جبهة طهران الثانية: كيف حول اغتيال خامنئي لبنان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح؟

الأربعاء 01/أبريل/2026 - 09:43 ص
طباعة جبهة طهران الثانية: حسام الحداد
 
يستيقظ الشرق الأوسط في الأول من أبريل 2026 على وقع طبول حرب إقليمية لم تهدأ حدتها منذ شهر كامل، حيث دخل الصراع الإسرائيلي مع حزب الله منعطفاً هو الأكثر خطورة منذ سنوات. وبينما كان العالم يأمل في استعادة الهدوء الذي ساد عقب اتفاق نوفمبر 2024، جاء اغتيال المرشد الأعلى الإيراني في نهاية فبراير الماضي ليفجر صواعق "الجبهة الثانية" في لبنان، محولاً ضواحي بيروت والجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى. الضربات الجوية التي استهدفت "الجناح" و"خلدة" صباح اليوم ليست مجرد عمليات عسكرية روتينية، بل هي رسائل مشفرة بالدم تؤكد إصرار تل أبيب على المضي قدماً في استراتيجية "جز العشب" واستهداف الهياكل القيادية للحزب، في ظل صمت دولي مشوب بالقلق وعجز دبلوماسي عن لجم فتيل الانفجار.
على الصعيد الميداني، يبدو أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يكتفي بالردع الجوي، بل انتقل إلى مرحلة "الترسيخ المكاني" عبر توغله البري المستمر منذ منتصف مارس، ساعياً لفرض واقع جيو-عسكري جديد شمال نهر الليطاني. هذا التصعيد الذي تسميه إسرائيل "منطقة أمنية" وتصفه بيروت بـ "الغزو غير الشرعي"، وضع أكثر من مليون نازح لبناني في مهب الريح، وسط دمار واسع لحق بالبنية التحتية وأحياء بأكملها. ومع دخول الحرب شهرها الثاني، تتقاطع تحليلات الصحف العالمية عند نقطة واحدة: المنطقة تنزلق نحو احتلال طويل الأمد ومواجهة استنزافية قد لا تقتصر حدودها على تلال الجنوب اللبناني، بل قد تمتد شظاياها لتطال أمن الإقليم بأكمله.

السياق العام للحرب: من وقف إطلاق النار إلى التصعيد الإقليمي
بدأت الحرب الحالية في لبنان يوم 2 مارس 2026، بعد أن أطلق حزب الله صواريخاً وطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل كرد فعل "تضامني" و"انتقامي" مباشر على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت طهران يوم 28 فبراير 2026. جاء هذا الرد بعد أكثر من عام من وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024 بين إسرائيل وحزب الله، والذي كان قد أنهى جولة سابقة من القتال الذي اندلع في أكتوبر 2023. وأكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في بيان رسمي أن العملية "دفاعية" و"واجب أخلاقي" تجاه إيران، حليفة الجماعة، بعد أن أدى اغتيال خامنئي إلى صدمة إقليمية واسعة. 
ردت إسرائيل فوراً بغارات جوية مكثفة على أهداف لحزب الله في بيروت وجنوب لبنان والبقاع، ثم تصاعدت العمليات يوم 16 مارس 2026 بدخول قوات برية إسرائيلية إلى جنوب لبنان بهدف إقامة "منطقة أمنية" شمال نهر الليطاني. ووفقاً لتقارير يورونيوز ورويترز المنشورة في الأسابيع الأولى من الحرب، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم البري يهدف إلى تدمير البنية التحتية العسكرية لحزب الله ومنع تكرار الهجمات على شمال إسرائيل، فيما وصفت بيروت العملية بـ"الغزو غير الشرعي". واستمرت الغارات الجوية الإسرائيلية بشكل يومي، مستهدفة قادة ومستودعات أسلحة، وسط تحذيرات متكررة للسكان بالإخلاء من مناطق الحدود. 
أسفرت الحرب حتى اليوم الأول من أبريل 2026 عن مقتل 1247 شخصاً على الأقل في لبنان (بين مدنيين ومقاتلين من حزب الله)، وإصابة نحو 3680 آخرين، ونزوح أكثر من مليون شخص، أي أكثر من خمس سكان البلاد، معظمهم من الشيعة. وبحسب الإحصاءات الرسمية الموثقة في ويكيبيديا وتقارير وزارة الصحة اللبنانية المنقولة عبر يورونيوز، أدى التصعيد إلى تدمير واسع للبنية التحتية في الجنوب وأحياء بيروت الجنوبية، وأثار مخاوف دولية من تحول لبنان إلى "جبهة ثانية" مفتوحة في الحرب الإقليمية الأوسع مع إيران، دون أي مؤشرات واضحة على وقف إطلاق نار قريب. 

