إرهاب القرن الإفريقي: معركة الأثير والحدود الرخوة
الإثنين 13/يوليو/2026 - 11:20 ص
طباعة
حسام الحداد
تمثل تكتيكات مكافحة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي نموذجا حيا لتعقد البيئات الأمنية المعاصرة، حيث لم تعد المواجهات العسكرية التقليدية كافية لتقويض الحركات المسلحة ذات الصبغة الديناميكية اللامركزية. ففي مسرح العمليات الصومالي الذي يتسم بسيولة جغرافية وقبلية بالغة، تتداخل خطوط المواجهة البرية المباشرة مع استراتيجيات الاحتواء الجوي الممنهج. ومع بزوغ منتصف العقد الحالي، وتحديدا في 13 يوليو 2026، باتت استراتيجيات التنسيق الأمني بين الشركاء الدوليين والقوى المحلية تواجه تحديا بنيويا يفرض مراجعة نقدية شاملة للآليات المتبعة؛ إذ إن الاعتماد المستمر على تفكيك التهديدات من خلال الضربات الموضعية لم ينجح في استئصال شأفة التطرف، بل حوله إلى ظاهرة مرنة قادرة على التكيف والالتفاف حول الضغوط العسكرية عبر استغلال الصدوع السياسية والمجتمعية.
وتأسست المقاربات الأمنية الراهنة في الصومال على صيغة "المواجهة الارتدادية"، والتي توازن جاهدة بين تطوير المنظومة الاستخباراتية والقوقائية للقوات الصومالية على الأرض، وبين النفوذ الجوي الضارب لطائرات المسيرات الأمريكية. غير أن هذه الصيغة باتت تولد إشكاليات استراتيجية جديدة؛ فرغم توالي التقارير الرسمية التي تعلن إحباط العمليات الانتحارية الكبرى وتصفية المجموعات المسلحة في مخابئها، فإن هذه المكتسبات تظل ذات طابع تكتيكي مؤقت. إن المشهد الحالي يؤشر إلى غياب الرؤية المستدامة التي تضمن تحويل النجاح العسكري إلى استقرار مؤسسي، مما يدفع كبريات مراكز الفكر والمنصات التحليلية إلى التحذير من مغبة الاكتفاء بـ "إدارة الأزمة" سياسيا وعسكريا، بينما تمتلك التنظيمات المتطرفة — وفي مقدمتها حركة "الشباب" المرتبطة بتنظيم القاعدة — قدرات لوجستية وتجنيدية تتيح لها إعادة التموضع في الفضاءات الرخوة وتجاوز أعنف الحملات الجوية.
الصومال والقرن الإفريقي:
يظهر النجاح الأخير الذي حققته قوات الأمن الصومالية في إحباط عملية انتحارية كانت حركة "الشباب" المتطرفة تخطط لتنفيذها في مدينة "بلدوين" الاستراتيجية، تطورا نسبيا في كفاءة الجهد الاستخباراتي البشري والوقائي على الأرض. ومع ذلك، فإن النظرة التحليلية العميقة لهذا الحدث تكشف أن اختيار حركة الشباب لمدينة بلدوين — التي تعد مركزا حيويا يربط وسط الصومال بجنوبه — يعكس إصرار الحركة على ضرب مراكز الثقل الحضري لإثبات قدرتها على اختراق الطوق الأمني الحكومي، وهزيمة مفهوم "الأمن المستدام" في المناطق المستعادة.
إن إعلان وزارة الدفاع الصومالية عن مقتل ما لا يقل عن 26 مسلحا من عناصر الحركة إثر غارات جوية منسقة استهدفت معاقلهم في منطقة "شبيلى الوسطى"، يمثل بلا شك ضربة تكتيكية موجعة لبنيتها القتالية الفورية. لكن نقديا، فإن تكرار رصد تجمعات كبيرة للمسلحين في مناطق مثل شبيلى الوسطى — وهي مناطق قريبة نسبيا من العاصمة مقديشو — يؤكد أن الحركة لا تزال تحتفظ بحرية حركة عالية وبنية تحتية لوجستية قوية تتيح لها تجميع قواها وإعادة الانتشار رغم الضغط العسكري المتواصل عليها منذ سنوات.
تبرز هنا إشكالية "الإنعاش العملياتي" التي تتقنها حركة الشباب؛ فالتنظيم يعتمد على هيكلية مرنة تعوض الخسائر البشرية بسرعة عبر التجنيد القسري في المناطق الريفية التي لا تزال خاضعة لسيطرته الرمادية. بالتالي، فإن تحجيم التهديد من خلال إحصاء عدد القتلى في الغارات الجوية يعد مؤشرا مضللا في حروب العصابات، حيث لا تقاس كفاءة الحركة بقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، بل بقدرتها على البقاء كقوة استنزاف مستمرة تستغل غياب التنمية والخدمات الحكومية في الأطراف.
من زاوية نقدية أخرى، يلاحظ أن إحباط العمليات في المدن الكبرى مثل بلدوين يتزامن غالبا مع تصعيد الحركة لعملياتها في الأرياف والممرات الاقتصادية الحيوية عبر فرض الإتاوات وحصار البلدات. هذا السلوك يعكس تكتيك "الأواني المستطرقة"، حيث يؤدي الضغط الأمني في نقطة جغرافية معينة إلى انتقاله الفوري إلى نقطة أخرى أكثر رخاوة، مستغلا النقص العددي واللوجستي في صفوف الجيش الوطني الصومالي الذي يجد نفسه مجبرا على توزيع قواته على مساحات شاسعة وجبهات مفتوحة ومتعددة.
