حروب الظل والعلانية.. كيف أعادت "أصفهان" رسم خارطة الإسلام السياسي في المنطقة؟
الأربعاء 01/أبريل/2026 - 11:48 ص
طباعة
حسام الحداد
دخلت المواجهة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران منعطفاً استراتيجياً حرجاً مع إتمامها اليوم الرابع والثلاثين، حيث باتت العواصم العربية تعيش حالة من "الترقب القلق" جراء التناقض الجذري بين لغة الدبلوماسية والواقع الميداني.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتسويق رواية "النهاية الوشيكة" عبر وعود بانسحاب قريب ورفع المسؤولية عن كاهل واشنطن في تأمين الممرات المائية، لا تزال ألسنة اللهب في طهران وأصفهان ترسم مشهداً مغايراً تماماً؛ مشهدٌ تغذيه غارات جوية لا تتوقف وصواريخ باليستية تعبر الحدود، مما يضع المنطقة أمام معضلة حقيقية بين خطاب سياسي يميل للتهدئة الانتخابية وواقع عسكري يتدحرج نحو حرب استنزاف إقليمية شاملة.
هذه الحرب لم تعد مجرد صدام عسكري تقليدي بين دول، بل تحولت إلى مختبر لأيديولوجيات متصارعة، حيث أعادت واشنطن تعريف خصمها من منظور "الإسلاموية الراديكالية" لدمج النظام الإيراني وأذرعه في "محور المقاومة" ضمن قائمة التهديدات الوجودية العالمية.
ومع دخول الصراع شهره الثاني، لم يعد الرهان محصوراً في تفكيك القدرات النووية أو الصاروخية فحسب، بل امتد ليشمل محاولة كسر "معادلة الردع" التي صاغتها طهران عبر عقود، وسط ضغوط اقتصادية هائلة بدأت تضرب أسواق التأمين البحري وتنذر بشلل تام في أهم ممرات الطاقة العالمية، مما يجعل من كل طلقة في سماء "جزيرة خارق" أو "مضيق هرمز" صدمة ترتد آثارها على استقرار الاقتصاد العالمي برمته.
ترامب يلوّح بالانسحاب وهيجسيث يؤمن بـ "التفاوض بالقنابل"
تصدرت المشهد السياسي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي اتسمت بنبرة استعراضية مألوفة، حيث رصدت منصة "سكاي نيوز" تلويحه للمرة الثالثة عشرة منذ اندلاع الشرارة الأولى في فبراير الماضي بأن الحرب ستنتهي "قريباً جداً". ترامب، الذي يبدو مستعجلاً لطي صفحة المواجهة، وجه رسالة حادة ومباشرة إلى الحلفاء في القارة الأوروبية، واضعاً إياهم أمام مسؤولياتهم الأمنية حين قال: "من أراد تأمين عبور سفنه في مضيق هرمز فليفعل ذلك بنفسه"، في إشارة واضحة لرغبته في خفض الكلفة العسكرية والسياسية، مؤكداً أن القوات الأمريكية قد تبدأ بمغادرة الأراضي الإيرانية في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
في المقابل، وفي تباين صارخ مع لغة التهدئة الرئاسية، نقلت صحيفة "الوطن" عن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، تصريحات عكست عقيدة عسكرية أكثر تشدداً وميلاً للحسم الميداني. وصف هيجسيث الأيام القليلة المقبلة بأنها "لحظات حاسمة" في تاريخ الصراع، مشدداً على أن واشنطن لن تتراجع قبل تحقيق أهدافها الاستراتيجية كاملة. وقد لخص الوزير هذه المرحلة بمصطلح "التفاوض بالقنابل"، وهي السياسة التي تعتمد على تكثيف الضغط العسكري الجوي لدفع طهران نحو طاولة المفاوضات وهي في أضعف حالاتها، مما يمنح الولايات المتحدة القدرة على إملاء شروطها السياسية من موقع القوة المطلقة.
هذا الانقسام في الخطاب بين البيت الأبيض والبنتاغون يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول وحدة القرار الاستراتيجي في واشنطن. ووفقاً لتقارير إعلامية، يعكس هذا التباين "فجوة عميقة" في الرؤى؛ فبينما يبحث ترامب عن انتصار دعائي سريع ينهي الانخراط العسكري، يتمسك قادة الجيش بضرورة تدمير البنية التحتية العسكرية لإيران بالكامل. هذا التضارب وصفه المبعوث الأمريكي السابق روبرت مالي بأنه حالة من "الإحباط العملياتي"، معتبراً أن الإدارة الأمريكية تعاني من "تغيير الأهداف بشكل يومي"، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع بدلاً من إنهائه كما يأمل ترامب.
