جبهة نصرة الإسلام والمسلمين: من "حرب الظل" في الساحل إلى مشروع "طوق جهادي" يطرق أبواب خليج غينيا
الأحد 12/يوليو/2026 - 09:49 ص
طباعة
حسام الحداد
جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، التنظيم الجهادي الأبرز التابع لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، بقيادة أميرها المؤسس إياد آغ غالي. توسّع عملياتي متدرّج من معاقلها التاريخية في شمال ووسط مالي نحو الحدود الشمالية لدول ساحلية لم تكن تُصنَّف تقليدياً ضمن جغرافيا الجهاد الساحلي: بنين وتوجو وساحل العاج وأخيراً نيجيريا. المسار بدأ فعلياً منذ عام 2019 وتسارع بشكل لافت بين عامي 2022 و2025، بالتوازي مع انسحاب القوات الفرنسية والغربية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. بؤرة الحدث الحالية هي المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر (منطقة ليبتاكو-جورما)، إضافة إلى محمية "دبليو-أرلي-بندجاري" الطبيعية المشتركة بين بنين والنيجر وتوجو التي باتت ملاذاً لوجستياً للجبهة. انهيار التنسيق الأمني الإقليمي عقب انسحاب دول الساحل من مجموعة "إيكواس"، وفراغ أمني خلّفه تراجع الدعم الغربي مقابل وجود روسي لم يثبت فعاليته ميدانياً.
مالي كمركز ثقل استراتيجي
في الأسابيع الأخيرة، سجّلت "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) بالتعاون مع "جبهة تحرير أزواد" سلسلة هجمات منسقة طالت مواقع متعددة في مالي، من بينها بورم وباماكو وكاتي وسيفاري وسينو وموبتي، تُوّجت بالسيطرة على مدينة كيدال وأجزاء من مدينة غاو، بينما حاصرت قوات الجبهة والجبهة الحليفة قوات مالية وعناصر من "أفريكا كور" الروسية داخل معسكرها في بلدة أنفيف، ومنعت وصول التعزيزات عبر كمائن على طول الطرق قبل أن تُحكم السيطرة على البلدة بالكامل، في ما تُعد أوسع هجوم تشهده الحرب في مالي منذ تمرد عام 2012.
على عكس الصورة الشائعة لتنظيم يسعى لانتشار عشوائي غير محسوب، تشير دراسة معمّقة لمجموعة الأزمات الدولية إلى أن قيادة الجبهة تتعامل مع التمدد الساحلي بحذر شديد، إذ يخشى قادتها أن يؤدي التوسع المتسارع إلى تفتيت تماسك الحركة الداخلي. ولفهم هذا التناقض، من المفيد استحضار الهيكل التنظيمي الهرمي للجبهة، القائم على ثلاثة مستويات: قيادة مركزية ممثلة بمجلس شورى، ومستوى وسيط يُنظَّم في "مناطق" إدارية و"كتائب"، ومستوى محلي أصغر يضم "مراكز" و"سرايا". محلل عسكري مختص بشؤون غرب أفريقيا وصف هذا التوتر الداخلي بقوله إن قرارات التوسع الإقليمي تُعدّ من أكثر الاختبارات التي تُهدد تماسك الجبهة (المصدر: International Crisis Group، تقرير أفريقيا رقم 321). في المقابل، يرى باحثون في مجلة "أفريقيا ديفنس فورم" أن التمدد ذاته قد يشكّل نقطة ضعف، إذ يُنهك التنظيم موارده البشرية المحدودة (بضعة آلاف مقاتل فقط) ويعرّضه لضربات من منافسه الإقليمي "ولاية غرب أفريقيا" التابع لتنظيم داعش، في ظل تنافس محتدم بين الطرفين على الأراضي وعائدات الجباية غير المشروعة وتجارة الماشية والتهريب في منطقة ليبتاكو-جورما.
بنين وتوجو في عين العاصفة
البيانات المستقاة من قاعدة "أكليد" (ACLED) توثّق تحوّلاً واضحاً في مسرح العمليات: ارتفع عدد الهجمات في شمال بنين من 22 هجوماً عام 2021 إلى 176 هجوماً عام 2024، فيما تضاعف عدد القتلى بين عامي 2022 و2024 من 52 إلى 131 قتيلاً. مركز "IEEE" الإسباني يقدّر أن الجبهة مسؤولة عن نحو 98% من الحوادث المسجلة في هذا التمدد الساحلي، فيما نفّذت "ولاية الساحل" التابعة لداعش خمس هجمات على الأقل في بنين بين عامي 2022 و2024. من جانبه، يوثّق تحليل صادر عن "المجلس الهندي للشؤون العالمية" أن الجبهة نفّذت في 8 يناير 2025 هجوماً دامياً على موقع عسكري محصّن داخل متنزه "دبليو" في بنين أسفر عن مقتل 28 جندياً بنينياً على الأقل، في واحدة من أعنف الهجمات منذ هجوم يوليو 2024 الذي قُتل فيه 12 من حرس المتنزهات قرب نهر مكرو، بينما شهدت توجو هجوماً مماثلاً قرب قرية فانيورغو أودى بحياة ستة جنود.
