الاتفاق الأمريكي الإيراني يعزز موقف الحوثيين.. كيف أعاد خفض التصعيد رسم المشهد اليمني؟
الجمعة 03/يوليو/2026 - 12:02 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
أعاد التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، الذي جاء بعد أسابيع من التصعيد العسكري والسياسي، فتح باب النقاش حول انعكاساته على الأزمة اليمنية، ولا سيما على جماعة الحوثيين التي سارعت إلى تبني خطاب يؤكد أنها خرجت من المواجهة أكثر قوة وثباتًا.
ففي الوقت الذي رأت فيه الجماعة أن الاتفاق يمثل اعترافًا غير مباشر بقدرتها على الصمود، حذر عدد من الباحثين من الخلط بين المكاسب الرمزية والنجاحات الاستراتيجية بعيدة المدى.
وفي تحليل نشره موقع The New Arab، ناقش الكاتب رشيد محسن كيف أسهم الاتفاق الأمريكي الإيراني في تعزيز ثقة الحوثيين، وما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الصراع في اليمن.
الحوثيون يقدمون الاتفاق باعتباره انتصارًا سياسيًا
يشير التقرير إلى أن إعلان التفاهم الأمريكي الإيراني أحدث تحولًا سريعًا في خطاب الحوثيين، إذ انتقلت الجماعة من التركيز على الصمود في مواجهة الضغوط إلى الحديث عن تحقيق انتصار سياسي، معتبرة أنها كانت جزءًا من نجاح إقليمي تقوده إيران.
وبحسب التقرير، حرصت قيادة الحوثيين في خطاباتها الرسمية على التأكيد أنها لم تتعرض للاحتواء أو الإضعاف، بل خرجت من مرحلة التصعيد أكثر حضورًا في المعادلة الإقليمية.
وفي المقابل، لفت التقرير إلى حالة الصمت التي بدت على القوى اليمنية المناهضة للحوثيين وبعض الأطراف القريبة من السعودية، وهو ما اعتبره عدد من الخبراء مؤشرًا على تغيرات سياسية وإقليمية بدأت تتشكل.
خبراء: البقاء في السلطة لا يعني تحقيق انتصار استراتيجي
ينقل التقرير عن الباحث المتخصص في شؤون اليمن وبناء السلام حسام ردمان تأكيده على ضرورة التمييز بين النجاة من الهزيمة وتحقيق انتصار حقيقي.
ويرى ردمان أن الحوثيين نجحوا في بناء صورة رمزية للانتصار بعد خروجهم من مرحلة التصعيد دون خسارة مباشرة، كما فرضوا أنفسهم طرفًا حاضرًا في الحسابات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر، وهو ما منحهم مكاسب سياسية ونفسية مهمة.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن النجاح الاستراتيجي يتطلب تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد، وبناء مؤسسات مستقرة، وتحويل النفوذ العسكري إلى شرعية سياسية مستدامة، وهي ملفات لا تزال الجماعة تواجه فيها تحديات كبيرة.
كيف يقرأ الحوثيون الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
يوضح التقرير أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تنظر إلى الاتفاق بوصفه تأكيدًا لصحة النهج الذي اتبعته الجماعة خلال سنوات الحرب.
ويقول رئيس مركز سام للفكر توفيق الحميدي، وفقًا لما أورده التقرير، إن الحوثيين بنوا جزءًا كبيرًا من شرعيتهم الداخلية على فكرة الصمود أمام خصوم يمتلكون تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا، ولذلك فإن أي تطور إقليمي ينتهي دون إضعافهم يقدم داخل الجماعة باعتباره نجاحًا سياسيًا.
ويضيف أن خفض التصعيد بين واشنطن وطهران منح الحوثيين مكسبًا رمزيًا مهمًا، لأنه أوحى، من وجهة نظرهم، بأن القوى التي مارست الضغوط العسكرية انتهت إلى القبول بالأمر الواقع.
ومع ذلك، يلفت الحميدي إلى أن الجماعة لم تحصل على اعتراف دولي كامل، ولا تزال عاجزة عن إنهاء الانقسام السياسي أو معالجة الأزمة الاقتصادية في المناطق التي تسيطر عليها، إلا أن استمرارها في الحكم بعد أكثر من عقد من الحرب يمنحها مادة قوية لتعزيز خطابها الداخلي.
خصوم الحوثيين يواجهون أزمة رؤية سياسية
ويتناول التقرير موقف القوى المناهضة للحوثيين، مستشهدًا برأي الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عبد الغني الإرياني، الذي يرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قوة الحوثيين وحدها، وإنما في غياب رؤية موحدة لدى خصومهم.
