في اليوم الـ33 للحرب: إصابات في تل أبيب واستهداف لمنشآت الطاقة في الكويت وقطر
الأربعاء 01/أبريل/2026 - 10:23 ص
طباعة
حسام الحداد
يدخل الصراع الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران أسبوعه الخامس وسط مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، حيث تتأرجح المنطقة بين مطرقة التصعيد العسكري غير المسبوق وسندان الرهانات السياسية المتغيرة. ومع بلوغ المواجهة يومها الثالث والثلاثين، أحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خضة في الأوساط الدبلوماسية بتلميحاته حول "انسحاب وشيك" لقواته، مستنداً إلى تقارير تفيد بتحقيق الهدف الإستراتيجي المتمثل في شل البرنامج النووي الإيراني. إلا أن هذه التصريحات تأتي في وقت لم تهدأ فيه آلة الحرب؛ فالضربات الجوية التي تستهدف قلب طهران يقابلها انهمار للصواريخ الباليستية على العمق الإسرائيلي، ما يجعل من حديث "الانسحاب" مقامرة إستراتيجية في ظل ميدان مشتعل لا يزال بعيداً عن الاستقرار.
وعلى وقع أصوات الانفجارات التي وصلت أصداؤها إلى منشآت الطاقة في الخليج العربي، يبدو أن الصراع قد تجاوز حدود المواجهة المباشرة ليتحول إلى "حرب إقليمية شاملة" تدار عبر جبهات متعددة. وبينما يعاني الاقتصاد العالمي من قفزات جنونية في أسعار النفط، وتواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية هائلة لإنهاء النزاع، تبرز إيران كطرف "مرن" لا يزال قادراً على المناورة، سواء عبر التهديد بحرب سيبرانية تستهدف عمالقة التكنولوجيا أو من خلال تحريك أدواتها الإقليمية في اليمن ولبنان. هذه المعطيات المتضاربة تضع العالم في حالة ترقب قصوى لخطاب ترامب المرتقب، والذي سيمثل لحظة الحقيقة لإيضاح ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو تسوية كبرى أم سينزلق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
ترامب و"خط النهاية": انسحاب مشروط بالنتائج
في مؤتمر صحفي اتسم بنبرة "النصر المنجز"، رسم الرئيس دونالد ترامب ملامح المرحلة القادمة معلناً أن القوات الأمريكية قد تبدأ مغادرة المنطقة في غضون "أسبوعين أو ثلاثة أسابيع". واستند ترامب في هذا الجدول الزمني المتسارع إلى تقديرات استخباراتية تفيد بأن العملية العسكرية، التي تقودها واشنطن، قد استنفدت أهدافها الرئيسية بتدمير الجزء الأكبر من البنية التحتية النووية الإيرانية. وبحسب تقرير مطول لـ رويترز، يبدو أن ترامب يتبنى إستراتيجية "الانسحاب أحادي الجانب"؛ حيث يرى أن طهران لم تعد تملك أوراقاً تفرض بها "صفقة" معينة، طالما أن قدرتها التقنية على تخصيب اليورانيوم وصناعة السلاح النووي قد شُلت لسنوات طويلة قادمة، مما يجعل البقاء العسكري المكثف عبئاً لا مبرر له من وجهة نظره.
من جانبه، عزز وزير الخارجية ماركو روبيو هذا التوجه بتصريح لافت أشار فيه إلى أن "خط النهاية بات مرئياً"، ملمحاً إلى فتح قنوات اتصال دبلوماسية قد تفضي إلى اجتماع مباشر مع مسؤولين إيرانيين لترتيبات "ما بعد الحرب". هذا التحول الجذري في الموقف الأمريكي لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي المتأزم؛ حيث نقلت رويترز عن استطلاعات رأي حديثة أن ثلثي الشارع الأمريكي يضغط باتجاه إنهاء الصراع فوراً، وذلك بعد أن وصلت أسعار الغالون الواحد من الوقود إلى مستويات قياسية تجاوزت الـ 4 دولارات. ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تحاول الموازنة بين تحقيق "ردع إستراتيجي" في الشرق الأوسط وبين حماية الاستقرار الداخلي من تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة التي بدأت تهدد الشعبية السياسية للحزب الجمهوري قبيل الاستحقاقات القادمة.
