صناعة "العدو الكوني" لتعويض الفشل الميداني.. داعش نموذجا
السبت 30/مايو/2026 - 08:23 م
طباعة
حسام الحداد
تأتي هذه القراءة النقدية لافتتاحية صحيفة النبأ العدد 549 التي يصدرها تنظيم داعش والمنشورة مساء الخميس 28 مايو 2026، في وقت يمر فيه التنظيم بتحديات وجودية وميدانية متسارعة، حيث تشير التقارير الاستخباراتية والأمنية إلى تراجع ملحوظ في قدرات "داعش" العسكرية وانحسار رقعة نفوذه الجغرافي. في هذا السياق، لم تعد الإصدارات الإعلامية للتنظيم -وعلى رأسها صحيفة "النبأ"- مجرد أدوات لتوجيه الأنصار، بل تحولت إلى محاولات مستميتة للحفاظ على تماسك "الكتلة الصلبة" للتنظيم، عبر إعادة صياغة الواقع الميداني المهزوم في قالب من "الانتصارات الأخلاقية" والمتخيلة التي لا تجد لها صدى على الأرض.
إن تحليل الافتتاحية لا يهدف فقط إلى تفكيك الرسالة الأيديولوجية المباشرة، بل يسعى إلى كشف "الأزمة البنيوية" التي تعتري المطبخ الإعلامي للتنظيم. فمن خلال تتبع الركاكة اللغوية، واضطراب الدلالات، والاعتماد الكثيف على خطاب "المظلومية الاستعلائية"، يتضح أن التنظيم يعيش حالة من "العزلة المعرفية" التي تدفعه لإنتاج خطاب منغلق، يغذي لدى أتباعه شعوراً بالتميز والاصطفاء، بينما يغرق التنظيم نفسه في وحل من الهذيان الخطابي الذي يبتعد به يوماً بعد يوم عن الواقع الجيوسياسي والشرعي المعتدل.
مؤشر على تحول في "مطبخ" النبأ
تُظهر هذه الافتتاحية خللاً جوهرياً في البناء النحوي والتركيبي لا نعتاده في الخطاب الرسمي الذي اعتادت "النبأ" تقديمه. فالنص يعاني من تفكك في الربط المنطقي بين الجمل، وتوظيف مضطرب للمفردات التي تبدو وكأنها أُقحمت قسراً في سياقات لا تستقيم معها. إن التكرار العبثي لمفردات مثل "الشيعة" في مواضع سياقية تحتم استخدام كلمات أخرى (مثل "الشريعة" أو "النهج") يشير إلى حالة من الاضطراب الكتابي، حيث فقد النص تماسكه المنطقي وتحول إلى ركام من الكلمات المشحونة عاطفياً دون أن تمتلك دلالة معرفية مستقرة أو سياقاً فصيحاً يربط فقراتها.
بمقارنة هذا العدد بالأعداد السابقة من "النبأ"، نلحظ بوضوح اختلافاً في "البصمة التحريرية"؛ فبينما كانت افتتاحيات التنظيم السابقة تمتاز بحدة لغوية، وجزالة في الألفاظ، واتباع لنمط سردي حركي محدد يوحي بوجود كاتب أو لجنة تحرير ذات خلفية لغوية معينة، يبدو هذا النص وكأنه نتاج يد مختلفة تماماً. هذا الاختلاف لا يقتصر على الأخطاء الإملائية والنحوية فحسب، بل يمتد إلى "النفس التعبيري"، إذ تبدو هذه الافتتاحية أكثر اقتراباً من لغة "الهذيان الأيديولوجي" منها إلى لغة "البيان الحركي" المنضبط، مما يشي بغياب المراجعة التحريرية الرصينة التي كانت تحكم الإصدارات السابقة.
إن ظاهرة "اغتراب الدلالة" – حيث تفرغ الكلمات من معناها الأصلي وتُحشى بدلالات غامضة – قد لا تكون مجرد نتيجة لضعف المستوى اللغوي، بل ربما تعكس تحولاً في استراتيجية الخطاب الإعلامي للتنظيم. إن تعمد استخدام لغة ملتوية وغير مفهومة في كثير من مواضعها يهدف إلى خلق "غموض مقصود" يوهم القارئ بوجود عمق شرعي أو "أسرار" لا يدركها إلا "الراسخون" في التنظيم. هذا التلاعب يهدف إلى تحويل القارئ من متلقٍّ للنص إلى "مفكك لألغاز" مشوهة، مما يعمق الفجوة بين الأتباع والواقع اللغوي والشرعي السائد، ويدفعهم نحو مزيد من الانعزال الذهني.
