عقيدة مكافحة الإرهاب في فخ "السيولة الرقمية": قراءة نقدية في تقدير موقف مؤسسة "راند" حول لامركزية التطرف

الإثنين 13/يوليو/2026 - 01:23 م
طباعة عقيدة مكافحة الإرهاب حسام الحداد
 
تشكل الأدبيات البحثية والتقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الفكر الدولية، وفي مقدمتها مؤسسة "راند" للأبحاث (RAND Corporation)، الموجه الأساسي والمعيار المعرفي الأهم لرسم السياسات الدفاعية وصياغة عقائد مكافحة الإرهاب في مطلع النصف الثاني من العقد الحالي. ومع حلول عام 2026، بات واضحا أن البيئة الأمنية العالمية قد دخلت طورا جديدا من السيولة والتعقيد الجيوسياسي والتقني؛ إذ لم تعد التنظيمات المتطرفة تعتمد على الهياكل التنظيمية الصلبة أو الملاذات الآمنة التقليدية. وفي هذا السياق، يكتسب تقدير الموقف الصادر عن مؤسسة "راند" حول "لامركزية الإرهاب المعاصر" أهمية استثنائية؛ كونه يضع الإصبع على الجرح الأمني الدولي، معلنا بشكل صريح أفول عصر "الإرهاب المادي الهرمي" وصعود نموذج "التطرف السيبراني السائل" الذي يتجاوز الحدود والقوانين التقليدية للدول.
وتأسست الأطروحة المركزية لهذا التقدير على فكرة رئيسية مفادها أن الاستراتيجيات الأمنية الكلاسيكية — القائمة على التتبع الميداني والمراقبة اللصيقة للحسابات البنكية النظامية عبر نظام "سويفت" — قد أصيبت بـ "مفارقة تاريخية" وعجز بنيوي جعلها غير قادرة على مجاراة أساليب الجيل الحالي من المتطرفين الذين باتوا يتحركون في فضاءات رقمية رمادية فائقة التعمية. غير أن هذه المقاربة، برغم دقتها في رصد التحولات الرقمية السائلة والتمويل متناهي الصغر عبر منصات التمويل اللامركزي (DeFi)، تفتح الباب أمام قراءة نقدية أعمق تفكك مكامن القوة والضعف في هذا التحليل؛ إذ يقدم هذا المقال مراجعة تحليلية شاملة لأطروحة "راند"، مستعرضا قدرتها على تعرية قصور المنظومات التقليدية، وفي الوقت ذاته، يسلط الضوء على "الفجوات الاستراتيجية" التي وقعت فيها جراء المبالغة الرقمية وإغفال التلازم الحتمي بين الأوامر الافتراضية والترجمة المادية للعنف على أرض الواقع.