ميدانياً: صواريخ على تل أبيب ومسيرات في الخليج
على النقيض تماماً من أجواء التهدئة التي لاحت في أروقة السياسة، شهدت الميادين العسكرية تصعيداً هو الأعنف منذ بدء النزاع؛ حيث نفذ سلاح الجو الإسرائيلي "موجة ضربات واسعة النطاق" استهدفت القلب النابض للنظام الإيراني، مركزةً على المجمعات الصناعية العسكرية ومنشآت البنية التحتية في طهران لتقويض قدرات الردع المتبقية. وفي رد فعل مزلزل، أفادت شبكة بي بي سي بسقوط وابل من الصواريخ الباليستية الإيرانية على وسط إسرائيل، ما أسفر عن مأساة إنسانية تمثلت في إصابة 11 طفلة بجروح قطعية وخطيرة في مناطق مكتظة مثل "بني براك" وتل أبيب. ولم يقتصر الرد على طهران وحدها، بل تجسدت إستراتيجية "وحدة الساحات" عبر هجوم صاروخي منسق وشامل شنه الحوثيون من اليمن بالتعاون مع حزب الله، مما وضع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية تحت ضغط غير مسبوق في محاولة للتصدي لتهديدات متعددة الجبهات في آن واحد.
لم تكن مياه الخليج العربي بمنأى عن هذا اللهيب، إذ اتسعت رقعة "حرب الطاقة" لتشمل أهدافاً حيوية هددت أمن الملاحة وإمدادات الوقود العالمية. ووفقاً لما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، فقد استهدفت طائرات مسيرة إيرانية انتحارية خزانات الوقود الإستراتيجية في مطار الكويت الدولي، مما تسبب في انفجارات ضخمة وسحب دخان غطت سماء المنطقة، في رسالة واضحة حول قدرة طهران على شل حركة الطيران المدني. وبالتزامن مع ذلك، تعرضت ناقلة نفط كويتية قبالة السواحل القطرية لإصابة مباشرة بمقذوف بحري، فيما رصدت السلطات في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية سقوط شظايا ناتجة عن عمليات اعتراض لتهديدات جوية فوق مناطق مأهولة، مما يعكس تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة تهدد بتعطيل شريان الاقتصاد العالمي بشكل دائم.
الأثمان الباهظة: فاتورة إنسانية واقتصادية
رسمت التقارير الدولية صورة مأساوية للتبعات الإنسانية الناتجة عن عملية "الغضب الملحمي" التي انطلقت شرارتها في 28 فبراير الماضي؛ حيث كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أرقام صادمة للضحايا، مؤكدة مقتل أكثر من 1598 مدنياً إيرانياً، بينهم 244 طفلاً، إضافة إلى 1260 قتيلاً في لبنان، مع تسجيل موجات نزوح مليونية هرباً من القصف الجوي المكثف. ورغم هذا الثمن البشري الباهظ والدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، خلص تحليل الصحيفة إلى أن الأهداف السياسية الكبرى لإدارة ترامب، وعلى رأسها "تغيير النظام الإيراني"، لم تتحقق بشكل ملموس على أرض الواقع؛ إذ لا تزال طهران تُبدي تماسكاً مؤسسياً، والأخطر من ذلك أنها لا تزال تحتفظ بمخزون من اليورانيوم المخصب يكفي لإنتاج ما بين 10 إلى 12 قنبلة نووية، مما يضع فعالية العملية العسكرية في مواجهة طموحات إيران النووية محل تساؤل كبير.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسببت الحرب في هزات ارتدادية عنيفة ضربت الأسواق العالمية وتسببت في اضطراب سلاسل التوريد. وأشارت شبكة بي بي سي في تقريرها المالي إلى أن أسعار خام برنت قفزت لتتجاوز حاجز الـ100 دولار للبرميل، مسجلة زيادة حادة بلغت 39% منذ اليوم الأول لاندلاع العمليات العسكرية. هذا الارتفاع الجنوني لم يؤثر فقط على ميزانيات الدول المستوردة، بل وضع الاقتصاد العالمي برُمته "في مهب الريح"، خاصة مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن البحري. وتؤكد التقارير أن استمرار هذا النزيف الاقتصادي بات يشكل ضغطاً دولياً متزايداً على واشنطن وتل أبيب لإنهاء الصراع، خوفاً من انزلاق القوى الكبرى نحو ركود تضخمي قد يستغرق سنوات للتعافي منه.
