«الاضطهاد المهذّب»... الوجه الجديد لتقييد الحرية الدينية في العالم

الإثنين 13/يوليو/2026 - 11:30 ص
طباعة «الاضطهاد المهذّب»... روبير الفارس
 


حذّر المطران  إيتوري باليستريرو، المراقب الدائم للفاتيكان لدى الأمم المتحدة في جنيف، من تنامي ما وصفه بـ«الاضطهاد المهذّب»، معتبراً أنه أحد أخطر التحديات التي تواجه الحرية الدينية في العصر الحديث. وأوضح، في كلمة ألقاها أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أن هذا النمط من الاضطهاد لا يعتمد على السجون أو التعذيب أو القتل، بل يتسلل عبر القوانين والإجراءات الإدارية والضغوط الاجتماعية والثقافية، لينتهي إلى تهميش المؤمنين وإقصائهم تدريجياً من المجال العام.

وقال باليستريرو إن هذا النوع من الاضطهاد «أكثر انتشاراً مما يعتقد كثيرون»، لأنه لا يلفت الانتباه كما تفعل الحروب أو الهجمات الإرهابية، لكنه يؤدي إلى النتيجة نفسها، وهي تقييد حرية الإنسان في ممارسة معتقده والتعبير عنه. وأضاف أن المسيحيين في عدد من البلدان يواجهون عراقيل في بناء الكنائس والمدارس والمؤسسات، أو يتعرضون لقيود بسبب هويتهم الدينية، أو يُمنعون من بعض أشكال التعبير العلني عن إيمانهم.
ويُقصد بمصطلح «الاضطهاد المهذّب» مجموعة من الممارسات التي تبدو قانونية أو إدارية أو اجتماعية في ظاهرها، لكنها تُستخدم بصورة تؤدي إلى الحد من ممارسة الحرية الدينية. فهو لا يظهر في صورة اعتقالات جماعية أو حملات عنف، وإنما عبر قرارات أو سياسات تجعل ممارسة الإيمان أكثر صعوبة، وتدفع الأفراد والمؤسسات الدينية إلى الانسحاب من الحياة العامة أو ممارسة نوع من الرقابة الذاتية.
ويؤكد خبراء في القانون الدولي أن هذا النمط يمثل تحدياً خاصاً، لأنه يصعب إثباته مقارنة بأشكال الاضطهاد التقليدية، إذ غالباً ما يُبرر بشعارات مثل الحياد أو التنظيم الإداري أو مكافحة التمييز، بينما تكون آثاره الفعلية متمثلة في تقليص الحضور الديني وإضعاف دوره في المجتمع.
وتتعدد صور هذا الاضطهاد، فقد يتمثل في تأخير أو رفض منح تراخيص لبناء الكنائس أو المؤسسات التعليمية والخيرية، أو فرض قيود إدارية معقدة على عملها، أو استبعاد المؤسسات الدينية من بعض أوجه النشاط العام بسبب هويتها الدينية.
كما قد يظهر في بيئات العمل، عندما يتعرض موظفون لضغوط للتخلي عن التعبير عن معتقداتهم، أو يُحرمون من فرص الترقية بسبب التزامهم الديني، أو يُطلب منهم مخالفة ضمائرهم في قضايا أخلاقية تتعارض مع معتقداتهم.
وفي المجال التعليمي، قد تواجه المدارس والجامعات ذات الهوية الدينية ضغوطاً لتغيير مناهجها أو سياساتها الداخلية، بما يتعارض مع رسالتها، مقابل استمرار الاعتراف بها أو حصولها على التمويل.
ولا يقتصر الأمر على المؤسسات، بل يمتد إلى الأفراد، إذ قد يصبح ارتداء رمز ديني، أو إعلان موقف مستند إلى الإيمان، أو الدفاع عن قناعة دينية في الفضاء العام سبباً للتشهير أو العزل الاجتماعي أو الملاحقة القانونية في بعض البيئات.
وتشير وقائع السنوات الأخيرة إلى أمثلة متعددة لهذا النمط من التحديات. ففي فنلندا أثارت محاكمة النائبة السابقة والطبيبة المسيحية" بافي رازانن" اهتماماً دولياً بعدما وُجهت إليها اتهامات على خلفية نشرها آراء تستند إلى معتقداتها الدينية، قبل أن تنتهي المحاكم إلى تبرئتها، في قضية اعتبرها كثيرون اختباراً لحدود حرية التعبير الديني.

وفي المملكة المتحدة أُثيرت خلال السنوات الماضية قضايا تتعلق بموظفين أو عاملين في القطاع الصحي والتعليمي واجهوا نزاعات قانونية أو إدارية بسبب ارتداء الصليب أو رفضهم القيام ببعض الممارسات التي تتعارض مع قناعاتهم الدينية، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول التوازن بين سياسات المؤسسات وحرية الضمير.
أما في كندا، فقد انتقدت مؤسسات دينية بعض التشريعات والإجراءات التي رأت أنها تحد من قدرتها على إدارة مدارسها أو مؤسساتها وفق معتقداتها، معتبرة أن بعض السياسات العامة تضيق مساحة الحرية الدينية باسم المساواة أو عدم التمييز.
وفي المقابل، تأخذ الظاهرة أشكالاً أكثر وضوحاً في دول أخرى، حيث تُفرض قيود صارمة على بناء الكنائس أو تسجيلها، أو تُغلق المؤسسات الدينية، أو تُراقب الأنشطة الكنسية بشكل مكثف، كما هو الحال في بعض المناطق في الصين، أو في نيكاراجوا حيث شهدت السنوات الأخيرة تضييقاً واسعاً على الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدين، إضافة إلى استمرار القيود المفروضة على بعض الأقليات الدينية في مناطق مختلفة من العالم.
ويرى المراقب الدائم للفاتيكان لدى الأمم المتحدة أن خطورة «الاضطهاد المهذّب» تكمن في أنه لا يبدأ بالعنف، بل بتقليص مساحة الحرية تدريجياً، حتى يصبح وجود الدين في المجال العام أمراً استثنائياً، ويشعر المؤمن بأنه مضطر إلى إخفاء معتقده أو تجنب التعبير عنه حفاظاً على عمله أو مكانته الاجتماعية.
ويؤكد الفاتيكان أن الحرية الدينية، وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا تقتصر على حرية الاعتقاد في الحياة الخاصة، بل تشمل أيضاً حق الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، فردياً وجماعياً، وفي التعليم والعبادة والممارسة وإقامة المؤسسات، دون خوف من التمييز أو الإقصاء.
ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن مواجهة «الاضطهاد المهذّب» تتطلب يقظة قانونية وحقوقية مستمرة، لأن أخطر ما فيه أنه لا يُحدث ضجيجاً، ولا يترك صوراً صادمة، لكنه يغيّر الواقع ببطء، حتى تصبح الحرية الدينية مجرد حق نظري، بينما تضيق مساحات ممارستها الفعلية يوماً بعد آخر.

شارك