ناجي عبد الله... الكاتب المسلم الذي وجد في المسرح الكنسي رسالة إنسانية

الإثنين 13/يوليو/2026 - 11:37 ص
طباعة  ناجي عبد الله... روبيرالفارس
 




على مدار أكثر من ثلاثة عقود، استطاع الكاتب والمخرج المسرحي ناجي عبد الله أن يصنع تجربة استثنائية داخل المسرح المصري، ليس فقط بما قدمه من عشرات النصوص المسرحية، وإنما أيضًا بكونه واحدًا من أبرز الكتاب المسلمين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمسرح الكنسي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. حيث كتب للمسرح الكنسي أعمالًا أصبحت علامات بارزة، وحصدت جوائز على مستوى مصر والسودان، وشارك في تأسيس وتجهيز أجيال من شباب المسرح داخل الكنائس، دون أن ينظر يومًا إلى اختلاف الهوية الدينية باعتباره عائقًا، بل اعتبر الفن مساحة إنسانية تتجاوز كل التصنيفات.

في هذا الحوار، يتحدث ناجي عبد الله عن رحلته مع المسرح الكنسي، وكواليس دخوله الكنيسة لأول مرة، وأبرز النصوص التي كتبها، والمواقف الصعبة التي واجهها، ورؤيته للعلاقة بين الفن والإيمان والإنسان.
 البداية... عندما فتح المسرح باب الكنيسة
 في البداية... هل كنت تتوقع أن تمتد تجربتك إلى المسرح الكنسي؟

إطلاقًا.
في عام 1996 كنت مثل كثيرين، لم أكن أعرف أصلًا أن هناك ما يسمى بالمسرح الكنسي. لم يكن هذا العالم حاضرًا في ذهني، ولم أتخيل يومًا أن يصبح جزءًا أساسيًا من مسيرتي الفنية.
 كيف بدأت علاقتك بالمسرح الكنسي؟ ومن الذي فتح لك هذا الباب؟

كانت البداية من كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، من خلال فريق مسرحي كان يحمل اسم "أنجل"، وكان مؤسس الفريق ومخرجه ميشيل مهاب.
كان لديهم نص بعنوان "أحلام"، وأرادوا إجراء إعداد مسرحي له، فأسندوا إليّ المهمة. وبعد الانتهاء من الإعداد حقق العرض نجاحًا كبيرًا داخل الكنيسة، وكانت تلك هي نقطة البداية.
في الحقيقة، لم يكن دخولي إلى الكنيسة يحمل أي حساسية. كنت أتعامل مع فريق المسرح، وليس مع المؤسسة الكنسية بصورة مباشرة. فهناك أمين خدمة، وخادم، ثم الأب الكاهن الذي يراجع كل ما يقدم، وبالتالي فإن العمل كان يسير داخل منظومة واضحة ومنظمة.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت أتنقل بين الكنائس لتقديم ورش في الكتابة المسرحية، والإخراج، وإعداد الممثل، وهو أمر ما زلت أمارسه حتى اليوم.

قدمت ورشًا في كنائس شبرا، وشبين القناطر، والجيوشي، وغيرها، وساهمت في تأسيس فرق مسرحية جديدة، وتدريب أجيال من الشباب على الكتابة والتمثيل.

 من الفن إلى الرسالة

 هل كان دخولك إلى المسرح الكنسي بدافع فني أم بدافع إنساني؟
في البداية كان الدافع فنيًا بحتًا.كنت مؤلفًا يكتب ويُعد نصًا مسرحيًا لفريق داخل كنيسة، لا أكثر.
لكن مع مرور الوقت، وبعد أن توالت طلبات الكنائس والمخرجين لكتابة نصوص جديدة، شعرت أن الاستمرار لم يعد مجرد عمل فني، بل أصبح مسؤولية ورسالة.
اكتشفت أن العمل داخل المسرح الكنسي يخضع لما يسمى بالخدمة الكنسية، أي أنه عمل تطوعي لا يرتبط بأي مقابل مادي، لأن الجميع يعتبرون أن الأجر الحقيقي هو الخدمة نفسها.وهنا أدركت أن وجودي لم يكن لتحقيق منفعة شخصية، وإنما للمشاركة في تجربة إنسانية وفنية تستحق الاستمرار.

