ملف الانشقاق .. اسرار حرمان الفاتيكان لجماعة القديس بيوس العاشر
الثلاثاء 07/يوليو/2026 - 08:25 ص
طباعة
روبيرالفارس
عاد الجدل مجددًا حول العلاقة بين الفاتيكان وجماعة القديس بيوس العاشر، بعد إعلان الجماعة رفضها الاعتراف بالحرمانات الكنسية التي صدرت بحق أساقفتها، معتبرة أنها «باطلة وغير عادلة». لكن ما قصة هذه الحرمانات؟ وما الذي تعنيه كنسيًا؟ ولماذا ما زالت القضية قائمة بعد عقود؟
تعود جذور الأزمة إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما أسس رئيس الأساقفة الفرنسي مارسيل لوفيفر جماعة القديس بيوس العاشر، اعتراضًا على بعض الإصلاحات التي أقرها المجمع الفاتيكاني الثاني، ولا سيما ما يتعلق بالليتورجيا، والحوار المسكوني، والعلاقة مع العالم المعاصر. ورغم استمرار الجماعة داخل الكنيسة في بداياتها، فإن الخلاف مع الكرسي الرسولي أخذ يتسع عامًا بعد عام.
بلغت الأزمة ذروتها عام 1988، عندما أقدم لوفيفر على رسامة أربعة أساقفة من دون الحصول على التفويض الإلزامي من البابا، وهو ما يعد، بحسب القانون الكنسي الكاثوليكي، مخالفة خطيرة تمس وحدة الكنيسة وسلطتها. وعلى إثر ذلك أعلن يوحنا بولس الثاني أن لوفيفر والأساقفة الأربعة قد تعرضوا للحرمان الكنسي التلقائي، واعتبر أن ما جرى يمثل عملًا انشقاقيًا ألحق ضررًا بوحدة الكنيسة.
ماذا يعني الحرمان الكنسي؟
الحرمان الكنسي لا يعني طرد الشخص من الكنيسة أو الحكم على خلاصه الأبدي، بل هو أشد العقوبات الكنسية، ويهدف إلى دعوة الشخص إلى التوبة والعودة إلى الشركة الكاملة مع الكنيسة. ويترتب عليه منع الشخص من ممارسة بعض الحقوق الكنسية، مثل الاحتفال بالأسرار أو تولي وظائف كنسية بصورة مشروعة، إلى أن تزول أسباب العقوبة.
ورغم الحرمان، ظل الأساقفة الذين رُسموا عام 1988 أساقفة من الناحية الأسرارية، لأن رسامتهم تُعد صحيحة من حيث السر، لكنها غير مشروعة قانونيًا بسبب غياب الإذن البابوي.
رفع الحرمان... لكن الأزمة لم تنتهِ
في عام 2009، اتخذ بندكتس السادس عشر خطوة مصالحة مهمة، فرفع الحرمان الكنسي عن الأساقفة الأربعة، موضحًا أن الهدف هو فتح باب الحوار وإزالة العقبات أمام استعادة الوحدة الكاملة مع الجماعة.
غير أن البابا شدد في الوقت نفسه على أن رفع الحرمان لا يعني تسوية الوضع القانوني للجماعة، ولا منحها اعترافًا كنسيًا كاملًا. فالجماعة بقيت من دون وضع قانوني داخل الكنيسة، ولا يمارس رجال دينها خدمتهم بصورة قانونية، بسبب استمرار الخلافات العقائدية والكنسية مع الكرسي الرسولي.
وخلال حبريتي فرنسيس ولاون الرابع عشر استمرت الدعوات إلى الحوار، مع اتخاذ بعض الإجراءات الرعوية التي هدفت إلى تسهيل عودة المؤمنين المرتبطين بالجماعة إلى الشركة الكاملة مع الكنيسة، دون أن يعني ذلك إنهاء الخلاف القائم.
لماذا عاد الملف إلى الواجهة؟
تجددت الأزمة بعد قيام الجماعة برسامة أساقفة جدد من دون الحصول على موافقة بابوية، وهو ما تعتبره الكنيسة الكاثوليكية مخالفة جسيمة قد تترتب عليها عقوبات كنسية جديدة، لأنها تمس مبدأ الشركة مع خليفة القديس بطرس ووحدة الكنيسة.
من جهتها، تؤكد الجماعة أن هذه الرسامات تمثل «حالة ضرورة» هدفها الحفاظ على التقليد الكاثوليكي وتأمين الخدمة الرعوية للمؤمنين، وترفض الاعتراف بأي عقوبات تصدر بسببها، معتبرة أنها إجراءات استثنائية لخلاص النفوس.
أما الفاتيكان، فيؤكد أن الحفاظ على التقليد لا يمكن أن يتم خارج إطار الطاعة الكنسية والشركة مع البابا، وأن أي رسامة أسقفية تتم من دون التفويض البابوي تُعد عملًا غير مشروع يهدد وحدة الكنيسة.
وبذلك تبقى قضية جماعة القديس بيوس العاشر واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية المعاصر؛ فهي تجمع بين خلافات لاهوتية وقانونية ورعوية، وبين رغبة متكررة من الكرسي الرسولي في استعادة الوحدة، وإصرار الجماعة على مواقفها التقليدية، مما يجعل المصالحة الكاملة هدفًا لم يتحقق بعد.