قصور الرقابة النظامية وبنيوية المنظومة المصرفية الكلاسيكية
يؤيد العديد من الباحثين، بشكل مطلق، ما خلصت إليه مؤسسة "راند" للأبحاث بشأن العجز البنيوي والقصور الجوهري للاستراتيجيات الأمنية الراهنة القائمة على مراقبة الحسابات البنكية النظامية. إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ضعف كفاءة الأجهزة الأمنية، بل في بنيوية المنظومة المصرفية الكلاسيكية ذاتها؛ فقد صممت شبكات تعقب الأموال الدولية — وفي مقدمتها نظام "سويفت" (SWIFT) العالمي وقوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التقليدية — لرصد حركات مالية نمطية تتبع مسارات دولية ومؤسسية واضحة، ولها نقطة انطلاق ونقطة وصول محددة قانونيا، مما يجعلها عمياء أمام التدفقات المالية غير النمطية.
ومن زاوية نقدية أعمق، فإن إصرار الأجهزة الاستخباراتية والوحدات المالية الدولية على استخدام ذات الأدوات الكلاسيكية القديمة لملاحقة تنظيمات شبكية معاصرة، يعد نوعا من "المفارقة التاريخية" والجمود التكتيكي. لقد تأسست آليات الرقابة الدولية على فرضية وجود "دول" أو "منظمات كبرى" ذات هياكل إدارية واضحة تدير حسابات بنكية ضخمة يمكن رصدها وتجميدها بقرارات من مجلس الأمن، في حين أن الواقع الشبكي المعاصر يتسم بالسيولة الشديدة والهروب من الأطر التنظيمية الرسمية، مما يخلق فجوة هائلة بين سرعة التشريعات وبيروقراطيتها وسرعة التحور التقني للتنظيمات.
إن الجيل الحالي من المتطرفين، والذين يمثلون جيل الإرهاب الإلكتروني، لم يعد بحاجة إطلاقا إلى تحويلات بنكية ضخمة أو قنوات مالية رسمية يمكن تجميدها أو تتبعها؛ بل بات يعتمد بشكل هيكلي ويومي على "التمويل متناهي الصغر" واللامركزي عبر الأصول الرقمية والعملات المشفرة المستقرة. هذا النمط المستحدث يعتمد على تفتيت المبالغ المالية الكبيرة إلى آلاف التحويلات الصغيرة جدا والمجهولة، والتي تتدفق عبر محافظ رقمية مشفرة متعددة الطبقات (Mixers) وخارج النظام المصرفي التقليدي، مما يحرم وحدات الاستخبارات المالية من القدرة على بناء "ملف سلوكي" للتدفقات المشبوهة.
وتخلص هذه القراءة التحليلية إلى أن أدوات الرقابة المصرفية التقليدية باتت تقف اليوم كـ "حارس تقليدي يراقب بصرامة بابا مهجورا"، في حين تسلك التنظيمات المتطرفة والذئاب المنفردة نوافذ افتراضية مفتوحة وغير مرئية للتسلل المالي. إن الاستمرار في الاعتماد على تتبع الحسابات البنكية الكلاسيكية دون إحداث ثورة في آليات الرقابة على العملات الرقمية والمنصات اللامركزية (DeFi)، يمنح هذه الجماعات فرصة ذهبية لبناء ملاذات مالية آمنة في الفضاء السيبراني، ويجعل من كلفة مكافحة تمويل الإرهاب هدرا للوقت والجهد أمام عدو يسبق المنظومة الأمنية بخطوات تكنولوجية واسعة.

وهم "التتبع الميداني" في عصر الفضاء الرمادي الافتراضي
تفكك أطروحة مؤسسة "راند" للأبحاث، بعمق استراتيجي، فكرة الرهان المطلق على التتبع الميداني والملاحقة الفيزيائية للأفراد كأداة حاسمة ووحيدة في استراتيجيات مكافحة الإرهاب المعاصر، معتبرة إياها أداة قاصرة وغير كافية إطلاقا في البيئة الأمنية الراهنة التي تتسم بالسيولة التقنية العالية. وتكمن أهمية هذا الطرح النقدي في تعرية النظرة الأمنية التقليدية التي لا تزال تعتقد أن السيطرة على الأرض ومراقبة الحدود المادية هما مفتاح تجفيف منابع التطرف، في حين أن الواقع العملياتي يثبت أن مراكز الثقل التنظيمية قد انتقلت من المخابئ الجغرافية إلى الخوادم السحابية والشبكات المشفرة.
ومن الناحية التحليلية والمعمقة، يعود القصور البنيوي في آليات التتبع الميداني إلى حقيقة أن الملاحقة الفيزيائية الكلاسيكية تشترط بالضرورة وجود "أثر مادي ملموس" يمكن للمحققين رصده وتتبعه على أرض الواقع — مثل تحركات السفر عبر المطارات، أو عقد الاجتماعات السرية في المضافات، أو نقل العتاد والسلاح عبر الحدود الرخوة. في المقابل، نجد أن المتطرف المعاصر قد غادر هذه المربعات التقليدية وبات يتحرك بحرية مرنة داخل "فضاء رمادي افتراضي" يتجاوز حدود السيادة الوطنية للدول، ويمنحه قدرة فائقة على التخفي اللامركزي والمناورة الفكرية واللوجستية بعيدا عن أعين أجهزة الرصد البشري.
إن هذا الفضاء الرمادي الافتراضي لا يوفر ملاذا آمنا للتخفي الفردي وحجب الهوية الرقمية لعناصر التنظيم فحسب، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير من خلال إتاحة الفرصة لإعادة صياغة وتعريف مفهوم "الخلية الإرهابية" في الأدبيات العسكرية. ففي هذا العصر الرقمي، لم يعد بناء الخلية يتطلب تواجدا في بقعة جغرافية واحدة أو روابط قرابة مادية؛ إذ يمكن الآن لعناصر متطرفين يتوزعون على قارات مختلفة، لا يلتقون أبدا في الواقع الحقيقي ولا يعرف بعضهم الهويات الحقيقية لبعض، أن يتشاركوا ذات الهدف العملياتي، ويخططوا لعمليات معقدة، ويتبادلوا الأدوار بدقة متناهية عبر منصات وتطبيقات مشفرة فائقة التعمية.
وبناء على هذه التحولات الهيكلية، يخلص التحليل النقدي إلى أن الجهد الاستخباراتي الميداني للأجهزة الأمنية الدولية يظل اليوم محاصرا بملاحقة "الظلال المادية" والنتائج الارتدادية لظواهر وأنشطة تصنع، وتوجه، وتدار بالكامل داخل الأثير الرقمي المظلم. إن الاكتفاء بانتظار خروج المتطرف من فضاءه السيبراني إلى الميدان لتنفيذ هجومه يعني أن الأجهزة الأمنية تخلت طواعية عن تكتيك المبادرة والاستباق، وباتت تلعب دورا دفاعيا متأخرا أمام شبكات افتراضية تدير حروبها بـ "نقرات زر" عابرة للقارات، مما يفرض حتمية نقل ثقل التتبع الاستخباراتي من الشوارع والميدان إلى خوارزميات الفضاء الرقمي.

