حسام الحداد يكتب: بين "الدحديرة" و"برشامة".. هل نُعيد إنتاج أسباب التطرف؟
الإثنين 01/يونيو/2026 - 01:13 م
طباعة
يعيش المشهد الثقافي والاجتماعي في مصر حالة من التناقض البنيوي الحاد؛ ففي حين تتبنى الخطابات الرسمية للدولة شعارات الحداثة، والتنوير، ومحاربة الأفكار المتطرفة كأولوية وطنية، نجد أن الممارسات اليومية لمؤسساتها التعليمية والإدارية تسير في اتجاه معاكس تماماً. إن ما حدث مع عرض "الدحديرة" المسرحي في جامعة حلوان ليس مجرد واقعة منع إداري عابرة، بل هو مؤشر خطير على توغل عقلية الوصاية الأخلاقية داخل الحرم الجامعي، حيث يتم تصنيف الفن كنشاط "محرم" تحت ذرائع واهية، مما يعكس ارتباكاً فكرياً لدى بعض المسؤولين الذين يمارسون سلطاتهم بعيداً عن منطق القانون، ويحولون المؤسسات التعليمية من ساحات للإبداع وتنمية العقل إلى مساحات تضيق بالرأي الآخر وتتعمد خنق أي متنفس فكري أو إبداعي للشباب.
وعلى صعيد أوسع، يتجاوز الربط بين أزمة العرض المسرحي والحملات الهجومية على الأعمال الفنية (مثل فيلم "برشامة") مجرد كونه رصداً لحوادث منع أو نقد؛ إنه يكشف عن أزمة وطنية عميقة تتمثل في غياب رؤية ثقافية شاملة للدولة. فبينما تُشغل القوى المحافظة والبرلمانية نفسها بمطاردة المبدعين في قضايا لا تمس جوهر التحديات الاقتصادية والسياسية، تظل البنية الفكرية المتطرفة قائمة ومستترة داخل مفاصل المجتمع. إن هذا الانفصام بين خطاب الدولة "الحداثي" وسلوك مؤسساتها "المحافظ" يخلق حالة من التردد الثقافي، حيث يجد الشباب المبدع نفسه في مواجهة مباشرة مع فكرٍ إقصائي يتسلل إلى القرار الإداري، مما يضعف قدرة الدولة على المواجهة الحقيقية للتطرف الذي يتغذى في الأساس على تهميش الفن ومحاصرة حرية التعبير.
أزمة الحريات في الجامعات: "الدحديرة" نموذجاً
تتجاوز أزمة عرض "الدحديرة" كونها مجرد تعثر إداري أو خلاف تنظيمي عابر، فهي تمثل تجسيداً صارخاً لتغلغل عقلية "الوصاية" في صروح من المفترض أنها قلاع للتنوير. إن استناد إدارة الكلية إلى مبررات دينية متشددة لوصم الفن بـ"الحرمانية" لا يعدو كونه تقويضاً جذرياً لرسالة الجامعة التي تأسست على التعددية الفكرية والبحث العلمي. هذا التضارب الصارخ—بين وجود أقسام أكاديمية تدرس الفنون والإخراج في جامعات مصرية وبين قمع النشاط المسرحي في أروقة كليات الحقوق—يكشف عن حالة من الفوضى المؤسسية، حيث غابت الرؤية الوطنية الموحدة لتصبح ممارسة الحقوق الإبداعية رهينةً للأمزجة الشخصية للمسؤولين، بدلاً من أن تُصان بنصوص القانون واللوائح الجامعية التي تضمن للطلاب بيئة تعليمية حرة ومحفزة.
إلا أن الخطورة الحقيقية تكمن في التبعات الأمنية والإدارية التي رافقت هذا القمع، والتي بلغت ذروتها في تحويل الحرم الجامعي من فضاء للنقاش الحر إلى ساحة للترهيب والارتباك. إن استباحة سلامة الطالبات والحضور، وتعريضهم لمواقف مهينة وسط حالة من الفوضى المفتعلة لتعطيل العرض، تعكس استجابة مباشرة لخطاب التطرف الذي يرى في الفن تهديداً وجودياً له. إن هذا المشهد يضع الجامعة أمام استحقاق أخلاقي ووجودي؛ فإذا فقدت المؤسسة التعليمية قدرتها على توفير الحماية للمبدع، وتحولت إلى أداة لفرض القيود بدلاً من رعاية المواهب، فإنها تفقد مبرر وجودها كمنارة للتنوير، وتفتح الباب على مصراعيه لتجريف عقول الأجيال الجديدة من أي أفق إبداعي أو نقدي.
