتور عبد الرحيم علي عودة ترامب للمشهد بأنها تدشن عصر "القوة الغاشمة"، وهو مفهوم يتجاوز الأعراف الدبلوماسية والتوازنات التقليدية التي حكمت العالم منذ عام 1945. وأوضح أن هذا النهج لا يعترف بالأمم المتحدة أو القانون الدولي، بل يعتمد على "تحالف المصالح" المباشر والقوة العسكرية والسياسية لفرض واقع جديد. في هذا الإطار، يرى الضيف أن ترامب أخرج أوروبا والناتو من معادلة التأثير في الشرق الأوسط، ليتفرد بصياغة حلول تنطلق من منطق القوة البحتة، حيث لا مساحة للمبادئ الإنسانية أو الحقوقية أمام لغة المصالح الاستراتيجية الكبرى والسيطرة التكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يسعى لتأمينها في المنطقة.
انتقل التحليل إلى الجانب البراجماتي في سياسة ترامب، حيث أشار الدكتور عبد الرحيم إلى أن ترامب يتبنى منطق "المقايضة" الصريح؛ فهو يطالب حلفاءه في المنطقة بدفع "فواتير الحرب" علناً مقابل الحماية. ولا تتوقف هذه الفواتير عند الدعم المالي فقط، بل تمتد لتشمل الانخراط الكامل في "المشروع الإبراهيمي" وإعادة هيكلة المنطقة سياسياً واجتماعياً لتذويب الهوية الوطنية العربية لصالح كيان إقليمي تقوده إسرائيل اقتصادياً وتكنولوجياً. هذا المخطط، بحسب الضيف، يهدف إلى السيطرة على مقدرات المنطقة وتحويلها إلى سوق استهلاكية ومنصة لوجستية تخدم الاقتصاد الأمريكي، مع ضمان بقاء القوة العربية مشتتة وخاضعة لمنطق التبعية الأمنية لواشنطن وتل أبيب.
مصر: "المهندس الحقيقي" والصخرة التي تتحطم عليها المخططات
أكد الدكتور عبد الرحيم علي أن مصر تظل "الهدف الرئيسي" الدائم لكل المشاريع التوسعية في المنطقة، سواء كانت صهيونية أو صفوية أو حتى غربية، وذلك نظراً لثقل جغرافيتها السياسية وتماسك قوتها الشاملة. وأوضح أن المحاولات المستمرة لمحاصرة الدولة المصرية من الجهات الأربع —سواء عبر إثارة القلاقل في السودان جنوباً، أو ليبيا غرباً، أو التضييق المائي عبر سد النهضة، وصولاً إلى خنق قناة السويس ملاحياً— ليست أحداثاً منفصلة، بل هي "حصار استراتيجي" ممنهج يهدف لكسر إرادة القاهرة. ومع ذلك، يرى الضيف أن مصر أثبتت قدرة فائقة على الصمود والعبور فوق هذه الأزمات، محولةً موقعها من "مستهدف" إلى "حائط صد" صلب تتحطم عليه أوهام إعادة رسم الخرائط.
في رؤية نقدية للعلاقات العربية-العربية، شدد الضيف على أن دور مصر تجاوز المفهوم البروتوكولي القديم لـ "الأخ الأكبر" ليصبح دور "المهندس الحقيقي" للأمن القومي العربي في لحظة فارقة. فمصر هي التي تمتلك الرؤية والقدرة الميدانية لإحباط أخطر مخططات العصر الحالي، وعلى رأسها "التهجير القسري" وتصفية القضية الفلسطينية، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع مشروع "الشرق الأوسط الكبير". واختتم الدكتور رؤيته بدعوة صريحة ومصيرية للدول العربية، وخاصة دول الخليج، لضرورة الالتفاف حول نموذج "الدولة الوطنية" الذي تقوده مصر، محذراً من أن الركون إلى "الرخاء الاقتصادي المنفرد" دون حماية قوة عسكرية وسياسية صلبة هو وهم سيتلاشى أمام "القوة الغاشمة" القادمة، مما يجعل التنسيق مع القاهرة ضرورة وجودية لا مجرد خيار دبلوماسي.
الخلاصة:
في نهاية المطاف، يبرز هذا التحليل كجرس إنذار أخير للأمة العربية، مؤكداً أن الرهان على "اللحظات المنفردة" أو الرخاء الاقتصادي بمعزل عن القوة العسكرية والسياسية الصلبة هو رهان خاسر في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء. إن خلاص المنطقة، كما رسمه الدكتور عبد الرحيم علي، يبدأ من العودة إلى مفهوم "المصير المشترك" والالتفاف حول القيادة المصرية بوصفها المهندس الحقيقي للأمن القومي العربي. فالمعركة اليوم ليست على حدود جغرافية فحسب، بل هي معركة وجود تستهدف تذويب الهوية الوطنية لصالح مشاريع إقليمية دخيلة، مما يجعل من الوعي الشعبي والاصطفاف خلف "الدولة الوطنية" السلاح الأقوى في مواجهة عواصف الشرق الأوسط الجديد.