إن هذا التدهور اللغوي الصارخ يمكن قراءته كأحد الأعراض الجانبية للأزمات الهيكلية التي يمر بها التنظيم. فغياب "الكاتب النخبة" أو "المحرر المحترف" الذي كان يضفي صبغة من الاحترافية على إصدارات التنظيم قد يكون مؤشراً على استنزاف الكوادر البشرية، أو انتقال عملية صناعة المحتوى إلى عناصر تفتقر للتكوين المعرفي واللغوي الأساسي. هذا الانحدار في الجودة الفنية للافتتاحية يعكس حالة من التخبط الميداني والتنظيمي، حيث يطغى الارتجال على التخطيط، ويصبح الحماس الأيديولوجي الأعمى بديلاً عن القدرة على صياغة خطاب متماسك قادر على التأثير أو الإقناع.
التوظيف الأيديولوجي للركن الخامس
يتعمد كاتب الافتتاحية خلع طابع "العبادة المحضة" عن شعيرة الحج، ليقوم بدلاً من ذلك بعملية "تسييس شعائرية" واسعة. فالحج هنا ليس رحلة للارتقاء الروحي أو التوبة، بل يتحول إلى "منصة أيديولوجية" يتم من خلالها إسقاط الأجندة السياسية للتنظيم. ومن خلال ربط أركان الحج بمفاهيم "الولاء والبراء" بمفهومها الداعشي المتطرف، يُعاد تعريف الانتماء للدين ليصبح مرادفاً للانتماء للتنظيم، حيث يتم استغلال التوقيت الزمني للمناسبة الدينية لفرض رؤية سياسية تحصر "الإيمان" في زاوية ضيقة ترتبط حصراً بطاعة قيادة التنظيم والالتزام بمنهجها القتالي.
في سياق تحريف الدلالات، يتم استبدال معنى "التلبية" (لبيك اللهم لبيك) من النداء التعبدي الموجه لله، إلى "نداء استجابة" لأوامر التنظيم. إن الكاتب يدمج بين تلبية الحجاج لنداء الله، وبين استجابة المقاتلين لنداء "الجهاد" وفق منظور التنظيم، مما يخلق رابطاً ذهنياً لدى القارئ يربط فيه بين قدسية الطقس الديني وضرورة الاستجابة لدعوات القتال. هذا الربط يخدم غرضاً ترويجياً خطيراً، إذ يُضفي على العمليات القتالية والعنف "مشروعية الشعيرة"، مما يجعل المقاتل يشعر بأن اندفاعه نحو المعركة هو امتداد طبيعي للحالة الإيمانية التي يعيشها الحاج في أطهر بقاع الأرض.
تعد الاستعارة الأكثر دلالة في النص هي تحويل "ذبح الأضحية" إلى رمز لـ"انصياع الدم" في ساحات القتال. هنا، يتم استغلال الموقف النفسي والشرعي لذبح الأضحية لتبرير سفك الدماء، حيث يُصور "نحر الأضحية" كأنموذج رمزي للنحر في المعارك. هذا التحريف للمقاصد يحول رمزية "الفداء" والرحمة الكامنة في شعيرة الأضحية إلى "رمزية عنفية" تجعل من القتل فعلاً مقصوداً وضرورياً لنيل الرضا الإلهي، مما يكرس عقيدة العنف كجزء لا يتجزأ من التعبد، ويطبع في ذهن القارئ أن "الدم" هو العملة الوحيدة للتقرب إلى الله.