تناقضات الحرب على التطرف: "الأمن" ليس حلاً وحيداً
يضعنا المشهد السياسي الراهن أمام حقيقة مريرة ومفارقة تستحق التأمل؛ فبينما حققت الدولة نجاحاً ملموساً في "أمننة" المجال العام واستعادة الاستقرار عبر القبضة الأمنية التي نجحت في كبح جماح العمليات المسلحة والتفجيرات، إلا أنها فشلت في الوقت ذاته في تفكيك "البنية الفكرية" التي تفرز التطرف. إن هذه الحرب اقتصرت على محاصرة "الأعراض" دون استئصال "المرض" الكامن في الفكر الإقصائي، وهو ما يتجلى في الازدواجية الصارخة في التعامل؛ إذ كيف يستقيم الحديث عن حرب شاملة على التطرف بينما تعجز المؤسسات عن رصد أو مواجهة قيادات تنظيمية تعيش في الداخل لسنوات طويلة، أو حين تقع هذه المؤسسات في فخ التخبط الإداري والثقافي عند التعامل مع الأنشطة الجامعية والإبداعية؟ هذا التناقض يؤكد أن الدولة تواجه تحدياً هيكلياً يفوق قدرة الأجهزة الأمنية وحدها، ويتطلب مراجعة جذرية للمنهج المتبع في التعامل مع الفكر والمجتمع.
علاوة على ذلك، يشهد الدور المناط بالمؤسسات التنويرية انحرافاً خطيراً عن مساره الطبيعي؛ فبدلاً من أن تقود هذه الكيانات، مثل "اتحاد الكتاب"، حركة التنوير والمساهمة في بناء وعي جمعي يواجه التحديات التنموية والاجتماعية، نجدها تنزلق نحو الانشغال بقضايا جدلية وهامشية، مثل التمركز حول "محاربة الإلحاد" أو ملاحقة الأعمال الفنية في البرلمان، تاركةً خلفها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي تؤرق المواطن. إن هذا السلوك يعيد إنتاج أخطاء الماضي في إدارة الأزمات، حيث يتم تعمد توجيه الرأي العام نحو "قضايا مفتعلة" تشغل حيزاً من الفراغ الفكري، مما يعزز من حالة الإلهاء بدلاً من مواجهة الاستحقاقات الحقيقية التي يتطلبها بناء مجتمع حديث وقوي قادر على الصمود في وجه الفكر المتطرف.
"الأعراض" مقابل "المرض"
يكمن جوهر الأزمة الراهنة في الاختلال المنهجي بين معالجة "أعراض" المرض و"جذوره" الحقيقية؛ فبينما نجحت الدولة في تحجيم العنف المسلح والتفجيرات كأعراض ظاهرة، إلا أنها أخفقت في مواجهة "المرض" ذاته، والمتمثل في الفكر الانغلاقي وثقافة الوصاية التي ترفض الآخر وتُحرم الإبداع. إن الانتصار في معركة الوعي لا يتحقق عبر القبضة الأمنية فحسب، بل يتطلب استراتيجية شاملة تدرك أن الفن، والمسرح، والحرية السياسية، والنقاش الفكري الحر هي "المناعة الطبيعية" التي تُحصن المجتمع ضد أفكار التطرف. وبدلاً من تفعيل هذه المناعة، نجد أن التضييق الممنهج على المساحات الإبداعية يُعطل أدوات النقد والتحليل التي يحتاجها المجتمع لفرز الأفكار البناءة من تلك الهدامة، مما يجعل المجتمع أكثر عرضة للاختراق الفكري.
إن تغييب المسرح والفنون عن الساحة الجامعية والعامة يترك فراغاً فكرياً يتسارع الخطاب التحريضي لملئه، حيث تصبح القيم التي تُمارس عليها "الوصاية" خاضعة للأهواء الشخصية للمتشددين، لا لنصوص القانون أو الدستور الذي يكفل حرية الإبداع. فعندما تتراجع الدولة عن دورها الريادي في حماية الثقافة، وتسمح بفرض رقابة مجتمعية أو إدارية متزمتة على الأفلام والأعمال الفنية تحت مسميات "القيم"، فإنها تتنازل طواعيةً عن قيادتها للمجتمع، وتمنح القوى الأكثر انغلاقاً في الساحة فرصة لاحتكار المشهد وتشكيل الوعي الشعبي وفق رؤاهم الضيقة. إن هذا التراجع يمثل خطراً استراتيجياً، إذ يُحول الدولة من راعٍ للحداثة والتطور إلى شاهدٍ على انحسار التنوير، مما يمهد الطريق لسيادة الفكر الذي يرى في الاختلاف والجمال خطراً وجودياً.
خاتمة
إن صرخة فريق مسرح "الدحديرة" ليست مجرد مطالبة بحقوق طلاب، بل هي صيحة تحذير. إن استمرار التضييق على الفن، وتغلغل الفكر الذي يرى في الإبداع "حراماً" داخل المؤسسات التعليمية، سيؤدي حتماً إلى خلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف. إن الفن ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول عن عقل المجتمع؛ فبدون بيئة ديمقراطية تسمح بالاختلاف وبالتعبير عن الذات، ستظل الدولة تحارب طواحين الهواء، وتظل الأجيال الشابة عالقة بين مطرقة المنع وسندان الراديكالية.