ويشير الإرياني إلى أن الحوثيين يدخلون أي عملية تفاوض وهم يمتلكون تصورًا واضحًا لشكل النظام السياسي الذي يسعون إليه، بينما لا تزال القوى المناهضة لهم منشغلة بخلافاتها الداخلية وصياغة موقف سياسي موحد.
كما يرى أن التقارب السعودي الإيراني قد ينعكس بصورة مباشرة على الملف اليمني، إذ يمنح الحوثيين فرصًا سياسية إضافية، بينما يفرض على خصومهم تحديًا يتمثل في تقديم مشروع سياسي قادر على الحفاظ على الدعم الإقليمي في ظل تراجع أولوية الخيار العسكري.
هل يخفي خطاب الانتصار مخاوف داخلية؟
ويطرح التقرير قراءة مختلفة قدمتها وزيرة الإعلام اليمنية السابقة والباحثة نادية السقاف، التي ترى أن الخطاب الواثق للحوثيين قد لا يعكس اطمئنانًا كاملًا، بل ربما يخفي مخاوف متزايدة من التطورات الداخلية.
وتوضح السقاف أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا نجحت خلال الفترة الأخيرة في تحسين بعض ترتيباتها السياسية والأمنية، خاصة في المحافظات الجنوبية، كما ظهرت محاولات للحد من الانقسامات داخل معسكر الشرعية، وهو ما يمنح خصوم الحوثيين مساحة حركة أكبر مما كانت عليه في السابق.
وترى أن الجماعة تدرك تراجع خطر المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات اقتصادية وإدارية متزايدة، ولذلك قد يكون تصعيد خطاب الانتصار وسيلة لتعزيز التماسك الداخلي أكثر من كونه انعكاسًا لثقة مطلقة بأوضاعها.
من وكيل إقليمي إلى لاعب يمتلك حساباته الخاصة
ويتوقف التقرير عند تحول مهم في موقع الحوثيين داخل المشهد الإقليمي، إذ ترى السقاف أن الجماعة لم تعد مجرد امتداد مباشر للسياسة الإيرانية، وإنما أصبحت تمتلك هامشًا أوسع لاتخاذ قراراتها وفقًا لحساباتها المحلية.
وتستشهد بقرار الحوثيين وقف هجماتهم في البحر الأحمر رغم استمرار الحرب في غزة، معتبرة أن القرار استند بدرجة كبيرة إلى اعتبارات يمنية، وليس فقط إلى توجيهات إيرانية.
وبحسب التقرير، فإن استمرار خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران قد يمنح الحوثيين مساحة أكبر للمناورة السياسية، ويعزز قدرتهم على إدارة علاقاتهم مع القوى الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحهم الخاصة.
اليمن لا يزال رهينة التفاهمات الإقليمية
يرى التقرير أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لم ينهِ الصراع، بل أوقف مرحلة من التصعيد ضمن أزمة إقليمية أوسع، وهو ما يعني أن اليمن سيظل مرتبطًا بمسار العلاقات بين واشنطن وطهران أكثر من ارتباطه بالتطورات الداخلية.
وينقل التقرير عن حسام ردمان تأكيده أن ما جرى يمثل خفضًا للتصعيد وليس اتفاق سلام شامل، بينما يحذر توفيق الحميدي من أن التركيز على ضبط السلوك الخارجي للحوثيين دون معالجة جذور الأزمة اليمنية قد يؤدي إلى تكريس سلطتهم في شمال البلاد وإبقاء اليمن في حالة انقسام طويل الأمد.
كما يشير إلى أن أخطر السيناريوهات يتمثل في اختزال القضية اليمنية في بعدها الأمني المرتبط بأمن البحر الأحمر والحدود، مع تأجيل الملفات الجوهرية المتعلقة ببناء الدولة والسلاح والتسوية السياسية.
وتكشف قراءة The New Arab أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يغيّر موازين القوى العسكرية في اليمن بصورة حاسمة، لكنه منح الحوثيين فرصة لتعزيز خطابهم السياسي وتقديم أنفسهم بوصفهم طرفًا خرج أكثر قوة من مرحلة التصعيد.
وفي المقابل، يواجه خصوم الجماعة تحديًا متزايدًا يتمثل في غياب مشروع سياسي موحد يتكيف مع المتغيرات الإقليمية.
ويرى المراقبون أن مستقبل الأزمة اليمنية سيظل مرهونًا بطبيعة التفاهمات بين القوى الإقليمية والدولية، ما لم تتوافر إرادة حقيقية لإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الصراع، بدلًا من الاكتفاء بإدارة تداعياته الأمنية والعسكرية.