السيولة الاستراتيجية ومفهوم "المرونة الفائقة للتخفي"
تشير مؤسسة "راند" للأبحاث بدقة وإحكام إلى أن البيئة الافتراضية المعاصرة تمنح التنظيمات المتطرفة والمتسللين السيبرانيين قدرة ديناميكية مرنة للغاية على التخفي والمناورة والهروب من أطر الملاحقة القانونية. ومن منظور نقدي واستشرافي، فإن هذه المرونة المتزايدة لا يمكن حصرها في مفهوم الاختفاء التقني البسيط أو حجب عناوين البروتوكولات الرقمية (IPs) فحسب، بل إنها تؤسس لنمط جديد من خطط المواجهة يعرف بـ "السيولة الاستراتيجية". هذه السيولة تمكن المجموعات المتطرفة من البقاء في حالة تحول وتدفق مستمر، متبنية تكتيكات دفاعية وهجومية متغيرة يصعب على غرف العمليات التقليدية التنبؤ بها أو تتبع مساراتها.
وتتجلى هذه "السيولة الاستراتيجية" في قدرة المجموعات المتطرفة على المناورة اللحظية وإعادة الهيكلة الشاملة لظهورها الرقمي؛ حيث تستطيع هذه التنظيمات تغيير هوياتها الافتراضية، وتبديل منصات اتصالها المشفرة، ونقل محفظاتها المالية القائمة على العملات الرقمية المستقرة في غضون دقائق معدودة ردا على أي ضربة أمنية أو محاولة اختراق سيبراني حكومي. هذا التكيف اللحظي يعني أن الشبكات الإرهابية لم تعد تصاب بالشلل عند خسارة موقع أو منصة أو قناة اتصال، بل تمتلك بروتوكولات بديلة جاهزة للعمل فورا، مما يجعل الآثار اللوجستية للضربات الاستخباراتية قصيرة المدى ومحدودة الأثر.
إن هذا النمط المستحدث من المرونة الفائقة يؤدي إلى تحويل التنظيمات المتطرفة من كيانات صلبة ذات أبعاد جغرافية ومراكز ثقل تقليدية يمكن استهدافها وتدميرها بالقوة العسكرية المادية، إلى كيانات "هيدروليكية" (سائلة) بامتياز. هذه الكيانات السائلة تتميز بقدرتها العالية على التدفق والانسياب السريع عبر أي ثغرة تقنية أو قانونية في الفضاء السيبراني العالمي. ونتيجة لذلك، تصبح محاولات الحظر الرقمي أو إغلاق الحسابات شبيها بمحاولة الإمساك بالماء، فكلما أغلق التنسيق الأمني منفذا افتراضيا، تدفقت الخلايا الرقمية لتظهر عبر منصات وتطبيقات بديلة أكثر تعقيدا وعصيانا على الرقابة.
وتأسيسا على ذلك، تكمن المعضلة الكبرى للأجهزة الأمنية اليوم في أنها تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع عدو هجين بلا "عنوان فيزيائي" ثابت أو مقرات قيادة ملموسة يمكن دكها بالأسلحة التقليدية. هذا العدو الافتراضي يستغل بذكاء فائض خوارزميات التعمية والبرمجيات مفتوحة المصدر لتمويه تحركاته المصلحية، مما يمنع تشكل أي نمط سلوكي (Pattern) أو بصمة رقمية منتظمة يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الأمني وخوارزميات التنبؤ برصدها أو تحليلها. هذا الغياب للأنماط السلوكية يضعف من كفاءة استراتيجيات الضربات الاستباقية، ويجعل الأجهزة الأمنية في حالة دائمة من ملاحقة ردود الأفعال بدلا من الإمساك بزمام المبادرة.

