تحالف "أزواد" و"نصرة الإسلام والمسلمين" يفتح خمس جبهات في يوم واحد ويهز محيط باماكو
الأحد 05/يوليو/2026 - 10:36 ص
طباعة
حسام الحداد
شهد شمال ووسط مالي، فجر السبت 4 يوليو 2026، أوسع موجة هجمات منسقة تشنها جبهة تحرير أزواد بالتنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) منذ هجمات أبريل الماضي، إذ استهدف المهاجمون خمسة مواقع عسكرية متزامنة في أغيلهوك وأنيفيس وغاو وسيفاري وكينيروبا، إضافة إلى سجن يقع على مقربة من العاصمة، في عملية تكشف عن استراتيجية جديدة تقوم على تشتيت الجيش المالي وحلفائه الروس عبر فتح جبهات متعددة دفعة واحدة، بدل التركيز على استنزافه في نقطة واحدة.
بحسب ما تناقلته مصادر ميدانية ووسائل إعلام إقليمية، بدأت الهجمات في ساعات الفجر الأولى، حيث أقر الجيش المالي بتعرض خمسة من مواقعه لهجمات متزامنة، في واحدة من أكبر العمليات التي استهدفت قواته خلال الأشهر الأخيرة. وأفادت مصادر ميدانية بوقوع انفجارات داخل أحد معسكرات مدينة غاو، فيما أعلنت جبهة تحرير أزواد إسقاط مروحية تابعة لفيلق إفريقيا الروسي خلال المواجهات، إلى جانب الاستيلاء على ناقلة جند مدرعة من طراز "بي تي أر" خلال الهجوم على أنيفيس. وتكتسب معركة أنيفيس أهمية خاصة كونها تقع على المحور الجنوبي المؤدي إلى كيدال، أحد أبرز معاقل الجبهة، ما يجعل مصيرها مؤثراً في موازين القوى شمال البلاد.
في مسار مواز، وبعيداً عن الجبهة الشمالية، استهدف هجوم منفصل سجن كينيروبا الواقع على نحو 50 كيلومتراً جنوب باماكو باتجاه الحدود الغينية، حيث أضرم مهاجمون مجهولون النار في عدة مركبات داخل السجن وقطعوا الاتصالات. ويكتسب هذا الهدف دلالة خاصة، إذ يضم المركز الذي افتُتح عام 2019 لتخفيف الاكتظاظ في سجن باماكو المركزي عدداً كبيراً من المتطرفين، وكان قد تعرض لهجوم مماثل في مايو الماضي، بما يوحي بأن الهدف من العملية تحرير مقاتلين محتجزين لا ضرب الجيش مباشرة
على صعيد الروايات المتضاربة، تبنّت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية سردية "الاحتواء الكامل"، إذ أعلنت في بيان أن قواتها استعادت السيطرة على جميع المواقع المستهدفة، وأن الاشتباكات أسفرت عن مقتل عشرين مسلحاً في سيفاري وستة آخرين في غاو، مقابل مقتل جندي مالي واحد وإصابة أربعة آخرين في هجوم غاو. وفي المقابل، قدّم الطرف المهاجم رواية مغايرة تماماً؛ إذ قال المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد إن قوات الجبهة دخلت منطقة أنيفيس وسيطرت على عدد من مواقعها، مع استمرار الاشتباكات داخل المدينة. أما فيلق أفريقيا الروسي، الحليف العسكري لباماكو، فقد اختار موقفاً ثالثاً وسطياً، إذ أكد أن قواته بالتنسيق مع الجيش المالي تتصدى للهجمات، نافياً في الوقت ذاته ما وصفه بـ"الحملة الدعائية" التي تروّجها الجماعات المسلحة عن سير المعارك. هذا التباين الحاد بين الروايات الثلاث يجعل التحقق المستقل من حصيلة الخسائر الفعلية أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة.
وبحسب مصدر مقرب من دوائر الرصد الأمني في المنطقة، فإن اختيار توقيت الهجوم واستهداف غاو تحديداً ليس مصادفة، إذ سبق أن أدرجت جبهة تحرير أزواد المدينة على قائمة أهدافها المعلنة إثر هجمات 25 أبريل الماضي، ما يوحي بأن العملية الحالية استكمال مخطط له لا رد فعل آني.
تأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عام 2017 من اندماج عدة فصائل موالية لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وباتت اعتباراً من عام 2025 توصف بأنها الجماعة الأكثر تسلحاً في منطقة الساحل وواحدة من أقوى التنظيمات المسلحة عالمياً. ومنذ عام 2019 توسع نشاطها من قلب الساحل نحو دول ساحل غينيا، إذ باتت مناطق شمال بنين وتوغو مصدر قلق أمني رئيسي لهذه الدول. غير أن هذا التمدد يطرح، بحسب تقييمات مجموعة الأزمات الدولية، معضلة داخلية للتنظيم؛ فرغم أنه يتيح تجنيد عناصر جدد ويحقق مكاسب مادية تشجّع عليها القاعدة الشعبية للجماعة، تخشى قيادات التنظيم من أن يؤدي التوسع المتسارع إلى إضعاف تماسك الحركة. وتتقاطع هذه الديناميكية مع تنافس عنيف مع تنظيم "داعش - ولاية الساحل"، إذ أدى توسع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى تمدد مفرط في قواتها، ما جعلها عرضة لهجمات منافسها الإقليمي في مناطق التماس المشتركة بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
الأثر المحلي والإقليمي لتحالف "أزواد" و"JNIM"
أولاً: الأثر المحلي داخل مالي
تقسيم الأدوار الميداني
الشواهد الميدانية منذ هجمات 25 أبريل 2026 تُظهر تقسيماً وظيفياً واضحاً: جبهة تحرير أزواد تتولى السيطرة الجغرافية في الشمال (كيدال، غاو، أنيفيس)، بينما تتكفل JNIM وحليفتها كتيبة ماسينا بالعمليات المركبة في الوسط وباتجاه محيط باماكو، بما يشمل الهجمات الانتحارية والاختراقات داخل المدن (بحسب تحليل نشره Arabic Post نقلاً عن باحثين في شؤون الساحل).
هذا النموذج القائم على "الشبكات المرنة" بدل القيادة الموحدة أرهق قدرة الجيش المالي على الاستجابة السريعة، إذ بات يواجه خصمين يعملان بمنطقين مختلفين لكن متكاملين.
تصدع الشرعية السياسية للمجلس العسكري
سقوط كيدال في أبريل، ومقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا -أحد أبرز مهندسي التقارب العسكري مع موسكو- في هجوم استهدف منزله، مثّلا ضربة رمزية وأمنية بالغة لسردية "الحسم العسكري" التي بنى عليها المجلس الانتقالي شرعيته منذ 2020.
بحسب Trends Research، فإن استمرار الفراغ الأمني وتآكل ولاء الوحدات الميدانية يرفعان -باحتمال متوسط- سيناريو نشوء كيان "شبه دولة" في الشمال، سواء تحت هيمنة جبهة أزواد منفردة أو بصيغة مختلطة معها ومع JNIM.
الكلفة الإنسانية
تجاوز عدد النازحين داخلياً 1.8 مليون شخص، فيما يواجه نحو 3.5 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع انهيار شبه كامل لقطاعي الصحة والتعليم في مناطق النزاع (العربية).
هشاشة التحالف نفسه
محللون ماليون (منهم حمدي جوارا) يصفون التنسيق الحالي بـ"التحالف الاستراتيجي المرحلي" لا الدائم، ويستحضرون سابقة 2012 حين انقلب الجهاديون على حلفائهم من الطوارق بعد اجتياح مشترك للشمال. فالتناقض الأيديولوجي بين مشروع انفصالي قومي (دولة أزواد) ومشروع جهادي عابر للحدود (إمارة إسلامية) يجعل التحالف أداة تكتيكية آنية أكثر منه شراكة استراتيجية.
ثانياً: الأثر الإقليمي
اختبار حرج لـ"تحالف دول الساحل" (AES)
بوركينا فاسو والنيجر، رغم التزاماتهما الدفاعية المشتركة مع باماكو ضمن الكونفدرالية الثلاثية، اكتفتا بالتنديد السياسي دون إرسال تعزيزات فعلية، وهو ما يقرأه محللون كإشارة تخلٍّ فعلي عن الحليف المالي في اللحظة الحرجة، ويعزو ذلك جزئياً إلى انشغال البلدين بمواجهة تمردات مسلحة داخل أراضيهما.
تعميق القطيعة مع إيكواس
رصد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية (مطلع 2026) شللاً واسعاً في التعاون الأمني بين تحالف الساحل ومجموعة إيكواس، وتفككاً لترتيبات سابقة كالمجموعة الخماسية للساحل ومسار نواكشوط، مع اتساع الصدع خصوصاً بين بوركينا فاسو وكوت ديفوار، وبين النيجر وبنين.