  كيف استقبلك الوسط الكنسي ككاتب مسلم؟
بكل بساطة... كمواطن بين أهله.
لم أشعر يومًا أنني غريب.
شباب المسرح الكنسي من مخرجين وممثلين وخدام استقبلوني بصورة طبيعية جدًا، كما يحدث في المدرسة أو الجامعة أو الشارع.
أما التحفظ، فقد كان يصدر أحيانًا من بعض المسؤولين عن الخدمة المسرحية أو بعض لجان التحكيم في المهرجانات الكنسية.
وكنت أرى أن قدرًا من التحفظ أمر طبيعي من أي مسؤول يريد الاطمئنان على ما يقدم للشباب، لكن الجميل أن كل نص كنت أكتبه كان يمر على أمين الخدمة ثم الأب الكاهن، فلا يمكن أن يصل إلى الشباب إلا بعد مراجعته بالكامل.
ولهذا كنت أستغرب استمرار بعض التحفظات، بينما كان شباب الكنيسة أنفسهم هم أكثر من يدافع عن هذه التجربة.

 كنيسة الأنبا أنطونيوس... البيت الأول
بعد تجربتي الأولى، جاءت محطة كنيسة العذراء بعياد بك، وهناك بدأت مرحلة جديدة مع فريق "دريم"، الذي كان يقوده وقتها الشاب أمير رفعت، والذي أصبح فيما بعد الي اب كاهن الاب جوناثان 
كان أمير عاشقًا للمسرح، ويمتلك موهبة استثنائية في الإخراج والتمثيل.
قدمنا معًا أعمالًا عديدة، من بينها "الخوف"، و"رداء الموت"، و"يوميات مريم"، واستطعنا أن نحصد معظم جوائز مهرجانات أسقفية الشباب قبل انطلاق مهرجان الكرازة.
كانت تجربة ثرية، جمعت بين الإبداع، والعمل الجماعي، والإيمان بأن المسرح يمكن أن يقدم رسالة إنسانية عميقة دون أن يفقد قيمته الفنية.
# عندما اصطدم المسرح بسوء الفهم

 «كراكيب... تاني مرة»... مسرحية للأطفال أثارت الجدل
 تعرضت بعض أعمالك للاعتراض داخل الكنيسة... ماذا حدث؟
هذا أمر طبيعي، فنحن لسنا في مدينة فاضلة، وأي تجربة حقيقية لا بد أن تواجه اختلافًا في وجهات النظر.
أتذكر أن مسرحية بعنوان «كراكيب... تاني مرة» تعرضت للاعتراض، وهي في الأساس كانت مسرحية موجهة للأطفال، وتحمل رسالة تربوية واضحة.
كانت الفكرة تقوم على عرض الفجوة التي نشأت بين الأطفال والكبار. في المشهد الأول يظهر الأطفال وهم يشكون انشغال الآباء والأمهات والمعلمين والخدام عنهم، فلا يجدون من يستمع إليهم أو يمنحهم وقتًا.
كان الطفل يقول لوالده: «أريد أن أتحدث معك»، فيأتيه الرد: «بعد قليل».
ويقول لوالدته: «أريد أن أخبرك بسر»، فتفشي الأم السر أمام الأب، فيشعر الطفل بأن ثقته قد ضاعت.
ويذهب إلى معلمه أو خادمه طالبًا الاهتمام، فيقابل بالانشغال أو التأجيل.
كانت الرسالة تقول إن الأطفال لا يحتاجون إلى أشياء كثيرة، بل يحتاجون إلى من يصغي إليهم.
ثم يأتي المشهد الثاني، حيث تنقلب الأدوار، فيصبح الكبار أطفالًا، والأطفال هم الكبار، فيعيش الآباء والأمهات والمعلمون المشاعر نفسها التي يعيشها الأبناء كل يوم.
كنا نقول للكبار: تذوقوا ما يشعر به أبناؤكم.
وعندما قدمت المسرحية مع فريق الأطفال، فوجئت بعدد من أولياء الأمور يقولون لنا: «أنتم تقصدون أننا منشغلون بالموبايلات وأولادنا ضاعوا منا.»
وكان ردنا: نعم... هذه هي الرسالة بالفعل.
 لماذا مُنعت المسرحية؟
إذا كانت الرسالة تربوية، فلماذا اعترض البعض عليها؟
كان هناك مشهد تظهر فيه معلمة منشغلة عن التلاميذ، فاعتبر أحد المسؤولين أن ذلك إساءة إلى الهيئة التعليمية، وقرر إيقاف العرض.
وأنا كنت أرى أن هذا فهم غير صحيح لطبيعة الدراما.
فعندما أقدم نموذجًا لمعلمة مقصرة، فهذا لا يعني أنني أتهم جميع المعلمين.
وكما أن الحديث عن موظف مرتشٍ لا يعني اتهام كل الموظفين، فإن وجود شخصية سلبية داخل المسرحية لا يمثل المؤسسة كلها.
هذه ببساطة هي وظيفة النموذج الدرامي.