تحليلات الصحف الأجنبية: "منطقة أمنية دائمة" و"مأزق عسكري"
ركزت الصحف الأجنبية اليوم على التصريحات الإسرائيلية الرسمية بشأن الاحتلال المستمر لجنوب لبنان. نقلت يورونيوز عن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز قوله إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "منطقة أمنية" تمتد حتى نهر الليطاني حتى بعد انتهاء الحرب، وسيمنع عودة مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين إلى منازلهم حتى يضمن أمن شمال إسرائيل. كما أشار إلى تدمير المنازل على الحدود "لإزالة التهديد". ووصفت يورونيوز هذا بـ"وعد بالاحتلال"، مشيرة إلى أنه يعيد إلى الأذهان المنطقة الأمنية الإسرائيلية السابقة في جنوب لبنان (1982-2000). 
أما صحيفة تايمز أوف إسرائيل (التي تُعتبر مصدراً أجنبياً في السياق الدولي)، فقد تحدثت عن "عودة إسرائيل إلى الوحل اللبناني" رغماً عنها، مشيرة إلى أن حزب الله "أعاد بناء قدراته" رغم وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتباهى بإنشاء "ثلاث مناطق أمنية" في غزة وسوريا ولبنان. 
في تحليل أعمق، أبرزت بعض التقارير (مثل هآرتس ورويترز) أن الجيش الإسرائيلي "ممتد إلى أقصى حدوده" ويواجه "مأزقاً مميتاً مألوفاً" في لبنان، مع خسائر في صفوف الجنود واستمرار الاشتباكات البرية في الجنوب. كما أشارت يورونيوز إلى إدانة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لـ"الغزو غير الشرعي" الإسرائيلي، ومقتل 3 جنود حفظ سلام في جنوب لبنان (مع اتهامات متبادلة). 

رد حزب الله والوضع الميداني
أعلن حزب الله اللبناني، في بيانات رسمية متتالية اليوم الأربعاء 1 أبريل 2026، تنفيذ عشرات العمليات العسكرية ضد مواقع إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة، ردًا على الغارات الجوية والتقدم البري الإسرائيلي في جنوب لبنان. وفقاً لما نقلته يورونيو  عن مصادر ميدانية في الجنوب، أطلق الحزب أكثر من 40 صاروخاً من طراز "كاتيوشا" و"فجر" باتجاه مستوطنات كريات شمونة ونهاريا وصفد، مما أدى إلى إصابة مباشرة لعدة مواقع عسكرية إسرائيلية وإطلاق صفارات الإنذار في الجليل الأعلى. وأكد نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن هذه العمليات تأتي ضمن "معركة الدفاع المستمرة" حتى وقف العدوان الإسرائيلي الكامل وانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
استمر القتال البري العنيف في جنوب لبنان لليوم الـ17 على التوالي، حيث تقدمت وحدات من الجيش الإسرائيلي باتجاه نهر الليطاني في محاور عدة، أبرزها قرى الخيام وكفر كلا ومارون الراس. وأفادت يورونيوز بأن الاشتباكات اليوم شملت مواجهات مباشرة بين مقاتلي حزب الله وقوات الاحتلال المتقدمة، مع استخدام الحزب لصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيّرة هجومية أدت إلى تدمير دبابة ميركافا وإصابة ناقلة جند إسرائيلية. وأعلن الجيش الإسرائيلي من جهته عن "سيطرة تكتيكية" على عدة تلال استراتيجية قرب النهر، لكنه اعترف بوقوع إصابات في صفوفه دون الكشف عن أعدادها الدقيقة.
أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة عبر المنشورات والرسائل الهاتفية للسكان في قرى جنوب الليطاني، مطالبًا إياهم بالإخلاء الفوري "لأسباب أمنية"، وسط مخاوف من توسع العمليات البرية. وبحسب تقارير يورونيوز الميدانية، أدى هذا التصعيد إلى نزوح مئات العائلات الإضافية نحو البقاع وبيروت، فيما أكد حزب الله أنه "لن يسمح باحتلال دائم" وسيستمر في استهداف القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية حتى تحقيق الانسحاب الكامل. ويبدو أن الوضع الميداني يتجه نحو حرب استنزاف طويلة، مع عدم وجود مؤشرات فورية على تهدئة ميدانية.

الخاتمة 
ختاماً، يشير المشهد الميداني والسياسي في الأول من أبريل إلى أن لبنان بات رهينة "معادلة استنزاف" مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تتصادم الرغبة الإسرائيلية في إنشاء حزام أمني دائم مع استراتيجية حزب الله في خوض "حرب أنفاق وعصابات" طويلة الأمد. وبينما تتباهى تل أبيب بإنشاء مناطق أمنية عابرة للحدود، تزداد التحذيرات الدولية من غرق الجيش الإسرائيلي في "الوحل اللبناني" مجدداً، وهو مأزق تاريخي قد يعيد إنتاج سنوات الاحتلال المريرة. ومع غياب أي أفق لحل دبلوماسي حقيقي وموت لغة الحوار تحت وطأة الصواريخ، يظل المواطن اللبناني هو الحلقة الأضعف في صراع تحول من "دعم غزة" إلى "ثأر لطهران"، مما ينذر بصيف ساخن قد يغير وجه الخريطة السياسية للشرق الأوسط لسنوات قادمة.

شارك