امتداد نحو ساحل خليج غينيا
استمرار توسع JNIM جنوباً نحو بنين وتوغو وكوت ديفوار -وهو نمط موثق منذ 2019- يترافق مع تنافسها المتصاعد مع تنظيم "داعش-ولاية الساحل" (ISSP) على النفوذ في منطقة الحدود الثلاثية (مالي-النيجر-بوركينا فاسو)، ما قد يفتح جبهة اقتتال جهادي داخلي إضافية إلى جانب المواجهة مع الدولة.
ضغط حدودي على الجزائر وموريتانيا
التقييمات الإقليمية تشير إلى احتمال متوسط لموجات لجوء كبيرة نحو الجزائر وموريتانيا في حال تسارع الانهيار الأمني شمال مالي، مع مخاوف جزائرية خاصة من ارتداد مباشر يهدد المصالح النفطية في الجنوب الجزائري (Trends Research). الجزائر تحديداً تقف في موقف مزدوج: رفض معلن لأي نشاط جهادي على حدودها، مقابل قنوات اتصال غير مباشرة تاريخياً مع بعض مكونات الحركة الطوارقية.
موريتانيا، رغم كونها استثناءً نسبياً حتى الآن، بدأت تسجل خروقات حدودية متكررة أثناء عمليات مطاردة تنفذها القوات المالية و"أفريكا كوربس" الروسية، إضافة إلى أعباء اقتصادية وإنسانية متصاعدة من تدفق النازحين.
اتهامات متبادلة وتوظيف سياسي للأزمة
وزارة خارجية مالي وجّهت اتهامات لدول مجاورة بإيواء أو تسهيل تحركات الجماعات المسلحة، دون تسمية مباشرة لأطراف "أجنبية" متورطة، في خطاب رسمي متكرر يستخدمه تحالف الساحل لتبرير الإخفاقات الأمنية الداخلية (أفريكا تريندز).
قراءة في المشهد
يكشف تحالف "أزواد"-JNIM عن معضلة بنيوية مزدوجة: فمحلياً، هو تحالف مصالح آنية بين مشروعين متناقضين جوهرياً، يمنح الجيش المالي خصماً هجيناً يصعب احتواؤه بالأدوات التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يحمل بذور تفككه الذاتي إذا ما تقدّم أي مسار تفاوضي سياسي (كما حدث عام 2012). إقليمياً، يفضح هذا التصعيد الفجوة بين خطاب "الدفاع الجماعي" الذي بُني عليه تحالف دول الساحل وبين الواقع الميداني، حيث كل دولة تُدار وفق حسابات بقائها الخاصة أولاً. أما التمدد الجنوبي لـJNIM نحو ساحل غينيا بالتوازي مع الأزمة الشمالية، فيرجّح أن مركز الثقل الأمني في غرب أفريقيا ينتقل تدريجياً من الحزام الساحلي التقليدي إلى الواجهة الأطلسية، وهو تحول من شأنه أن يعيد رسم أولويات القوى الدولية المتنافسة على النفوذ في المنطقة خلال الأشهر المقبلة، أكثر من كونه مجرد استمرار لأزمة مزمنة.
الخاتمة
حتى صباح الأحد 5 يوليو، ظل المشهد الميداني في شمال ووسط مالي مشوباً بتضارب الروايات بين إعلان الجيش المالي استعادة السيطرة الكاملة، وتأكيد جبهة تحرير أزواد استمرار الاشتباكات وسيطرتها الجزئية على أنيفيس. وبصرف النظر عن الحصيلة النهائية للمعركة الحالية، فإن نمط الهجوم- خمس جبهات متزامنة إضافة إلى استهداف منشأة احتجاز قرب العاصمة- يعكس تحولاً نوعياً في قدرة التحالف المهاجم على التخطيط اللوجستي والتنسيق العملياتي. ومع استمرار توسع نصرة الإسلام والمسلمين جنوباً نحو ساحل غينيا في موازاة تصاعد تنافسها مع "ولاية الساحل"، يبدو أن الساحة المالية تتجه نحو مرحلة تتسم بتعدد الجبهات وتصاعد وتيرة الاختبارات لقدرة الجيش المالي وحلفائه الروس على الاحتواء المتزامن، أكثر من كونها معركة حاسمة واحدة.