ويخلص التحليل النقدي للمشهد الميداني في الصومال إلى أن العمليات الدفاعية والاستباقية للقوات الصومالية، برغم أهميتها القصوى لمنع الكوارث الإنسانية، تظل تدور في حلقة مفرغة من "إدارة الأزمة" بدلا من "حلها". إن الانتقال من مرحلة إحباط الهجمات إلى مرحلة التفكيك الكامل لبنية حركة الشباب يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز البعد العسكري البحت، لتشمل بسط سلطة الدولة السيادية والمؤسسية، وتقديم بدائل اقتصادية للشباب المستقطب، ومعالجة الصراعات القبلية المحلية التي تستغلها الحركة بذكاء لترسيخ نفوذها.
الولايات المتحدة وإعادة التموضع العسكري
يمثل التقرير الصادر عن مجلة Long War Journal، والذي رصد إعادة تركيز الولايات المتحدة لحملتها الجوية عبر الطائرات المسيرة المتطورة (Reaper Drones) في الصومال، اعترافا ضمنيا بعودة التهديد الذي تشكله حركة الشباب كأخطر الفروع الإقليمية لتنظيم القاعدة عالميا. نقديا، تكشف إعادة التموضع العسكري هذه عن تراجع الرهان الأمريكي على قدرة القوات البرية المحلية والإقليمية (مثل قوات الاتحاد الإفريقي) على حسم المعركة بمفردها، مما يضطر واشنطن للتدخل المباشر عبر سلاح الجو لمنع انهيار التوازنات العسكرية على الأرض.
إن الهدف المعلن لهذه الغارات المكثفة — وهو شل القدرات القيادية واللوجستية لحركة الشباب — يواجه معضلة نقدية كبرى تتعلق بـ "الهياكل البديلة" للتنظيمات المتطرفة. لقد أثبتت التجربة التاريخية لحرب الطائرات المسيرة في الصومال واليمن أن تصفيات القيادات العليا والوسطى عبر ضربات دقيقة لا تؤدي إلى تفكيك التنظيم، بل تفرز قيادات جديدة غالبا ما تكون أكثر راديكالية وتصميما، حيث تمتلك حركة الشباب نظاما صارما للاستخلاف القيادي يحميها من التصدع البنيوي عند خسارة رموزها.
بالإضافة إلى ذلك، تثير حملات الطائرات المسيرة "Reaper Drones" إشكالية الاعتماد المفرط على الحلول التكنولوجية العسكرية لمعالجة أزمات ذات جذور سياسية واجتماعية معقدة. فالضربات الجوية، مهما بلغت دقتها الاستخباراتية، تظل عاجزة عن تدمير الفكر الأيديولوجي للحركة أو تجفيف منابع تمويلها المحلي القائم على الابتزاز وشبكات التهريب الرمادية؛ بل إنها في بعض الأحيان قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا ما تسببت في وقوع أضرار جانبية أو خسائر مدنية، مما يمنح الحركة مادة دعائية دسمة لاستدرار التعاطف القبلي وتبرير عملياتها الانتقامية.
من الناحية الاستراتيجية، تكشف هذه الورقة النقدية أن التركيز الأمريكي على تدمير المفاصل اللوجستية للشباب عبر الجو يعالج العرض وليس المرض. فالحركة تستمد مرونتها اللوجستية من قدرتها على التغلغل في الفراغات الأمنية الممتدة عبر الحدود الرخوة بين الصومال وكينيا وإثيوبيا. وبدون وجود استراتيجية إقليمية منسقة لضبط الحدود وتجفيف منابع الدعم الخارجي العابر للبحار (مثل تهريب السلاح عبر اليمن)، فإن غارات المسيرات لن تتعدى كونها مسكنات موضعية تؤجل الانفجار الأمني ولا تمنعه.
بناء على ذلك، يتضح أن المقاربة الأمريكية لإعادة التموضع العسكري في القرن الإفريقي تظل أسيرة "منظور الحماية الأمنية الضيقة" التي تسعى لمنع تحول الصومال إلى منصة لشن هجمات عابرة للقارات، دون الاهتمام ببناء سلام داخلي حقيقي. إن حصر الجهد الدولي في سماء الصومال عبر الطائرات بدون طيار يكرس حالة من "الجمود الاستراتيجي"، حيث تعجز الحكومة عن الحسم وتعجز الحركة عن السيطرة الكاملة، ليبقى القرن الإفريقي رهينة حرب استنزاف مفتوحة يدفع ثمنها الاستقرار الإقليمي بأكمله.
الخاتمة
تأسيسا على القراءة النقدية التحليلية لمعطيات الميدان ومعادلات إعادة التموضع العسكري، يصبح من الجلي أن استراتيجية مكافحة الإرهاب في القرن الإفريقي تقع حاليا في فخ "الجمود الاستراتيجي" المستدام، حيث يمتلك التحالف الدولي-المحلي القدرة على منع السقوط، لكنه يفتقر إلى أدوات الحسم الشامل. إن حصر المواجهة في سماء الصومال عبر طائرات "Reaper" وتتبع أعداد القتلى في الأرياف يعالج المظاهر السطحية للأزمة ويتجاهل جذورها العميقة الكامنة في غياب التنمية، والتوترات القبلية، والحدود الرخوة. ولن يتأتى الخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بصياغة عقيدة أمنية جديدة تدمج العمل العسكري بالبناء المؤسسي والسيادي للدولة، لقطع الطريق أمام تكتيك "الأواني المستطرقة" الذي تتقنه حركة الشباب، وتحويل القرن الإفريقي من ساحة استنزاف مفتوحة إلى إقليم مستقر وقادر على حماية أمنه القومي بذاته.