 «ناجي عبد الله يبعد الشباب عن الكنيسة»!

 هل واجهت اتهامات بسبب طبيعة النصوص التي كنت تكتبها؟

نعم... في بداية الطريق خرج من يقول إن ناجي عبد الله يأخذ الشباب بعيدًا عن الكنيسة لأنه يكتب مسرحًا اجتماعيًا.
وكان ذلك في مطلع الألفية تقريبًا.
الغريب أن الاتهام لم يكن منطقيًا، لأن أي نص مسرحي داخل الكنيسة يمر بمراحل مراجعة واضحة.
النص يقرأه المخرج، ثم أمين الخدمة، ثم الأب الكاهن، ولا يمكن أن يقدم شيء دون موافقة كاملة.
لذلك لم أفهم كيف يمكن اتهامي بتقديم أفكار لا توافق عليها الكنيسة، بينما الكنيسة نفسها كانت توافق على النص قبل عرضه.

 «اكتب لنا مسرحية دينية»
 كيف انتقلت من المسرح الاجتماعي إلى النصوص الكتابية؟
أتذكر أن أمير رفعت قال لي يومًا: «نريد هذه المرة مسرحية دينية.»
قلت له مازحًا: «حاضر... سأكتبها.»
وفي تلك الأيام وقعت بين يدي مطوية صغيرة بعنوان «هذه كانت حياتك».
كانت نبذه  تحكي عن إنسان يموت، ثم يأتي إليه ملاك ويأخذه في رحلة يرى خلالها حياته كلها، بكل ما فيها من أخطاء وخطايا.
كانت مجرد صفحات قليلة، لكنها أثارت خيالي.
قلت لنفسي: لماذا لا تتحول إلى عرض مسرحي مدته نصف ساعة؟
ومن هنا بدأت الرحلة.

قراءة الإنجيل من أجل المسرح
 كيف تعاملت مع النصوص الكتابية؟
أحضرت أكثر من نسخة من الكتاب المقدس، وبدأت أقرأ لقاءات السيد المسيح، وأجمع الآيات المناسبة لكل موقف درامي.
لم أكن أريد أن تكون الآيات مجرد اقتباسات، وإنما جزءًا من البناء الدرامي نفسه.
أتذكر أن أمير رفعت دخل عليّ يومًا، فوجد حولي نسخًا كثيرة من الكتاب المقدس، ومراجع عديدة.
فضحك وقال لي: «هات لي القرآن أقرأه لغاية ما تخلص!»
وضَحِكنا كثيرًا وقتها.
لكن النتيجة كانت أن المسرحية خرجت بالصورة التي تمنيتها.
وفازت بالمركز الأول على مستوى مصر والسودان في مهرجان أسقفية الشباب.