من خلال هذا التوظيف، ينجح النص في خلق "واقع موازٍ" يتداخل فيه الدين بالسياسة بشكل يصعب فيه على المتلقي الفصل بين العبادة والنشاط الحركي المسلح. إن الكاتب لا يسعى لإفهام القارئ أحكام الحج أو فضائله، بل يسعى لإعادة صياغة وعي القارئ بحيث تصبح "أركان الإسلام" وقوداً لاستمرار التنظيم. وبهذا، تصبح الشعيرة الدينية "رهينة" للأيديولوجيا، حيث يتم استخدام الرموز الإسلامية الكبرى كغلاف شرعي يغطي على الانكسارات الميدانية للتنظيم، ويحول الأزمة التنظيمية إلى حالة من "الابتلاء الديني" الذي يتطلب مزيداً من التضحية بالدم والنفوس.
خطاب "المظلومية الاستعلائية"
يعتمد النص في جوهره على تكريس سردية "المظلومية الاستعلائية"، وهي استراتيجية خطابية مزدوجة الغرض: فهي من جهة تُعلي من شأن التنظيم وتضعه في مقام "حراس الدين" الأوحد والأكثر نقاءً، ومن جهة أخرى تضعه في خانة الضحية المستهدفة من "قوى الشر العالمية". هذا التناقض المقصود يهدف إلى شحن الأتباع عاطفياً، حيث يُقدم التنظيم نفسه كحاملٍ للحق الذي لا يتركه الباطل، مما يعزز الشعور بالتميز الطبقي والأخلاقي لدى أفراده، ويحول الانكسارات الميدانية إلى "ابتلاءات" تزيدهم ثباتاً في تصوراتهم الأيديولوجية.
يلجأ النص إلى تضخيم دور الولايات المتحدة بشكل مبالغ فيه، محولاً إياها إلى "عدو كوني" لا ينام إلا على ملاحقة أفراد التنظيم. إن ربط التنظيم بملاحقة "رجل واحد" في مجاهل إفريقيا ليس مجرد سرد لواقعة، بل هو "صناعة رمزية" تهدف إلى منح التنظيم هالة من الأهمية الجيوسياسية. فالتنظيم هنا يريد أن يوحي لأتباعه وللعالم بأن تأثيره بات يزعزع استقرار القوى العظمى، وأن هذه القوى لا تكرس جهودها إلا لمواجهته، مما يمنحه شعوراً زائفاً بالندية والمكافئة للقوى الدولية، ويخفي في طياته حقيقة التراجع الميداني وضعف القدرات.
تكمن خطورة هذا الخطاب في محاولته تفسير التراجع الميداني بعيداً عن أخطاء التنظيم أو ضعف استراتيجيته. فبدلاً من الاعتراف بانحسار السيطرة أو فقدان النفوذ، يصور النص المعركة وكأنها "صراع وجود" ضد حلف دولي لا يرحم. هذا "العدو المتخيل" يمثل شماعة مثالية لتعليق كافة الإخفاقات عليها؛ فكل خسارة ميدانية تُفسر على أنها "تآمر صليبي"، وكل تراجع يُصور على أنه "ضغط أعداء الله". بهذه الطريقة، يُحجب عن الأتباع أي تقييم موضوعي للواقع، ويُستبدل العقل التحليلي بخطاب تآمري يغذي مشاعر الاضطهاد.
ينتهي النص إلى تكريس "استعلاء أخلاقي" صارخ؛ فالتنظيم يرى نفسه الممثل الوحيد للتوجه الرباني في مقابل "أمريكا الصليبية" التي يصفها بالعداء المطلق للإسلام. هذا الخطاب لا يسعى إلى خلق حوار أو فهم للواقع الدولي، بل يسعى إلى "شيطنة الآخر" بشكل كامل، وتجريده من أي إنسانية أو شرعية. إن هذا الاستعلاء هو ما يمنح المقاتلين "المبرر الأخلاقي" للاستمرار في القتال، إذ يصبح الصراع في نظرهم ليس صراعاً على الأرض أو النفوذ، بل معركة أبدية بين "أهل الإيمان" و"أهل الكفر"، وهو صراع لا يقبل بأي حلول سياسية أو وسائط سلمية.
