صراع الكاثوليك في تيجراي وسط مخاوف من عودة الحرب الإثيوبي

الثلاثاء 14/يوليو/2026 - 10:23 ص
طباعة صراع الكاثوليك في روبيرالفارس
 


تعيش الكنيسة الكاثوليكية في إقليم تيجراي شمال إثيوبيا واحدة من أصعب مراحل تاريخها، بعد حرب مدمرة خلّفت آلاف الضحايا ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وأثّرت بصورة مباشرة في حياة المؤمنين ومؤسسات الكنيسة. وفي ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية مجددًا، يحذّر قادة الكنيسة من أن خطر العودة إلى الحرب لا يزال قائمًا، بينما يواصل السكان مواجهة آثار النزاع من فقر ونزوح وانهيار للخدمات الأساسية.

وقال أسقف أديغرات إن "الجرح لا يزال ينزف بعمق"، مؤكدًا أن الكنيسة تقف أمام لحظة مصيرية بعد نحو 180 عامًا من وجودها في المنطقة، وأنها "إما أن تنهض من جديد أو تواجه خطر التراجع والزوال". كما دعا الكنيسة الجامعة إلى مواصلة الصلاة والتضامن مع شعب تيغراي الذي "لا يزال يقاتل من أجل البقاء".

 جذور الحرب

اندلعت الحرب في إقليم تيغراي في نوفمبر  2020 إثر تصاعد الخلاف بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية برئاسة رئيس الوزراء آبي أحمد و"جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي هيمنت على الحياة السياسية في إثيوبيا لعقود قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.

واتهمت الحكومة قوات تيغراي بمهاجمة القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي، فيما اعتبرت الجبهة أن الحكومة تسعى إلى تقويض الحكم الذاتي للإقليم. وسرعان ما تحولت الأزمة إلى حرب واسعة شاركت فيها القوات الفيدرالية، وقوات من إقليم أمهرة، والجيش الإريتري، قبل أن تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء شمال إثيوبيا.

  الأكثر دموية 

استمرت الحرب قرابة عامين، وانتهت رسميًا بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، لكن آثارها الإنسانية لا تزال مستمرة.
وتشير تقديرات متعددة إلى أن الحرب كانت من أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين، إذ قُتل مئات الآلاف نتيجة القتال المباشر والمجاعة والأمراض وانهيار النظام الصحي، فيما نزح ملايين الأشخاص داخل البلاد، وتعرضت مدن وقرى بأكملها للتدمير.

كما وثقت منظمات دولية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت عمليات قتل للمدنيين، وعنفًا جنسيًا واسع النطاق، وعمليات نهب، وتدميرًا للمرافق الصحية والتعليمية ودور العبادة.

  بين الدمار والصمود

ورغم أن الكاثوليك يمثلون أقلية صغيرة في تيغراي ذي الأغلبية الأرثوذكسية، فإن الكنيسة الكاثوليكية تؤدي دورًا إنسانيًا وتعليميًا مهمًا من خلال المدارس والمراكز الصحية وبرامج الإغاثة.
غير أن الحرب أصابت هذه المؤسسات بشدة، إذ تعرض عدد من الكنائس والمرافق الكنسية للدمار أو النهب، بينما توقفت خدمات تعليمية وصحية عديدة بسبب انعدام الأمن ونقص الموارد.
وأغلقت نحو خمسين مدرسة كاثوليكية في المناطق الريفية، كما واجهت المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للكنيسة نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على خدمة السكان.

 أزمة إنسانية مستمرة

ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق السلام، لا تزال الأزمة الإنسانية قائمة. فآلاف الأسر تعيش في مخيمات النزوح منذ سنوات، ويعاني السكان من البطالة ونقص الغذاء والرعاية الصحية، فيما لم تستعد المؤسسات الحكومية قدرتها الكاملة على تقديم الخدمات.
وتشير الكنيسة إلى أن كثيرًا من الأطفال حُرموا من التعليم بسبب إغلاق المدارس، بينما تعاني العائلات من آثار نفسية واجتماعية عميقة نتيجة الحرب وفقدان الأقارب والممتلكات.

 تجدد القتال

ورغم استمرار اتفاق السلام، فإن الخلافات السياسية داخل إقليم تيغراي والتوترات بين الأطراف المختلفة تثير مخاوف متزايدة من احتمال اندلاع مواجهات جديدة، وهو ما ينعكس على الأوضاع الأمنية والاقتصادية ويؤخر جهود إعادة الإعمار وعودة النازحين.
وترى الكنيسة أن أي عودة للعنف ستكون كارثية على السكان الذين لم يتعافوا بعد من آثار الحرب السابقة، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالحوار وتنفيذ بنود اتفاق السلام بصورة كاملة.

 رسالة رجاء

في خضم هذه الظروف، تواصل الكنيسة الكاثوليكية في تيغراي رسالتها الروحية والإنسانية، مركزة على دعم الفئات الأكثر ضعفًا، ورعاية النازحين، وتوفير التعليم والخدمات الصحية قدر الإمكان، إلى جانب تعزيز المصالحة بين أبناء المجتمع.

ويؤكد أسقف أديغرات أن الكنيسة، رغم جراحها، لن تتخلى عن رسالتها، لكنها تحتاج إلى تضامن الكنيسة في العالم والمجتمع الدولي حتى تتمكن من الاستمرار في خدمة شعب أنهكته الحرب، وما زال يبحث عن سلام حقيقي يعيد إليه الأمن والكرامة والأمل.

شارك