حتمية التحديث الجذري للعقيدة الأمنية الدولية
تخلص ورقة تقدير الموقف الصادرة عن مؤسسة "راند" للأبحاث إلى نتيجة حتمية واستشرافية مفادها أن مواجهة هذا التحول الهيكلي تفرض "تحديثا جذريا وشاملا لعقيدة مكافحة الإرهاب الدولية". ومن الناحية النقدية، يعد هذا الاستنتاج المحور الأهم والأكثر خطورة في الورقة بأكملها؛ ذلك لأن العقائد الأمنية والدفاعية للدول والتحالفات الدولية تتسم تاريخيا بالبطء الشديد في التعديل والمقاومة البيروقراطية للتغيير، فضلا عن تجميدها داخل أطر تشريعية وقوانين متصلبة صيغت في عصور سابقة، بينما تتسم في المقابل عقيدة الحركات المتطرفة بالمرونة العالية والسرعة الفائقة في التكيف والتحور الفوري مع أي متغيرات تقنية أو ميدانية.
إن هذا التحديث الجذري والمطلق الذي تطلبه المرحلة الراهنة لا يمكن اختزاله أو تسطيحه في مجرد "مقاربة تكنولوجية بدائية" تقتصر على شراء برمجيات تتبع حديثة، أو تحديث أنظمة الرقابة السيبرانية، أو تزويد الأجهزة الاستخباراتية بخوارزميات متطورة؛ بل إن الأمر يتجاوز ذلك نحو ثورة تشريعية ومفاهيمية شاملة. إن التحديث الحقيقي يفرض بالضرورة إعادة صياغة القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بمفهوم "السيادة الرقمية"، وحماية خصوصية البيانات العابرة للحدود، وخلق توازن حرج ودقيق بين مقتضيات الأمن القومي للدول وحقوق الأفراد الحرياتية في الفضاء الافتراضي العالمي.
ويتطلب هذا التحول العقائدي إلزام شركات التكنولوجيا العملاقة ومنصات التواصل الاجتماعي والشركات المزودة لخدمات التشفير بالاندماج الفعلي والممنهج في منظومة الدفاع الأمني الدولي، والتخلي عن منطق "الحياد التقني" الذي تستغله الجماعات المتطرفة كغطاء لتمرير أجنداتها. هذا الاندماج لا يعني تأميم هذه الشركات، بل صياغة بروتوكولات تعاون ملزمة تتيح التبادل اللحظي للمعلومات حول الأنماط المشبوهة، وتطوير آليات ذكاء اصطناعي مشتركة قادرة على رصد خطابات التطرف وعمليات التمويل الرقمي متناهي الصغر وإحباطها في مهدها قبل أن تتحول إلى تهديد مادي على الأرض.
وبناء على هذه المعطيات، يخلص التحليل النقدي إلى أنه بدون هذا التغيير الثوري والجوهري في العقيدة الأمنية المشتركة للمجتمع الدولي، ستظل كافة المبادرات والجهود الدولية الراهنة مجرد "تعديلات طفيفة ومسكنات موضعية" على جسد منظومة أمنية قديمة ومتهالكة. إن الاستمرار في مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين بعقلية وأدوات القرن العشرين يكرس عجز المنظومة الدولية عن ملاحقة التطور التكنولوجي المتسارع للتنظيمات الإرهابية، مما يجعل الفجوة الزمنية والتقنية تتسع لصالح المتطرفين، ويحول جهود مكافحة الإرهاب إلى مطاردة لا نهائية وراء عدو يملك دائما تفوق الخطوة الأولى في عالم الأثير.

