رحيل آخر الناجيات... ماري فارتانيان تطوي صفحة الشهود الأحياء على الإبادة الأرمنية
الثلاثاء 07/يوليو/2026 - 08:18 ص
طباعة
روبيرالفارس
برحيل ماري فارتانيان عن عمر ناهز 112 عامًا، يفقد العالم واحدة من آخر الشهود الأحياء على الإبادة الجماعية الأرمنية، تلك المأساة التي ما زالت تُعدّ من أكثر أحداث القرن العشرين إثارةً للجدل والألم. لم تكن ماري مجرد معمّرة تجاوزت القرن، بل كانت ذاكرةً إنسانية حملت في تفاصيل حياتها شهادةً على واحدة من أكبر الكوارث التي تعرّض لها الشعب الأرمني.
وُلدت ماري عام 1914 في مدينة عينتاب التاريخية، التي كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية، ولم يتجاوز عمرها عامًا واحدًا عندما بدأت عمليات التهجير والقتل الجماعي بحق الأرمن عام 1915. نجت الطفلة الصغيرة مع أفراد من أسرتها من رحلة الموت، بينما فقد آلاف الأطفال والنساء والرجال حياتهم خلال مسيرات التهجير القسري نحو صحارى سوريا وبلاد الرافدين.
تنقلت ماري بعد ذلك بين سوريا ولبنان، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة، حيث أقامت لعقود في مدينة واترتاون بولاية ماساتشوستس، إحدى أبرز مراكز الجالية الأرمنية الأمريكية. وهناك كرّست حياتها لعائلتها وكنيستها ومجتمعها، واشتهرت بحياكة السجاد والأعمال اليدوية، كما شاركت في الأنشطة الثقافية والكنسية التي هدفت إلى الحفاظ على الهوية الأرمنية ونقل ذاكرة الإبادة إلى الأجيال الجديدة.
وكانت تؤكد دائمًا أن سرّ حياتها الطويلة يكمن في الإيمان والصلاة والعمل اليومي، وظلت حتى سنواتها الأخيرة حريصة على التذكير بأن التاريخ لا ينبغي أن يُنسى، وأن العدالة تبدأ بحفظ الذاكرة.
الإبادة
بدأت الإبادة الجماعية الأرمنية في 24 أبريل 1915، عندما أقدمت السلطات العثمانية على اعتقال مئات المثقفين والزعماء الأرمن في القسطنطينية، في خطوة اعتُبرت بداية حملة واسعة استهدفت الوجود الأرمني داخل الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.
وخلال الأعوام بين 1915 و1917، تعرّض الأرمن لعمليات قتل جماعي، وإعدامات ميدانية، وتهجير قسري عبر مسيرات طويلة في ظروف قاسية نحو الصحراء السورية، حيث مات مئات الآلاف بسبب الجوع والعطش والأوبئة والعنف. وتقدّر غالبية الدراسات التاريخية أن عدد الضحايا بلغ نحو مليون ونصف مليون أرمني، إضافة إلى تهجير مئات الآلاف من الناجين الذين شكّلوا لاحقًا نواة الشتات الأرمني في مختلف أنحاء العالم.
وتعدّ هذه الأحداث أول إبادة جماعية كبرى في القرن العشرين وفق توصيف عدد كبير من المؤرخين والبرلمانات والمؤسسات الدولية، فيما لا تزال الحكومة التركية ترفض وصف ما جرى بأنه "إبادة جماعية"، وتؤكد أن الوفيات وقعت في سياق الحرب والاضطرابات الداخلية، وهو ما يبقي الملف محل خلاف سياسي وتاريخي حتى اليوم.
ذاكرة لا تموت
رغم مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث، لا تزال الإبادة الأرمنية حاضرة بقوة في الوجدان الأرمني. ففي كل عام، يحيي الأرمن في مختلف أنحاء العالم ذكرى 24 أبريل بإقامة الصلوات والمسيرات ووضع أكاليل الزهور على النصب التذكارية، تأكيدًا على حق الضحايا في التذكّر، والمطالبة بالاعتراف الكامل بما حدث.
ومع رحيل ماري فارتانيان، تتناقص أعداد الشهود المباشرين الذين عاشوا تلك المأساة، لتنتقل مسؤولية حفظ الذاكرة من الناجين إلى الوثائق والمؤرخين وأحفاد الضحايا. وبينما يغيب آخر الشهود واحدًا تلو الآخر، يبقى السؤال حاضرًا: كيف يمكن للتاريخ أن يحفظ الحقيقة عندما يرحل من عاشوها؟
لقد رحلت ماري فارتانيان، لكن قصتها تذكّر العالم بأن المآسي الإنسانية لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضًا بالذاكرة التي يتركها الناجون، وبالواجب الأخلاقي في نقلها إلى الأجيال المقبلة حتى لا تتكرر مثل هذه الكوارث مرة أخرى.
