شهيد المعمودية..افريقيا الوسطى تودع الشهيد الأب كريسبين مارتال

الإثنين 06/يوليو/2026 - 10:46 ص
طباعة شهيد المعمودية..افريقيا روبير الفارس
 
 

في بلدٍ أنهكته الحروب الأهلية والانقسامات المسلحة، لم يحمل الأب كريسبين مارتال مونغا سلاحًا، بل حمل الإنجيل، وجعل من المصالحة رسالته، ومن خدمة الفقراء واللاجئين رسالته اليومية. لكن الطريق الذي سار فيه لعقود انتهى برصاصة في الرأس، ليصبح أحدث شهداء الكنيسة الكاثوليكية في إفريقيا الوسطى.

قبل ساعات قليلة من اغتياله، كان الأب كريسبين يقف أمام جرن المعمودية، يمنح 175 شخصًا سرّ العماد، في مشهد يلخص رسالته الكهنوتية القائمة على منح الحياة والرجاء. وبعد انتهاء الاحتفال، وأثناء عودته على الطريق الرابط بين نقطة تفتيش عسكرية ومقر الرعية، تعرض لإطلاق نار أرداه قتيلًا.

لم يكن مقتله مجرد جريمة عادية، بل ضربة لرجل عُرف بأنه أحد أبرز صناع السلام في منطقته.

 وسيط بين المتحاربين

خلال سنوات خدمته، لم يكتفِ الأب كريسبين بالعمل الرعوي داخل الكنيسة، بل انخرط في جهود الوساطة بين الجماعات المسلحة والسلطات المحلية، ساعيًا إلى وقف دوامة العنف التي تعصف بإفريقيا الوسطى منذ أكثر من عقد.

كما كرّس جانبًا كبيرًا من خدمته لرعاية آلاف اللاجئين والنازحين الذين فقدوا منازلهم بسبب النزاعات، مقدمًا لهم الغذاء والمأوى والدعم الروحي، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين رمزًا للرجاء في منطقة يكاد اليأس يسيطر عليها.

ولذلك، وصفه أسقف الأبرشية بأنه "صوت سلام"، مؤكدًا أن "وفاته يجب ألا تذهب سدى"، وأن الرسالة التي عاش من أجلها ينبغي أن تستمر، مستشهدًا بكلمات الإنجيل: "إن حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبق وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير."

 الإرهاب في إفريقيا الوسطى.

تُعد جمهورية إفريقيا الوسطى واحدة من أكثر دول العالم هشاشة أمنيًا، فمنذ عام 2013 تعيش البلاد دوامة من الصراع بين جماعات مسلحة متعددة، بعضها يتخذ طابعًا دينيًا أو عرقيًا، بينما تسيطر أخرى على مناطق واسعة بحثًا عن النفوذ والثروات الطبيعية، خصوصًا الذهب والماس.

ورغم توقيع اتفاقات سلام متكررة، لا تزال عشرات الفصائل المسلحة تنشط في أنحاء البلاد، وتستهدف المدنيين، وتحرق القرى، وتنفذ عمليات خطف وقتل وابتزاز، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف داخل البلاد وخارجها.
وفي هذا الواقع المضطرب، أصبحت الكنيسة الكاثوليكية، إلى جانب الكنائس المسيحية الأخرى، واحدة من أهم المؤسسات الإنسانية التي توفر التعليم والرعاية الصحية والإغاثة، وهو ما جعل رجال الدين في كثير من الأحيان أهدافًا مباشرة للعنف.

 الكنيسة في قلب الأزمة

لم يكن الأب كريسبين أول رجل دين يُقتل في إفريقيا الوسطى، فقد تعرض عدد من الكهنة والراهبات والعاملين في المجال الكنسي خلال السنوات الماضية للاغتيال أو الاختطاف أثناء أداء رسالتهم، في ظل الانفلات الأمني واتساع نفوذ الجماعات المسلحة.

ومع ذلك، واصلت الكنيسة لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، وأسهمت في مبادرات الحوار الوطني والمصالحة، معتبرة أن السلام لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

 شهيد المصالحة

يرى كثيرون أن استشهاد الأب كريسبين يلخص واقع الكنيسة في إفريقيا اليوم؛ كنيسة لا تكتفي بإقامة الصلوات، بل تعيش وسط الناس، وتشاركهم آلامهم، وتدفع أحيانًا ثمن هذا الحضور.

فالرجل الذي عمد 175 مؤمنًا في يومه الأخير، كان يعلم أن رسالته ليست سهلة، لكنه اختار البقاء إلى جانب شعبه حتى النهاية.

وهكذا، رحل الأب كريسبين مارتال مونغا، لكن اسمه انضم إلى قائمة طويلة من رجال ونساء الكنيسة الذين آمنوا بأن السلام يستحق أن يُدفع ثمنه، حتى لو كان هذا الثمن هو الحياة نفسها.

شارك