تضع هذه المعطيات المتداخلة المنطقة أمام سيناريوهين أحلاهما مر؛ فإما أن ينجح ترامب في فرض إرادته السياسية والانسحاب "المبكر" الذي قد يخلف فراغاً أمنياً
هائلاً، أو أن تمضي رؤية هيجسيث نحو مزيد من التصعيد الجوي والبري المحدود. وبحسب المراقبين، فإن المهلة التي حددها ترامب بـ "ثلاثة أسابيع" ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة مؤسسات صنع القرار في أمريكا على التوفيق بين رغبة الرئيس في "الخروج العظيم" وبين طموحات الجنرالات في كسر "معادلة الردع الإيرانية"، وسط مخاوف دولية من أن يؤدي هذا التخبط إلى انفجار شامل يخرج عن السيطرة في أهم ممرات الطاقة العالمية.
الميدان المشتعل.. غارات على طهران وردود من "المحور"
على الصعيد الميداني، ترسم التقارير الواردة من قلب الحدث صورة قاتمة تتناقض مع لغة التهدئة السياسية، حيث أفادت صحيفة "الشرق الأوسط" بتصاعد وتيرة "الجحيم الجوي" عبر غارات أمريكية-إسرائيلية مكثفة استهدفت أحياءً في العاصمة طهران ومنشآت حيوية في مدينة أصفهان، التي تضم ثقلاً عسكرياً ونووياً استراتيجياً. ولم يقتصر الصراع على الجغرافيا الإيرانية، بل امتد ليعبر عن وحدة "محور المقاومة" في مواجهة الضغوط؛ إذ اعترضت الدفاعات الإسرائيلية صاروخاً باليستياً بعيد المدى أُطلق من اليمن بتوقيع جماعة "أنصار الله"، بالتزامن مع مواجهات شرسة على الجبهة الشمالية مع حزب الله اللبناني، الذي يعيش حالة من الاستنفار القصوى بعد سلسلة عمليات اغتيال دقيقة استهدفت نخبة من قيادييه الميدانيين، مما يعكس إصراراً إسرائيلياً على تفكيك حلقات الوصل بين طهران وأذرعها الإقليمية تزامناً مع القصف المركز للداخل الإيراني.
في خضم هذا التصعيد، برزت تساؤلات جوهرية حول سقف العمليات العسكرية، حيث تناولت صحيفة "المصري اليوم" في تقريرها التحليلي "هل تنتهي الحرب قريباً؟" وجود تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تسعى لفرض واقع ميداني جديد يمهد لوقف إطلاق النار قبل حلول السادس من أبريل الجاري. ومع ذلك، فإن هذه الطموحات الدبلوماسية تصطدم بـ "خطوط حمراء" إيرانية شديدة الحساسية، أبرزها التحذيرات الصارمة التي أطلقتها طهران من مغبة أي اقتراب أمريكي، ولو كان استطلاعياً، من "جزيرة خارق" الاستراتيجية، التي تشكل شريان الحياة لتصدير النفط الإيراني. هذا التهديد الإيراني بـ "معادلة استراتيجية جديدة" يضع أي مبادرة للتهدئة على المحك، ويجعل من "جزيرة خارق" صاعق تفجير محتمل قد يقلب الطاولة على رغبات ترامب في الانسحاب، ويحول الصراع إلى حرب تكسير عظام اقتصادية تطال إمدادات الطاقة العالمية.
الإسلام السياسي في عين العاصفة.. "إرهاب" أم "مقاومة"؟
ارتبطت تغطية الحرب في الصحافة العربية بجماعات الإسلام السياسي ارتباطاً وثيقاً، حيث لم تُعد المعركة عسكرية فحسب، بل صراعاً أيديولوجياً بامتياز. ووفقاً لتحليلات صحيفة "الشرق الأوسط"، فإن الإدارة الأمريكية، مدفوعة برؤية وزير دفاعها "بيت هيجسيث"، باتت تصنف النظام الإيراني كجزء من مظلة "الإسلاموية الراديكالية" العابرة للحدود. وتذهب هذه الرؤية إلى دمج إيران وأذرعها ضمن قائمة التهديدات الوجودية التي تضم تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، في محاولة لشرعنة الحرب دولياً ووصفها بأنها معركة ضد "إرهاب أيديولوجي" لا يكتفي بالحدود الجغرافية، بل يمتد ليهدد القيم الغربية والمصالح الحيوية في المنطقة، وهو ما يعزز من قبضة التيار اليميني في واشنطن الساعي لتغيير طبيعة النظام لا سلوكه فقط.
