إيران تسعى لترسيخ نفوذها في مضيق هرمز.. هل ينهار التفاهم مع الولايات المتحدة؟

السبت 11/يوليو/2026 - 11:23 ص
طباعة إيران تسعى لترسيخ
 
دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لتتحول إلى صراع على مستقبل إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
 فبعد انتهاء العمليات العسكرية والتوصل إلى تفاهم مؤقت بين الجانبين، بدأت طهران، وفق تقديرات تحليلية، في توظيف نفوذها الذي اكتسبته خلال الحرب من أجل تثبيت دور سياسي وقانوني دائم في إدارة المضيق، وهو ما يهدد بإعادة إشعال التوتر مع واشنطن ودول الخليج. 
وفي هذا السياق، نشر مركز ستيمسون (Stimson Center) تقريرًا تحليليًا تناول أبعاد هذا التحول وانعكاساته على أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

تصاعد التوتر يهدد اتفاق واشنطن وطهران

يرى التقرير أن الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو لخفض التصعيد بات يواجه اختبارًا حقيقيًا، بعدما استمرت الهجمات الإيرانية على السفن التجارية التي لم تلتزم بما تصفه طهران بـ"سلطة مضيق الخليج"، إلى جانب استهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين.

وبحسب التقرير، دفع هذا التصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إلغاء الإعفاءات التي كانت تسمح لإيران بتصدير النفط، مع إصدار أوامر بتنفيذ ضربات ضد منشآت عسكرية إيرانية على الساحل، قبل أن يلمح لاحقًا إلى أن مذكرة التفاهم مع طهران ربما فقدت جدواها.

ويشير التقرير إلى أن هذه التطورات جاءت بعد فشل الجهود الأولى لإعادة حرية الملاحة إلى طبيعتها، رغم إطلاق المنظمة البحرية الدولية، في 23 يونيو، ممرًا ملاحيًا مؤقتًا لتسهيل خروج آلاف البحارة والسفن العالقة في الخليج، بدعم من إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة ودول الخليج وقطاع النقل البحري.

واعتمدت المبادرة على تنظيم حركة السفن عبر ممرين، أحدهما في المياه الإيرانية والآخر في المياه العمانية، بهدف تقليل الازدحام وتجنب الألغام البحرية التي زرعت خلال الحرب.

ورغم نجاح الخطة في الأيام الأولى بخروج أكثر من 130 سفينة ونحو ثلاثة آلاف بحار، فإنها توقفت سريعًا بعد تعرض سفن تجارية لهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية، ما أعاد المخاطر إلى مستوياتها السابقة ودفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات جديدة استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة والرادارات الساحلية الإيرانية.

المفاوضات والضغط العسكري.. استراتيجية إيرانية متوازية

بحسب تحليل مركز ستيمسون، تعتمد إيران على مسارين متوازيين؛ الأول دبلوماسي يقوم على التفاوض مع سلطنة عمان بشأن مستقبل إدارة مضيق هرمز، والثاني عسكري يعتمد على استمرار الضغط عبر استهداف الملاحة البحرية.

ويوضح التقرير أن أول اجتماع رسمي بين مسقط وطهران بشأن إدارة المضيق عُقد بالتزامن مع إطلاق الممر الملاحي المؤقت، وناقش وضع إطار لتنظيم الخدمات البحرية والمساعدات الملاحية وآليات إدارتها مستقبلاً.

لكن استمرار الهجمات على السفن التجارية، بالتزامن مع هذه المفاوضات، يعكس -وفق التقرير- رغبة إيران في توجيه رسالة مفادها أن أي ترتيبات مستقبلية للملاحة لن تكون قابلة للتطبيق من دون موافقتها.

ويرى التقرير أن هذا الأسلوب يمنح طهران فرصة لمواصلة التفاوض من موقع قوة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدرتها على تعطيل الملاحة إذا لم تتحقق مطالبها.

مضيق هرمز.. من ورقة ضغط إلى مشروع نفوذ دائم

يشير التقرير إلى أن إيران استخدمت مضيق هرمز لعقود كأداة للضغط السياسي، لكنها لم تصل قبل الحرب الأخيرة إلى مرحلة السعي لتغيير قواعد إدارة الممر المائي بصورة دائمة.