الفجوات التحليلية في ورقة "راند"
برغم القيمة المعرفية والتحليلية العالية لورقة تقدير الموقف الصادرة عن مؤسسة "راند" للأبحاث، إلا أنها تقع نقديا في فخ "المبالغة الرقمية" والانسياق وراء فرضية الانفصال التام بين العوالم. لقدبالغت الورقة في تصوير الفضاء الافتراضي وكأنه بيئة مغلقة ومكتفية بذاتها، مغفلة بذلك التلازم الوثيق والجدلية المستمرة بين الفضاء السيبراني والواقع المادي على الأرض؛ إذ لا يمكن لأحدهما أن يعمل بمعزل عن الآخر في استراتيجيات التنظيمات المسلحة التي لا تزال ترى في العالم الواقعي مسرحها الأساسي لتحقيق المكاسب السياسية والأيديولوجية.
ومن الناحية البنيوية، فرغم صحة الأطروحة التي قدمتها المؤسسة بشأن اللامركزية الافتراضية العالية وتنامي قدرات التخفي الرقمي، فإن الإرهاب في نهاية المطاف وبحكم طبيعته الوظيفية يحتاج حتما إلى "ترجمة مادية" عنيفة وملموسة على أرض الواقع. فالأهداف النهائية للتنظيمات المتطرفة لا تتحقق داخل الخوادم السحابية، بل تتجسد في هجمات فيزيائية كالتفجيرات، والاغتيالات السياسية، والسيطرة بالقوة على خطوط الإمداد والممرات الاقتصادية الحيوية، وهو ما يعني أن العالم الرقمي يظل مجرد وسيلة ومسرع لوجستي لغايات مادية بحتة.
وهنا تبرز الفجوة النقدية والمنهجية الأعمق في ورقة "راند"؛ حيث ركز خبراء المؤسسة بشكل مكثف على تفكيك "فضاء التخفي الرمادي" وآليات التعمية وحجب الهوية الرقمية، دون تقديم استراتيجية واضحة أو مقاربة عملية لكيفية الربط بين جهود الاختراق السيبراني والمواجهة الميدانية البرية. إن هذا الاختزال يفرغ مكافحة التطرف من مضمونها التطبيقي، إذ يترك الأجهزة الأمنية أمام معطيات افتراضية ضخمة (Big Data) دون أدوات تنسيقية تتيح تحويل هذه البيانات الرقمية إلى ضربات استباقية ملموسة تعطل التنفيذ المادي على الأرض.
وتخلص القراءة التحليلية إلى أن القضاء الشامل على التطرف اللامركزي المعاصر لا يمكن أن يتم بـ "مكافحته رقميا" في الفضاء الافتراضي فحسب، بل يرتكز بالأساس على تدمير وقطع "الجسور الهجينة" الواصلة بين الأوامر والخطط الافتراضية وآليات التنفيذ المادي في الميدان. إن هذه الجسور — التي تشمل وسائط نقل التكليفات، ومحطات تحويل الأموال الرقمية إلى سيولة نقدية محليا، ومستودعات السلاح المادي — تمثل "المنطقة الرمادية الحرجة" التي أخفقت ورقة راند في إفراد مساحة كافية لمعالجتها وتقديم حلول بنيوية لتفكيكها.

الخاتمة
يمثل تقدير الموقف الصادر عن مؤسسة راند للأبحاث جرس إنذار معرفي للمجتمع الدولي، يؤكد أن أدوات حرب القرن العشرين لم تعد صالحة لإدارة صراعات الفضاء الافتراضي في عام 2026. لقد نجحت الورقة في تعرية قصور المنظومات المصرفية والاستخباراتية التقليدية أمام مرونة المتطرفين الجدد. ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي في تحديث العقيدة الأمنية الدولية لن يتحقق بمجرد الهرب نحو الحلول السيبرانية البحتة، بل بصياغة استراتيجية هجينة تتقن ملاحقة الإرهابي كـ "كائن رقمي" في الأثير، وتكبح جماحه كـ "كائن مادي" على أرض الواقع.

شارك