 من نحميا إلى أيوب

 هل فتحت لك هذه التجربة بابًا جديدًا في الكتابة؟
بالتأكيد.بعد نجاح العمل، طلب مني أحد الآباء أن أكتب مسرحية عن سفر نحميا.
بدأت أقرأ السفر بعمق، فاكتشفت شخصية قيادية عظيمة تقود مشروع إعادة بناء أسوار أورشليم، رغم المؤامرات ومحاولات التعطيل.هي شخصية نحميا 
وأعجبتني العبارة الشهيرة التي تلخص التجربة كلها:
«يد تبني... ويد تحمل السلاح.»
بعدها انتقلت إلى سفر أيوب.
وكانت مفاجأة حقيقية بالنسبة لي.
الكثيرون يعرفون أيوب باعتباره رمزًا للصبر، لكن عندما قرأت السفر اكتشفت عملًا دراميًا بالغ العمق.
وجدت الحوار بين الله والشيطان، ثم فقدان الأبناء، والثروة، والصحة، ثم الضربة النفسية التي جاءت من أقرب الناس إليه.
كل ذلك جعلني أرى أن النص الكتابي يحمل ثراءً دراميًا هائلًا، إذا قُرئ قراءة فنية صحيحة.

 عندما أصبحت النصوص مطلوبة

 هل ما زالت نصوصك مطلوبة حتى اليوم؟
نعم.
كثيرًا ما أتلقى اتصالات من شباب في أسيوط وسوهاج ومحافظات أخرى يسألونني عن نصوص مسرحية جديدة.
هناك احتياج حقيقي للنصوص داخل المسرح الكنسي.
ولهذا أفكر منذ فترة في جمع أعمالي المسرحية في سلسلة كتب، بحيث يضم كل كتاب عددًا من النصوص، لتكون متاحة أمام فرق المسرح الكنسي في كل مكان.

النص المسرحي رسالة... لا وعظ

  بعد هذه التجارب، ما أبرز النصوص التي تعتبرها الأقرب إلى قلبك؟

كل عمل كتبته ترك أثرًا بداخلي، لكن هناك نصوصًا أشعر أنها شكّلت علامات مهمة في رحلتي.

منها «هيرودس » مع فريق كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، ثم «المحطة اللي مش جاية»، وبعدها «أسوار أورشليم» المأخوذة عن سفر نحميا، و«يا صبر أيوب» عن سفر أيوب، و«البداية» المستوحاة من لقاءات السيد المسيح مع تلاميذه على جبل الزيتون.
أما العمل الأقرب إلى قلبي حتى الآن فهو «إنها مريم»، الذي كتبته عام 2025، ويتناول السيرة الإنسانية والروحية للسيدة العذراء مريم.
كل هذه الأعمال لم تكن مجرد نصوص دينية، بل كانت محاولات للبحث عن الإنسان داخل النص، وعن القيم التي يمكن أن يخاطب بها المسرح كل مشاهد، بغض النظر عن هويته الدينية.

 ما الموضوعات التي حرصت على تقديمها في المسرح الكنسي؟

القضية بالنسبة لي لم تكن يومًا مجرد كتابة قصة دينية.
كنت مشغولًا دائمًا بالهوية، والقيم الإنسانية، والقضايا الاجتماعية والسياسية، ومحاولة ربط الماضي بالحاضر.
كنت أبحث عن التشابه بين ما جرى قبل آلاف السنين وما يعيشه الإنسان اليوم.
أؤمن أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكشف باستمرار عن الطبيعة الإنسانية، ولذلك كنت أستخرج من النصوص الكتابية ما يمس الإنسان المعاصر، وليس ما يبقى حبيس الزمن القديم.

 كيف توفق بين المرجعية الدينية للنص والبعد الإنساني؟

الأديان جاءت في الأساس لترتقي بالإنسان.وعندما ننطلق من هذا الفهم، يصبح من السهل جدًا أن نقدم قضايا دينية في قالب إنساني وفني، بعيدًا عن الوعظ المباشر أو الشكل التقليدي الذي قد يسبب الملل.
الفن لا ينجح عندما يلقن الجمهور، وإنما عندما يجعله يعيش التجربة ويكتشف الرسالة بنفسه.