ويرى التقرير أن الحرب الأخيرة دفعت طهران إلى إعادة تقييم أدوات نفوذها، خاصة بعد تعرض بنيتها العسكرية لضربات واسعة، لتتجه نحو استثمار قدرتها على التأثير في حركة الملاحة باعتبارها إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، تؤكد الدراسة أن المسؤولين الإيرانيين لم يعودوا يتحدثون عن العودة إلى نظام العبور السابق، بل يطالبون بآلية جديدة، بالتنسيق مع سلطنة عمان، تتضمن فرض رسوم على السفن العابرة تحت مسمى "رسوم خدمات".

ويشير التقرير إلى أن إيران اختبرت خلال فترة الحرب نموذجًا مماثلًا من خلال إنشاء هيئة لإدارة المضيق وفرض رسوم مرتفعة على بعض السفن، وتسعى الآن إلى تحويل هذه الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم.

لكن التقرير يلفت إلى أن هذا التوجه يتعارض مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حق المرور في المضائق الدولية، ولا تسمح بفرض رسوم إلا مقابل خدمات بحرية محددة، مثل الإرشاد أو القطر أو صيانة الممرات الملاحية.

سلطنة عمان بين الوساطة والضغوط الإقليمية

يرى التقرير أن سلطنة عمان تواجه تحديًا دبلوماسيًا معقدًا، في ظل محاولتها التوفيق بين المطالب الإيرانية والرفض الإقليمي والدولي لأي تغيير في الوضع القانوني لمضيق هرمز.

وتخشى دول الخليج بحسب التقرير، من أن يؤدي الاعتراف بأي دور تنظيمي دائم لإيران إلى تكريس نفوذها على المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط والتجارة الخليجية، فضلًا عن احتمال استخدام عائدات الرسوم في تعزيز برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما تتشارك الولايات المتحدة والدول الأوروبية المخاوف نفسها، ليس بسبب الرسوم المالية بحد ذاتها، وإنما خشية إضفاء شرعية على سيطرة إيران على ممر بحري دولي بالغ الأهمية.

وفي المقابل، ينظر قطاع الشحن البحري إلى القضية من زاوية مختلفة، إذ يضع أولوية لاستقرار حركة الملاحة وتقليل المخاطر، حتى لو تطلب ذلك التوصل إلى ترتيبات جديدة، شريطة ألا تتعارض مع القانون الدولي.

ويلفت التقرير إلى أن سلطنة عمان طرحت صيغة وسط تقوم على فرض رسوم مقابل خدمات ملاحية فعلية، إلا أن هذا المقترح لم ينجح حتى الآن في تضييق فجوة الخلاف بين الأطراف.

مستقبل مضيق هرمز بين التفاوض والتصعيد

يخلص التقرير إلى أن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب تبدو خيارًا بعيد المنال، إذ لم يعد الخلاف يقتصر على أمن الملاحة، بل امتد إلى مستقبل إدارة المضيق نفسه.

ويرى مركز ستيمسون أن انهيار مبادرة المنظمة البحرية الدولية أثبت أن ضمان سلامة الملاحة لا يمكن فصله عن التنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية.

ويحذر التقرير من أن استمرار إيران في استخدام سياسة الضغط على السفن التجارية قد يمنحها مكاسب تفاوضية مؤقتة، لكنه في الوقت نفسه يقوض الثقة بين الأطراف، ويزيد احتمالات سوء التقدير، ويجعل التوصل إلى تسوية دائمة بشأن مضيق هرمز أكثر صعوبة.

ويرى المراقبون أن التحليل يعكس تحولًا في طبيعة الصراع حول مضيق هرمز، من مواجهة عسكرية إلى منافسة على النفوذ القانوني والسياسي في إدارة الممر البحري.
 كما تشير القراءة إلى أن طهران تسعى إلى استثمار أوراق القوة التي احتفظت بها بعد الحرب لترسيخ دور دائم في تنظيم الملاحة، في حين تتمسك الولايات المتحدة ودول الخليج بالإطار القانوني الدولي الذي يضمن حرية العبور. 
ويؤكد المراقبون أن مستقبل المضيق سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية وحرية الملاحة، بعيدًا عن سياسة التصعيد المتبادل التي تهدد استقرار أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

شارك