الموقف الإيراني: تهديد بـ "حرب تكنولوجية"
في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة المواجهات، قدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خطاباً مزدوجاً يوازن بين الرغبة في التهدئة والتمسك بالسيادة؛ حيث أعرب عن وجود "إرادة حقيقية" لدى طهران لإنهاء الأعمال القتالية ووقف نزيف الحرب، إلا أنه ربط هذا المسار بضرورة الحصول على "ضمانات دولية" ملزمة وقاطعة تضمن عدم تكرار مثل هذا العدوان على الأراضي الإيرانية مستقبلاً. وبحسب التقارير الواردة من بي بي سي ، فإن طهران تحاول من خلال هذا الموقف إلقاء الكرة في ملعب المجتمع الدولي، مطالبةً باعتراف صريح بحقها في الأمن، مع التأكيد على أن أي انسحاب أمريكي يجب أن يتبعه إطار قانوني يمنع عودة "سياسة الضغوط القصوى" العسكرية التي انتهجتها إدارة ترامب خلال الأسابيع الخمسة الماضية.
على المقلب الآخر، تبنى الحرس الثوري الإيراني لهجة أكثر راديكالية، مهدداً بنقل المعركة إلى أبعاد تكنولوجية واقتصادية غير مسبوقة؛ حيث أعلن صراحةً عن نية استهداف مصالح كبرى الشركات الأمريكية العابرة للقارات، مثل (أبل، جوجل، مايكروسوفت، تسلا، وبوينغ)، في إشارة إلى احتمالية شن هجمات سيبرانية واسعة النطاق أو استهداف مصالح هذه الشركات في المنطقة ابتداءً من مساء اليوم. وبالتوازي مع هذه التهديدات التقنية، لوحت طهران بسلاح "الجغرافيا السياسية" عبر إعلان نيتها فرض رسوم عبور باهظة على السفن المارة في مضيق هرمز، مع تشديد الحرس الثوري على أن إعادة فتح الممر الملاحي الأهم عالمياً لن تكون "لصالح الأمريكيين" أو بالمجان، وهو ما يمثل تحدياً مباشراً للملاحة الدولية وضغطاً إستراتيجياً يهدف إلى خنق الإمدادات اللوجستية للقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
الرؤية التاريخية والتحليلية
تضع موسوعة بريتانيكا الحرب الراهنة في سياق تاريخي أوسع، واصفة إياها بالنتيجة الحتمية لسنوات من "الفشل الدبلوماسي" في احتواء الملف النووي الإيراني. وتوضح الموسوعة أن ما بدأ كعملية جراحية استهدفت المنشآت النووية سرعان ما انزلق إلى "تصعيد أفقي" مدمر، حيث نجحت طهران في تحريك أوراقها الإقليمية عبر الوكلاء في اليمن ولبنان، مما حول النزاع من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية شاملة عجزت الجغرافيا عن كبح جماحها. وفي قراءة تحليلية نشرتها جامعة أستراليا الغربية (UWA) اليوم، يرى الخبراء أن إيران أظهرت "مرونة إستراتيجية" فاقت توقعات البيت الأبيض؛ فرغم كثافة النيران الأمريكية، استطاعت المنظومة الإيرانية الحفاظ على قدر معين من القيادة والسيطرة، وهو ما يجعل من المسار الدبلوماسي -في نظر المحللين- المخرج الوحيد لتفادي الانزلاق نحو "حرب استنزاف" طويلة الأمد قد تستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية للقوى المنخرطة فيها لسنوات.
بينما تحبس العواصم العالمية أنفاسها، تتجه الأنظار صوب واشنطن حيث من المقرر أن يلقي الرئيس ترامب خطاباً موجهاً للأمة في تمام التاسعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. ويقف العالم اليوم أمام تساؤلات وجودية حول ماهية "تحديثه المهم"؛ فهل يمتلك ترامب الشجاعة السياسية للإيفاء بوعده بـ "الانسحاب القريب" وإعلان انتهاء العمليات الكبرى بناءً على ما تحقق من تدمير نووي، أم أن التصعيد الإيراني الأخير في الخليج وإصابات المدنيين في إسرائيل سيفرضان واقعاً جديداً يجهض طموحات التهدئة؟ الساعات القادمة لن تحدد فقط مصير الوجود الأمريكي في إيران، بل ستؤصل لقواعد اشتباك جديدة في الشرق الأوسط، وسط ترقب لما إذا كان الخطاب سيعلن "نهاية الحرب" أم سيفتح الباب أمام مرحلة أكثر ضراوة من المواجهة المفتوحة.