  هل فرضت طبيعة المسرح الكنسي أسلوبًا مختلفًا في الكتابة؟

على العكس تمامًا.

أدواتي لم تتغير، لكن تجربتي اتسعت.

المسرح الكنسي أضاف إليّ مرونة أكبر، وثقافة أوسع، ورؤية مختلفة للإنسان وللنص المسرحي.
وأعتقد أن هذه التجربة انعكست على كل ما كتبته بعد ذلك، سواء داخل الكنيسة أو خارجها.

 ما أكثر النصوص التي تركت أثرًا خاصًا؟

أولها «رداء الموت».
المسرحية تناولت رحلة الإنسان بعد الموت والانتقال إلى الأبدية، واعتمدت على عدد كبير من الآيات الكتابية التي جاءت داخل البناء الدرامي، لا باعتبارها اقتباسات، بل باعتبارها جزءًا من الحدث.
فاز العرض بجائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان الكرازة على مستوى مصر والسودان، وهو ما أثار دهشة كثيرين، خاصة أن مؤلف العمل مسلم.
لكن ما أسعدني أكثر من الجوائز هو أن الجمهور تلقى العمل باعتباره مسرحًا جيدًا، قبل أن يسأل عن هوية من كتبه.

 وماذا عن مسرحية «الخوف»؟

«الخوف» كانت تجربة مختلفة تمامًا.
منذ البداية كتبتها بمنهج تجريبي، سواء في البناء أو اللغة أو طريقة تقديم الفكرة.وحصلت أيضًا على المركز الأول.
ومن أكثر اللحظات التي لا أنساها أن الأنبا روفائيل قال بعد مشاهدة العرض إن المسرحية قالت ما تحتاج إليه عشرات العظات لتقوله.
كانت هذه الشهادة بالنسبة لي واحدة من أهم الجوائز المعنوية التي حصلت عليها.

 كيف تنظر إلى المسرح الكنسي اليوم؟
في الماضي، وحتى ثمانينيات القرن الماضي تقريبًا، كان من الممكن أن يُنظر إلى المسرح الكنسي باعتباره مسرحًا دينيًا مغلقًا داخل الكنيسة.
لكن هذا الوضع تغيّر تمامًا.
خرجت العروض إلى الجمهور العام، وشاركت في مهرجانات مسرحية خارج أسوار الكنيسة.
وأتذكر أن مسرحية «هيرودس »، التي قدمها فريق كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، شاركت في مهرجان المسرح العربي الذي نظمته الجمعية المصرية لهواة المسرح.
كما شاركت مسرحية «المحطة اللي مش جاية» في مهرجان «آفاق»، إلى جانب عروض أخرى كثيرة.
كل ذلك يؤكد أن المسرح الكنسي أصبح جزءًا من الحركة المسرحية المصرية، وليس مجرد مسرح يقدم لجمهور الكنيسة فقط.
  ما الذي وجدته في المسرح الكنسي ولم تجده في أماكن أخرى؟
أكثر ما أدهشني هو الاهتمام المنظم بكل المراحل العمرية.
هناك طفل، وناشئ، وشاب، وخريج، ولكل مرحلة برامجها واهتمامها.
أتمنى أن تستفيد مؤسسات الدولة من هذه التجربة في كيفية اكتشاف المواهب ورعايتها.
كذلك لفت انتباهي غياب البيروقراطية.
قد أسلم النص اليوم، وبعد ثلاثة أشهر فقط أجده على خشبة المسرح.
في أماكن أخرى قد ينتظر النص سنوات حتى يرى النور.
هذه الحيوية واحدة من أهم أسباب نجاح المسرح الكنسي واستمراره. «لم يسألني أحد عن ديني»... عندما انتصر الفن على الأحكام المسبقة

  هل تعرضت لانتقادات بسبب كتابتك للمسرح الكنسي؟

طوال ثلاثين عامًا من العمل داخل المسرح الكنسي، كان من الطبيعي أن أتعرض لانتقادات. فحيثما يوجد إنسان، توجد اختلافات في الرأي، ولا يمكن أن يتفق الجميع على شيء واحد.
أنا أنظر إلى الأمر ببساطة؛ فالأنبياء والرسل أنفسهم تعرضوا للرفض والاتهامات، رغم أنهم كانوا يحملون رسالة من الله. لذلك لم أتعامل مع النقد باعتباره عائقًا، بل باعتباره جزءًا طبيعيًا من أي تجربة حقيقية.