الانفصال عن الواقع
تُجسد هذه الافتتاحية حالة من "الإنكار الممنهج" التي باتت تطبع خطاب التنظيم؛ فبينما تشير التقارير الميدانية والمؤشرات الأمنية إلى حالة من الانكفاء، التشرذم، وفقدان السيطرة على المناطق الجغرافية، يصر النص على تصوير التنظيم كقوة صاعدة تمتلك زمام المبادرة. إن الحديث عن "انتصارات" و"توجّه رباني" في ظل تراجع القدرات العسكرية هو محاولة لتعويض الفراغ الميداني بملئه بانتصارات بلاغية. هذا الانفصال يهدف إلى الحفاظ على "معنويات الأتباع" عبر إيهامهم بأن التنظيم لا يزال في موقع القوة، وأن الهزائم على الأرض هي مجرد تفاصيل عابرة لا تمس بجوهر "مشروعهم الإلهي".
يُعد استخدام مصطلحات مثل "الأمة السعودية" في النص تحولاً نوعياً في بنك أهداف التنظيم الخطابية. لم يعد العداء مقتصرًا على "العدو البعيد" (أمريكا والغرب)، بل انتقل بحدة نحو الداخل الإسلامي، وتحديداً نحو الفاعلين الإقليميين المؤثرين. إن تخصيص هذا الخطاب بالهجوم على الرياض يخدم غرضاً أيديولوجياً مزدوجاً: الأول هو تعميق "صراع الهوية" بوضع التنظيم في موقع الخصم العقائدي للدولة، والثاني هو محاولة لاكتساب شرعية مستمدة من "المخالفة"، حيث يُصور التنظيم نفسه كمعارض للنظم التي يتهمها بالخروج عن "التصورات السلفية-الجهادية"، مما يغذي نزعة تكفيرية متجذرة ترفض أي نموذج إسلامي لا يتماهى مع رؤيتهم الخاصة.
إن إصرار الافتتاحية على تكفير النظم القائمة في العالم الإسلامي ليس ترفاً فكرياً، بل هو "محرك وجودي" لبقاء التنظيم. ففي ظل غياب القدرة على تقديم نموذج تنموي أو إداري ناجح في مناطق النفوذ، يتحول التكفير إلى الوسيلة الوحيدة لخلق "تمايز" حاد عن المجتمع والدولة. من خلال هذا التكفير، يسعى التنظيم إلى خلق بيئة عازلة تمنع أتباعه من التماهي مع الواقع السياسي المحيط بهم، مما يحولهم إلى كيانات منغلقة فكرياً ترى في "النظام" عدواً لا مهادنة معه، وفي "الدولة" كياناً لا بد من إزالته لقيام "دولتهم الموعودة".
يكشف هذا التباين بين النص والواقع عن مدى العزلة التي يعيشها "مطبخ صناعة المحتوى" داخل التنظيم. إن الاعتماد على لغة متشنجة وخطاب أيديولوجي متكرر يُظهر أن الكاتب بات منفصلاً تماماً عن التحولات الإقليمية والدولية التي تجري من حوله. هذه العزلة ليست عرضية، بل هي "عزلة ذاتية" اختيارية؛ فالتنظيم يفضل البقاء داخل "فقاعته الأيديولوجية" التي توفر له تفسيرات جاهزة ومريحة لكل ما يحدث، بدلاً من مواجهة التحديات الموضوعية التي تفرضها الهزائم الميدانية. هذا الهروب نحو "الواقع المتخيل" يؤكد أن التنظيم فقد قدرته على قراءة المتغيرات، وأصبح أسيراً لمنطق "الانتصار الذي لا يرى"، والذي لا يمكن استمراره إلا عبر المزيد من الانعزال عن العالم.
ختاماً، يمكن القول إن هذه الافتتاحية ليست سوى مرآة عاكسة للتخبط الذي يعيشه التنظيم في مرحلة "ما بعد الهزيمة الميدانية"؛ فهي خطاب لم يعد يخاطب العقل أو يقدم رؤية فقهية رصينة، بل أصبح أداة "تسكين أيديولوجي" لأتباع يواجهون واقعاً يتناقض جذرياً مع ادعاءات النصر والتمكين. إن اعتماد التنظيم على هذا المستوى المتدني من الصياغة، واللجوء إلى تكفير النظم الإقليمية كغطاء للفشل، يؤكد أن مشروع التنظيم قد دخل في مرحلة "الانكفاء التعبيري"، حيث تحل الأوهام اللغوية محل الإنجازات الواقعية، مما يعمق الفجوة بين التنظيم ومحيطه، ويجعله حبيس فقاعة من العزلة الذهنية التي تُعجل باندثاره.