فراغ أمني وتنافس دولي
من زاوية السياسات الأمنية، تُجمع التحليلات على أن جذور هذا التمدد لا تنفصل عن الانقلابات العسكرية المتعاقبة في مالي (2020-2021) وبوركينا فاسو (2022) والنيجر (2023)، وانسحاب المجموعات الثلاث من "إيكواس" في يناير 2025، وهو ما شلّ قدرة المنطقة على تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن الجماعات المسلحة. وبحسب مركز "ستيمسون"، فإن الاتحاد الأوروبي أغلق آليتيه الأمنيتين الرئيسيتين في الساحل (بعثة التدريب الأوروبية في مالي في مايو 2024، وبعثة "يوكاب" في النيجر في سبتمبر 2024) قبل أن يطلق مبادرة أمنية جديدة موجّهة لدول خليج غينيا نهاية 2023 بهدف معلن هو "مواجهة تداعيات انعدام الأمن الساحلي على دول غرب أفريقيا الساحلية". في المقابل، لم يعوّض الوجود الروسي المتنامي عبر مرتزقة "أفريكا كور" الانسحاب الغربي من الناحية الميدانية، إذ تشير تقييمات متعددة إلى أن السيطرة الإقليمية لهذه الجماعات ووتيرة هجماتها ازدادت منذ الانقلابات، لا سيما في المناطق الريفية بوسط مالي وشمال بوركينا فاسو والمثلث الحدودي.
تأسست "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" في مارس 2017 عبر اندماج أربعة تنظيمات: "أنصار الدين"، و"المرابطون"، و"جبهة تحرير ماسينا"، و"إمارة الصحراء" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، لتبايع تنظيم القاعدة المركزي وتصبح سريعاً أحد أهم فروعه الأفريقية، ويُصنَّفها بعض المتابعين في المرتبة الثانية من حيث النفوذ بعد حركة "الشباب" الصومالية. ومنذ هجومها الأول المُعلن في بنين في ديسمبر 2021 قرب بلدة بورغا الحدودية، استخدمت الجبهة استراتيجية تدريجية قوامها التموضع في المحميات الطبيعية العابرة للحدود، وفرض الجباية على تجارة السلع والأخشاب ولحوم الصيد، وتقديم خدمات محلية وتحكيم في النزاعات القبلية كأداة لكسب الشرعية الاجتماعية، بما يميزها عن نهج "ولاية الساحل" الأكثر اعتماداً على العنف المباشر والاقتصادات الإجرامية.
تتقاطع المؤشرات الميدانية والتحليلية على أن مسار الجبهة لن يتوقف عند حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل يتجه تدريجياً نحو ترسيخ ما يشبه "طوقاً جهادياً" يمتد من الساحل الأوسط إلى سواحل غرب أفريقيا، وإن كانت قيادة الجبهة نفسها تتعامل مع هذا التمدد بحذر يعكس إدراكها لحدود قدرتها التنظيمية. الرهان الأكبر، بحسب التوصيات التي تطرحها مراكز بحثية دولية عدة، لا يكمن في الحل العسكري وحده، بل في إعادة بناء التعاون الاستخباراتي بين دول الساحل والدول الساحلية، ومعالجة الفجوات الحوكمية والاقتصادية التي تستغلها الجبهة لتجنيد المهمّشين، وبخاصة الرعاة الرحّل الذين كثيراً ما تُوجَّه إليهم اتهامات بالتواطؤ مع الجهاديين، ما يغذّي بدوره حلقة العنف والانتقام.
يكشف مسار "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" عن نمط متكرر في أدبيات مكافحة التطرف الدولية: انسحاب القوى الغربية التقليدية لا يُترجم بالضرورة إلى تراجع النفوذ الجهادي، بل قد يفتح المجال أمام فاعلين بديلين (سواء كانت مرتزقة روسية أو جيوشاً وطنية منهكة) غير قادرين على ملء الفراغ الأمني بالفعالية ذاتها. كما يُظهر تباين مقاربات الجبهة بين "الساحل الأم" و"الجبهة الساحلية" أن التنظيمات الجهادية المعاصرة باتت أكثر مرونة تكتيكية من الصورة النمطية المتداولة عنها، إذ توازن بين طموح التوسع الجغرافي وضرورة الحفاظ على التماسك التنظيمي الداخلي — وهو ما يجعل من "احتواء" هذا النوع من التهديدات مهمة أكثر تعقيداً من مجرد المواجهة العسكرية المباشرة.