 ما أصعب موقف تعرضت له خلال هذه الرحلة؟
من أصعب المواقف التي لا أنساها أن أحد أعضاء لجنة التحكيم في إحدى مسابقات الكرازة رفض منح أحد العروض جائزة أفضل عرض، ليس بسبب مستوى النص أو العرض، وإنما لأن مؤلفه هو ناجي عبد الله... الكاتب المسلم.
كان ذلك مؤلمًا بالنسبة لي، لكن ما خفف عني هو موقف شباب الكنيسة أنفسهم.
اعترضوا على القرار، وطالبوا بإعادة النظر فيه، وأكدوا أن الحكم يجب أن يكون على جودة العمل، لا على ديانة كاتبه.
أتذكر أنهم اتصلوا بي وقتها، وكان بعضهم يبكي من شدة الحزن.
هذا الموقف لم أنسه، ليس بسبب الألم، بل بسبب الوفاء الذي رأيته من هؤلاء الشباب.
 وما أكثر المواقف الإنسانية التي ما زالت ترسم الابتسامة على وجهك؟
هذا الموقف يتكرر معي كثيرًا.
أذهب إلى محافظة لإلقاء محاضرة أو تقديم ورشة في الكتابة المسرحية، فيسألني بعض الشباب الذين لا يعرفونني:
«حضرتك من كنيسة إيه؟»
فأجيبهم على الفور:
«كنيسة الأنبا أنطونيوس.»
أقولها بمحبة، لأنها بالفعل أصبحت بيتي، وهناك صنعت أجمل سنوات عمري، وهناك أصدقاء وأحباء لا أشعر بينهم بأي غربة.
بعدها أبتسم وأوضح لهم أنني مسلم، فتكون المفاجأة بالنسبة لهم أكبر من إجابتي الأولى.

 كيف ترد على من يختزل الفنان في ديانته؟

لو عدنا إلى تاريخ الفن المصري، سنجد أننا أحببنا أعمال عمالقة كبار قبل أن نسأل عن ديانتهم.

من كان يسأل عن ديانة نجيب الريحاني، أو عادل خيري، أو ماري منيب، أو سليمان نجيب؟
تعلمنا منهم الفن، وما زلنا مدينين لهم جميعًا.
لم يحبس أحد منهم موهبته داخل حدود هويته، بل قدمها لكل المصريين، ولذلك بقي أثرهم حتى اليوم.
الفن الحقيقي لا يسأل صاحبه عن دينه، وإنما عن صدقه وإبداعه.

  هل تعتبر ما عشته رسالة عملية في مواجهة التعصب؟
بكل تأكيد.
هذه التجربة كانت واحدة من الرسائل التي أردت أن أقدمها طوال رحلتي.
نحن كمصريين ولدنا معًا، وعشنا معًا، وفرحنا معًا، وتألمنا معًا.
ولا أستطيع أن أتخيل أن يأتي أحد ليقنعنا بأن المصري يمكن أن يكون غريبًا عن أخيه المصري بسبب اختلاف العقيدة.
هذه ليست مصر التي أعرفها.

 شغلت منصب مدير الرقابة على الأفلام العربية... كيف أثرت هذه التجربة في كتاباتك؟
الرقابة منحتني زاوية مختلفة للنظر.
كنت أقرأ عشرات الأعمال، وأرى كيف يمكن لبعض الأفكار غير الواعية أن تؤثر في المجتمع، وهو ما جعل إحساسي بالمسؤولية أكبر ككاتب.
لذلك أصبحت أكثر حرصًا على تقديم أعمال تواجه الأفكار المتطرفة، وتناقش القضايا المعاصرة بوعي، دون أن تقع في المباشرة أو الشعارات.

