الأبيض على حافة الانهيار: حصار الدعم السريع يهدد بتكرار مأساة الفاشر

الأحد 05/يوليو/2026 - 11:12 ص
طباعة الأبيض على حافة الانهيار: حسام الحداد
 
حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة 3 يوليو 2026، خلال جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، من "كارثة حقوقية وإنسانية جديدة" تتكشف في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان السودانية، وسط تصاعد حصار قوات الدعم السريع على المدينة التي تؤوي نحو 600 ألف شخص، بينهم أكثر من 105 آلاف نازح، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من هجوم بري وشيك يعيد إنتاج سيناريو سقوط الفاشر أواخر العام الماضي.
وتصاعدت وتيرة الاستهداف الجوي لمدينة الأبيض بشكل ملحوظ منذ مطلع يونيو الماضي، حين حوّلت قوات الدعم السريع الطائرات المسيّرة إلى أداتها الرئيسية للضغط على المدينة، بعدما تعذّر عليها حتى الآن اقتحامها برياً. واستهدفت الضربات بشكل متكرر محطات الوقود ومحطات توليد الكهرباء وشبكات المياه، إضافة إلى الأسواق والمدارس، في نمط وصفه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بأنه استهداف متعمد للبنية التحتية اللازمة لاستمرار الحياة المدنية. وبحسب تقرير مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل، فقد قُصفت ثماني محطات وقود إضافية خلال الفترة بين 25 مايو و25 يونيو وحدها، ليرتفع إجمالي عدد المحطات المستهدفة منذ 19 فبراير الماضي إلى 19 محطة، وهو ما يهدد بشلّ الحركة التجارية في مدينة تُعد من أهم المراكز اللوجستية في وسط السودان.
وعلى الصعيد الحقوقي، قدّم فولكر تورك خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان في جنيف حصيلة موثقة تشير إلى خمسة عشر هجوماً بالمسيّرات بين 6 و28 يونيو أسفرت عن مقتل نحو 45 مدنياً وإصابة 41 آخرين. ولم تقتصر المخاوف الأممية على الضربات الجوية وحدها، إذ أشار تورك إلى توثيق مكتبه لأنماط من الإعدامات بإجراءات موجزة، والاختطاف، والتعذيب، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، وأعمال نهب على طول المسارات التي يسلكها النازحون الفارون من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في عموم إقليم كردفان. كما لفت إلى أن من تبقى داخل المدينة يواجهون خطر الاعتقال التعسفي بتهم التعاون مع الطرف الآخر، في وصف بلغ حد مطالبته العلنية بأن يصل "الإنذار الأحمر" الذي أطلقه إلى مكاتب رؤساء الدول والحكومات حول العالم.
في المقابل، قدّمت المؤسسة العسكرية السودانية صورة مغايرة جوهرياً لواقع الحصار. فبحسب ما كشفه مختبر ييل عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، أقام الجيش شبكة من السواتر والخنادق ونقاط التفتيش تمتد لأكثر من 50 كيلومتراً داخل الأبيض وخارجها، في إطار استعداد دفاعي طويل الأمد. وفي موازاة ذلك، نفى ضباط ميدانيون في الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة" -المتمركزة في المدينة- صحة التقارير المتداولة عن حصار فعلي محكم، مؤكدين أن قوات الدعم السريع لا تزال بعيدة عن الحدود المباشرة للمدينة ومداخلها الرئيسية. هذا التباين الحاد بين الخطاب الأممي الذي يتحدث عن حصار مستمر منذ نحو 18 شهراً، والخطاب العسكري الرسمي الذي يقلل من وشوك الخطر، يجعل التحقق المستقل من الوضع الميداني الفعلي أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة.
