بعد عام على المجازر.. السويداء تستذكر ضحاياها وسط دعوات لمحاسبة الجناة
الأربعاء 15/يوليو/2026 - 03:28 م
طباعة
علي رجب
السويداء – أحيت مدينة السويداء ومدن سورية وأوروبية عدة، الذكرى السنوية
الأولى لمجازر "تموز الأسود" التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص في المحافظة منتصف تموز/يوليو من العام الماضي، في سلسلة من الفعاليات الدينية والشعبية والحقوقية، وسط مطالب متجددة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما لا تزال نتائج أي تحقيقات مستقلة غائبة، ويبقى مصير عدد من المفقودين والمختطفين مجهولا حتى اليوم.
وقفة حداد في ساحة الكرامة
شهدت ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء وقفة حداد رسمية حيت خلالها حشود من الأهالي ذكرى مجازر الإبادة التي ارتكبتها قوات السلطة المؤقتة خلال اجتياح المحافظة. ورفعت الأمهات خلال الوقفة صور أبنائهن الشهداء، فيما خيم الحزن على المشهد العام. ووقف المشاركون دقيقة صمت إجلالا لأرواح الضحايا، تلتها فعاليات موسيقية قدمها فريق وكورال "تالا"، إلى جانب مشاركة لافتة من كشاف كنيسة الروم الأرثوذكس، في مشهد جمع مختلف مكونات المجتمع المحلي.
وفي كلمات ألقيت خلال الفعالية، أكد المقدم طلال عامر، أحد قيادات "الحرس الوطني"، أن السويداء ستبقى عنوانا للصمود مهما بلغت التحديات. من جهته، شدد الشيخ فادي بدرية، تحت شعار "الله يعظم أجرك يا جبل"، على ضرورة وحدة صف أبناء المحافظة في مواجهة المحنة التي تعرضوا لها. أما الشيخ جاد الله أبو فخر فاعتبر أن استمرار مرابطة الشباب على المتاريس منذ تلك الأحداث وحتى اليوم يمثل رسالة تمسك بالحقوق والعدالة لا رجعة عنها.
بيان الشيخ الهجري: تمييز بين المفسدين وعموم الأهالي
في بيان صدر يوم الجمعة، تطرق الرئيس الروحي للموحدين الدروز، سماحة الشيخ حكمت الهجري، إلى أن كل بيئة اجتماعية تحتوي على فاسدين، لكنهم لا يمثلون سوى أنفسهم أيا كان انتماؤهم، مضيفا أن المخطئ يحاسب باسمه الشخصي بعيدا عن انتماء عائلته أو طائفته.
وشدد الشيخ الهجري على أن عوائل السويداء بمجملها تتسم بالأصالة والنظافة والعراقة، وهي القادرة بنفسها على لفظ الغبار عنها وإزالته، داعيا إلى اجتثاث من وصفهم بالمفسدين ومحاسبتهم دون تردد. كما أدان في بيانه كل من يرتكب تصرفات رعناء، معتبرا أن تلك التصرفات كانت في بعض الأحيان "أشد فتكا من ارتكاب المجازر بحق الأبرياء".
وحذر سماحته من أن ذات الوجوه والأسماء، في الداخل والخارج، تحاول اختراق الصف الداخلي للمحافظة، عبر لعب الأدوار ذاتها تحت مسميات متجددة، في إطار حملات تستهدف كسر إرادة الأهالي. وأكد أن الشرفاء من أبناء السويداء، حملة راية الكفاح، يمثلون الأغلبية الساحقة، داعيا إلى التعاضد واستمرار التآخي والتعاون والصدق في هذه المرحلة الحساسة. كما دعا إلى دعم المؤسسات المحلية باعتبارها اللبنة الأولى لإرساء العدالة والقانون، وصولا إلى بناء مؤسسات ديمقراطية يتطلع إليها أبناء المحافظة.
حصيلة موثقة دوليا وتداعيات مستمرة
يأتي إحياء هذه الذكرى في ظل حصار جزئي ما يزال مفروضا من قبل النظام، إلى جانب تداعيات أمنية واجتماعية لا تزال قائمة حتى اليوم. وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا قد أصدرت في آذار/مارس الماضي تقريرا وصفت فيه أحداث تموز 2025 بأنها "أعمال عنف وحشية"، ووثقت مقتل أكثر من 1700 شخص، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب نزوح ما يقارب 200 ألف مواطن من مناطق سكنهم.
كما أشار التقرير الدولي إلى توثيق عمليات إعدام وتعذيب وعنف جنسي وحرق منازل، معتبرا أن هذه الانتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وشدد رئيس اللجنة، باولو سيرجيو بينيرو، على ضرورة محاسبة الجناة كافة بغض النظر عن رتبهم أو مواقعهم.
محاكمات عسكرية وتحذيرات من خطاب الكراهية
على المستوى المحلي، وبعد أن أنهت "لجنة التحقيق الوطنية" أعمالها، أعلنت وزارة العدل السورية إيقاف 23 عنصرا من قوى الأمن والجيش ثبت تورطهم في الانتهاكات المرتكبة، حيث بدأت المحاكمات العسكرية بحقهم في دمشق. وعقدت الجلسة الثانية من هذه المحاكمات يوم الاثنين الماضي، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية لمسار محاسبة طال انتظاره.
ورغم هذا المسار القضائي، حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من تصاعد خطابات التحريض والكراهية الموجهة ضد أبناء الطائفة الدرزية، داعيا كافة الأطراف إلى الالتزام بخطاب التهدئة وتجنب أي تصعيد قد يعيد إشعال التوترات في المنطقة.
عهد جماعي بمواصلة النضال
وتضمنت فعاليات إحياء الذكرى في السويداء عرض أفلام وثائقية توثق أحداث تموز الأسود، إلى جانب وقفات شموع أقيمت في عدد من الساحات والأحياء. ويؤكد أهالي المحافظة أن هذه الذكرى ليست مجرد مناسبة للحزن والتذكر، بل تمثل عهدا جماعيا بمواصلة النضال من أجل كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا وذويهم، وعدم السماح بطي صفحة هذه المجازر دون محاسبة حقيقية وشاملة.
وفي الوقت ذاته، يشدد الأهالي على التزامهم الدائم بحماية السلم الأهلي والحفاظ على النسيج الاجتماعي للمحافظة، في ظل مرحلة دقيقة تتطلب، بحسب ما عبر عنه المشاركون في الفعاليات، مزيدا من التماسك الداخلي والصبر على طريق العدالة الطويل.