على مستوى الفواعل غير الدولتية، سلطت منصة "سكاي نيوز" الضوء على الدور المحوري لحزب الله وجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) بوصفهم الأذرع الضاربة لإيران ضمن ما يعرف بـ "محور الجهاد والمقاومة". وأبرزت التغطية كيف تحولت هذه الجماعات إلى أطراف مباشرة في الصراع عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات نحو العمق الإسرائيلي والسفن الأمريكية، وهو ما دفع واشنطن لتكثيف ضغوطها الدبلوماسية لتصنيف الحرس الثوري وحزب الله كـ "منظمات إرهابية عالمية" بآليات عقابية أكثر صرامة. هذا الانخراط الميداني للأذرع الإقليمية صوّر الحرب كحرب إقليمية شاملة، حيث يُنظر لهذه الجماعات كأدوات استراتيجية في يد طهران لإرباك الحسابات الأمريكية وتوسيع رقعة الاستنزاف خارج الأراضي الإيرانية.
في المقابل، لُوحظ خفوت واضح في حضور جماعة الإخوان المسلمين ضمن صياغات التغطية الصحفية لهذا اليوم، حيث بقيت مساحتها محدودة وهامشية مقارنة بـ "الإسلام الشيعي المسلح". ورصدت صحيفة "المصري اليوم" في تقارير جانبية حالة من التخبط أو "فرار عناصر" مرتبطة تاريخياً بالفكر الإخواني في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع، مع الإشارة إلى روابط أيديولوجية قديمة لم تعد تشكل ثقلاً في ميزان القوى الحالي. وتعكس هذه التغطية المحدودة تحولاً في المشهد العربي؛ إذ لم يعد "الإخوان" فاعلاً رئيسياً في معادلة المواجهة المسلحة المباشرة، بقدر ما أصبح التركيز منصباً على الجماعات التي تمتلك "ترسانات صاروخية" وقدرة على تهديد الملاحة الدولية، مما حصر صراع "الإسلام السياسي" في هذه المرحلة بين مطرقة الاستهداف الأمريكي وسندان الولاء المطلق للمشروع الإيراني.
اقتصاد الحرب.. رعب في سوق التأمين ومضيق هرمز
لم تكن نيران الحرب محصورة في الجبهات العسكرية فحسب، بل امتدت شظاياها لتضرب مفاصل الاقتصاد العالمي، حيث حذرت التقارير الاقتصادية الصادرة اليوم من "حالة رعب" تجتاح سوق إعادة التأمين العالمي. ومع تزايد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، الشريان التاجي لإمدادات الطاقة الدولية، ارتفعت بوليصات التأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، مما هدد بتوقف سلاسل الإمداد.
وتناولت الصحف المصرية هذا الملف ببالغ الخطورة، مشيرة إلى أن أي محاولة لغزو بري أمريكي—حتى وإن كانت محدودة الخطر والمدى—ستدفع طهران لتنفيذ تهديداتها بـ"تصفير" الصادرات النفطية من الخليج، مما يعني دخول الملاحة البحرية في حالة شلل تام، وهو سيناريو تصفه مراكز الأبحاث بأنه "انتحار اقتصادي جماعي" ستقفز معه أسعار النفط إلى أرقام فلكية تتجاوز قدرة الدول المستوردة على الاحتمال.
على صعيد آخر، كشفت التحليلات الفنية عن معضلة لوجستية تواجه واشنطن، حيث بدأ الحديث يتصاعد حول نقص حاد في مخزون الصواريخ الأمريكية المتطورة نتيجة معدلات الاستهلاك المرتفعة جداً في الـ34 يوماً الماضية، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على شركات الدفاع لتعويض هذا النقص في وقت قياسي. وفي المقابل، سلطت الصحافة المصرية الضوء على التحدي الميداني الأكبر المتمثل في "مدن الصواريخ" الإيرانية المحصنة في أعماق الجبال وتحت الأرض، والتي صُممت لتكون عصية على الاختراق الجوي التقليدي. هذا "التحصين الاستراتيجي" يعني أن أي حسم عسكري لن يكون متاحاً عبر الجو فقط، بل يتطلب تورطاً برياً مكلفاً، وهو ما يفسر تحذيرات الخبراء من أن استمرار استنزاف الترسانة الأمريكية أمام دفاعات "تحت أرضية" قد يقلب موازين القوى في الأمد المتوسط، ويجعل من تكلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية عبئاً لا يستطيع حتى البيت الأبيض تبريره طويلاً أمام ناخبيه.
الخاتمة
في المحصلة، يظل المشهد في الأول من أبريل 2026 مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تلتقي طموحات ترامب في تحقيق "انتصار دعائي" سريع مع صلابة الميدان الذي تفرضه "مدن الصواريخ" الإيرانية وتحركات الوكلاء الإقليميين. إن حالة الترقب التي تخيم على الصحافة العربية تعكس إدراكاً عميقاً بأننا لسنا بصدد مواجهة عابرة، بل نحن أمام صياغة "معادلة استراتيجية جديدة" قد تنتهي بتسوية مؤجلة تضمن تدفق النفط، أو بانفجار شامل يحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتكسير العظام؛ وبين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز هو "ترمومتر" الصراع، واليقين الوحيد وسط هذا الضباب هو أن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت إلى غير رجعة.