ورغم هذا التباين في الروايات، تشير مؤشرات ميدانية أخرى إلى جدية الاستعدادات العسكرية على الأرض. فقد أفاد مصدر عسكري مقرب من هيئة الأركان بأن كباراً من قادة العمليات انتقلوا مؤخراً إلى غرفة عمليات مركزية أُقيمت في الأبيض للإشراف المباشر على تنسيق المعارك، في خطوة تُقرأ كجزء من خطة أوسع لإدارة الحرب في إقليمي كردفان ودارفور معاً، لا سيما بعد سيطرة قوات الدعم السريع مؤخراً على مدينتي الفاشر وبارا. ويرى مراقبون عسكريون أن نمط العمليات الجارية حول الأبيض -القائم على استنزاف الخدمات الأساسية وقطع إمدادات الوقود قبل أي تحرك بري مباشر- يحمل تشابهاً مقلقاً مع التسلسل الذي سبق سقوط الفاشر، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه الفعلي للمعركة.

الأثر المحلي والإقليمي
على الصعيد الاقتصادي، ألحقت حملة الاستهداف الممنهج للبنية التحتية أضراراً بالغة بمقومات الأبيض التجارية. فمنذ 19 فبراير الماضي، طالت الضربات ما لا يقل عن 19 محطة وقود، إلى جانب منشآت توليد الكهرباء وشبكات المياه، في نمط وصفه مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل بأنه استهداف متعمد لمرافق أساسية لاستمرار الحياة المدنية. وتكتسب هذه الضربات خطورة خاصة كون الأبيض تحتضن أكبر أسواق الصمغ العربي في العالم، بحصة تقترب من 80% من الإنتاج العالمي لهذه السلعة الاستراتيجية، ما يعني أن استمرار استهداف الوقود والكهرباء لا يهدد فقط الحياة اليومية للسكان، بل يمس سلسلة توريد عالمية بأكملها يعتمد عليها قطاعا الصناعات الغذائية والدوائية دولياً.
أما على مستوى الأمن اللوجستي الوطني، فتحتل الأبيض موقعاً محورياً بوصفها حلقة الوصل الرئيسية بين العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور وغرب السودان، وتضم مقر الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة"، أحد أبرز التشكيلات العسكرية للجيش السوداني. وأي سقوط محتمل للمدينة، بحسب تقييمات ميدانية، من شأنه أن يقطع خطوط الإمداد الرئيسية المؤدية إلى جنوب وغرب كردفان وأجزاء واسعة من دارفور، بما يحوّل المعركة عليها إلى نقطة تحول محتملة في موازين السيطرة الجغرافية بين الجيش وقوات الدعم السريع في كامل المنطقة الغربية والوسطى من البلاد، متجاوزة بذلك أهميتها الرمزية لتصل إلى بعد عسكري-استراتيجي مباشر.
وفيما يخص الأثر الإنساني، تشير الأرقام الأولية إلى تسارع كبير في وتيرة النزوح؛ إذ رصد مختبر ييل أكثر من 700 مأوى مؤقت جديد أُقيمت في مواقع النازحين خلال شهر واحد فقط، وهو ما يعكس تدفقاً متزايداً للفارين من مناطق القتال المحيطة بالمدينة وبمحلياتها التابعة في شمال كردفان. ويأتي هذا التطور في وقت حذّر فيه المفوض الأممي لحقوق الإنسان من انتهاكات موثقة تطال النازحين أنفسهم على طول مسارات الفرار، ما يجعل النزوح في حالة الأبيض ليس مجرد أثر جانبي للمعركة، بل امتداداً لدائرة الخطر التي يحاول السكان الهروب منها أصلاً.
دولياً، تحوّلت الأزمة إلى ملف دبلوماسي نشط بامتياز، إذ طلبت المملكة المتحدة، بدعم من ألمانيا وأيرلندا والنرويج وهولندا، عقد الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف لمناقشة التصعيد في الأبيض ومحيطها، فيما وجّهت 29 دولة تحذيراً مباشراً لقوات الدعم السريع من مغبة مهاجمة المدينة. غير أن هذا الزخم الدبلوماسي، رغم اتساعه، لم يترجَم حتى الآن إلى أي أداة إكراه فعلية على الأرض، سواء عبر عقوبات ملموسة أو آلية حماية مدنية، ما يجعله أقرب إلى تحذير معنوي واستباقي منه إلى تدخل قادر على تغيير موازين القوة الفعلية في الميدان.