وهل تعارضت الرقابة مع حرية الإبداع؟

أبدًا.
كنت مؤمنًا بأن الإبداع الحقيقي لا يتناقض مع المسؤولية.
المشكلة ليست في الحرية، وإنما في فهم معنى الإبداع.
ولهذا دعمت، خلال عملي في الرقابة، عددًا كبيرًا من الأفلام التي كنت أؤمن بقيمتها الفنية والفكرية، ووقفت إلى جوارها حتى خرجت إلى الجمهور.
كنت دائمًا في صف الإبداع الحقيقي.

ما المعايير التي كنت تحتكم إليها؟
القانون كان هو المرجعية الأولى.
لكن أكثر ما كان يقلقني هو تقديم المجرم في صورة البطل الذي يستحق الاقتداء.
كنت أؤمن أن الفن يستطيع أن يقدم الشر، لكن دون أن يحوله إلى نموذج يُغري الشباب بتقليده.
هذه كانت القضية الأساسية بالنسبة لي.

  كيف ترى علاقة الفن بالقيم المجتمعية اليوم؟

أعتقد أن السنوات الأخيرة شهدت فجوة بين بعض الأعمال الفنية وبين المجتمع.
هناك من أساء فهم حرية الإبداع، فاختلطت الحرية بالفوضى.
وفي المقابل أصبح الجمهور متعطشًا للأعمال التي تحترم عقله وقيمه.
الفن لا يعيش بعيدًا عن الناس، ولا ينجح إذا فقد صلته بالإنسان.
 كيف تقيم وضع المسرح الكنسي اليوم؟
أنا مطمئن إلى المستقبل.
هناك خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة، وهناك مهرجانات، وورش، وأجيال جديدة من الشباب تحمل المسؤولية.
كل هذا يجعلني متفائلًا بما هو قادم.

 وما أبرز التحديات؟
التحدي الأكبر هو الإنتاج.
معظم فرق المسرح الكنسي تعتمد على التمويل الذاتي، وهو ما يحد أحيانًا من إمكاناتها.
أما فكريًا، فما زال هناك من يخشى خروج عروض الكنيسة إلى الجمهور العام، رغم أن التجربة أثبتت نجاحها، وأن المسرح الكنسي أصبح شريكًا حقيقيًا في الحركة المسرحية المصرية.

 ماذا تقول لشاب، مسلمًا كان أو مسيحيًا، يخشى الاقتراب من الآخر بسبب نظرة المجتمع؟
إذا كنت ستظل أسيرًا لخوفك من كلام الناس، فلا تتحرك من مكانك.
ابقَ حيث أنت...
لكن تذكر أنك ستكون الخاسر.
ستخسر أشخاصًا ربما كانوا سيصبحون من أقرب الناس إلى قلبك.
ستخسر قلوبًا أحبّتك لأنك إنسان، لا لأنك تحمل هوية دينية معينة.
وهذا هو الحب الحقيقي... الحب الذي يبقى، ويخلّد صاحبه دون أن يشعر.
أما الخوف، فلن يصنع مستقبلًا، ولن يبني وطنًا، ولن يترك أثرًا في حياة أحد.
 كيف تحب أن يُكتب اسم ناجي عبد الله في ذاكرة المسرح المصري؟
ابتسم قليلًا، ثم قال:
«أتمنى أن أُذكر باعتباري الكاتب الذي إذا رحل، صلى عليه الناس في مسجد واحد... وعشرات الكنائس.»
كانت جملة قصيرة، لكنها لخصت رحلة امتدت ثلاثين عامًا، لم يكن بطلها مسلمًا أو مسيحيًا، بل إنسانًا آمن بأن الفن الحقيقي قادر دائمًا على أن يبني الجسور، لا أن يقيم الجدران.

شارك