أما البعد الإقليمي للأزمة، فيتجاوز حدود شمال كردفان إلى بنية الصراع السوداني ككل؛ إذ يربط محللون استمرار تعثر مسار السلام باستمرار تدفق السلاح الخارجي إلى طرفي النزاع، في ظل اتهامات متبادلة توجَّه لأطراف إقليمية بدعم أحد الطرفين دون الآخر. ويرى هؤلاء أن هذا التباين في مصادر الدعم الخارجي يقرّب الحرب السودانية من نموذج "الحرب بالوكالة" أكثر من كونها نزاعاً داخلياً محضاً بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو ما يفسر جزئياً صعوبة التوصل إلى تهدئة مستدامة، ويجعل أي حل سياسي مرهوناً بتوافقات إقليمية أوسع تتجاوز الطرفين المتحاربين أنفسهما.
يذكر ان الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اندلعت في أبريل 2023 إثر خلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، لتتحول سريعاً من صراع على السلطة في الخرطوم إلى حرب استنزاف ممتدة طالت أغلب أقاليم البلاد. وشهد الصراع تصاعداً حاداً أواخر عام 2025 بسقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار طويل حوّل المعارك إلى واحدة من أكثر محطات الحرب دموية، إذ وصفت بعثة أممية الانتهاكات المرتكبة هناك بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية، فيما قدّرت تقارير دولية سقوط ما يقارب ستة آلاف قتيل خلال أيام معدودة من تصاعد المعارك. وأعقب سقوط الفاشر مباشرة توسع ميداني لقوات الدعم السريع تُوّج بالسيطرة على مدينة بارا، إحدى أهم المدن الاستراتيجية في ولاية شمال كردفان، ما مهّد الطريق نحو تحويل الأنظار صوب الأبيض بوصفها الهدف التالي في مسار التمدد نحو وسط البلاد.
وتحظى الأبيض بثقل استراتيجي يفوق في تقدير عدد من المراقبين حتى أهمية الفاشر ذاتها، إذ تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة"، إحدى أبرز التشكيلات القتالية التابعة للجيش السوداني، وتشكل في الوقت ذاته مركزاً رئيسياً لخطوط النقل والتجارة الرابطة بين كردفان ودارفور وبقية أنحاء السودان. وبينما مثّل سقوط الفاشر ضربة رمزية وإنسانية جسيمة، فإن أي تهديد جدي للأبيض يحمل، بحسب هذه القراءة، أبعاداً عسكرية ولوجستية واقتصادية أعمق، كونها تمس قدرة الجيش على الاحتفاظ بخط دفاعي متماسك في عمق البلاد، وتهدد في الآن ذاته مصدر دخل استراتيجي عالمي يتمثل في سوق الصمغ العربي الذي تعد المدينة مركزه الأول.
وفي النهاية يبقى مصير الأبيض معلقاً بين رواية أممية تحذر من تكرار وشيك لمأساة الفاشر، ورواية عسكرية سودانية تنفي اقتراب الخطر المباشر. وبصرف النظر عن توقيت أي هجوم بري محتمل، فإن استمرار استهداف البنية التحتية المدنية ومحطات الوقود يرجّح أن تكون استراتيجية الاستنزاف التدريجي، لا الاقتحام المباشر، هي المسار الأقرب لتفريغ المدينة من سكانها، وهو ما قد يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأبيض ستنجو من مصير سلفتها في دارفور أم ستتحول إلى محطة جديدة في سلسلة الفظائع التي حذّر منها المجتمع الدولي مراراً دون أن يوقفها.

شارك