الحوثيون ينتقلون من سياسة الحذر إلى اختبار الهدنة مع السعودية
الجمعة 17/يوليو/2026 - 11:20 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تشهد الأزمة اليمنية تطورات جديدة تعكس تغيراً في حسابات جماعة الحوثي، في وقت تتداخل فيه تداعيات الحرب الإيرانية مع المشهد الإقليمي، فبعد سنوات من الالتزام النسبي بالهدنة مع السعودية، بدأت الجماعة في اتخاذ خطوات توحي بأنها لم تعد تنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره خياراً استراتيجياً، بل أصبحت تختبر حدوده سعياً لفرض واقع سياسي وعسكري جديد.
وبحسب تقرير نشره معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي (ISPI) للباحثة إليونورا أرديماني، فإن هذا التحول يرتبط بتغير البيئة الإقليمية بعد الحرب الإيرانية، إلى جانب تعثر المسار السياسي في اليمن وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
أول هجوم على السعودية منذ أربع سنوات
يشير التقرير إلى أن الهجوم الصاروخي الذي استهدف مطار أبها في منطقة عسير جنوب السعودية في 13 يوليو، ويعد الأول من نوعه منذ أربع سنوات، يمثل مؤشراً واضحاً على تغير نهج الحوثيين.
ووفقاً للتقرير، جاء الهجوم بعد استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً، وبينما أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مسؤوليتها عن الضربة، حمّل الحوثيون السعودية المسؤولية، وردوا باستهداف مطار أبها، قبل أن تتمكن الدفاعات الجوية السعودية من اعتراض الصواريخ.
ويرى التقرير أن الجماعة انتقلت من سياسة "التصعيد المنضبط" التي اتبعتها خلال المرحلة الأولى من الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى نهج أكثر جرأة يقوم على اختبار خطوط التهدئة مع الرياض.
لماذا غيّر الحوثيون حساباتهم؟
بحسب معهد ISPI، فإن الحوثيين كانوا خلال الأشهر الأولى من الحرب الإيرانية حريصين على عدم استهداف السعودية، واقتصر تصعيدهم على إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لطهران، مع استمرار حملات التجنيد ورفع الجاهزية العسكرية داخل اليمن.
لكن هذا الموقف بدأ يتغير مع دخول الصراع الإيراني مرحلة جديدة، إذ تشير الباحثة إلى أن الجماعة لم تعد ترى في الهدنة مكسباً سياسياً أو اقتصادياً، خاصة مع تراجع فرص الحصول على تنازلات سعودية تتعلق بتمويل رواتب موظفي القطاع العام أو المساهمة في إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها.
كما ساهم استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في مناطق الحوثيين في زيادة الضغوط الداخلية، حيث يعاني أكثر من 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينما لا تزال الجماعة عاجزة عن دفع رواتب موظفي الدولة، الأمر الذي دفعها إلى تكثيف خطابها الإعلامي الذي يحمل السعودية مسؤولية الأزمة المعيشية.
ويضيف التقرير أن تغير الموقف السعودي بعد الحرب الإيرانية، وتراجع استعداد الرياض لتقديم أي مكاسب قد تعزز نفوذ الحوثيين أو إيران على حدودها الجنوبية، دفع الجماعة إلى إعادة تقييم استراتيجية التهدئة.
دروس الحرب الإيرانية تنتقل إلى اليمن
يرى التقرير أن الحوثيين بدأوا في تطبيق عدد من الدروس التي استخلصوها من المواجهة الإيرانية الأمريكية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
فالهجوم على مطار أبها، بحسب التقرير، يعكس مبدأ "الرد بالمثل"، إذ جاء بعد استهداف مطار صنعاء، وهو أسلوب يشبه الطريقة التي تتبعها إيران في الرد على الضربات التي تستهدف منشآتها.
كما يشير التقرير إلى أن الجماعة تسعى إلى ترسيخ ما تصفه بـ"السيادة" على المناطق الخاضعة لسيطرتها من خلال توسيع التعاون مع إيران، وهو ما ظهر في تشغيل خط جوي مباشر بين صنعاء وطهران، وهبوط أول طائرة إيرانية في مطار صنعاء خلال يوليو الجاري، في خطوة اعتبرها التقرير مؤشراً على انتقال العلاقة بين الطرفين إلى مستوى أكثر وضوحاً.
ويربط التقرير هذه التحركات بخطاب "وحدة الساحات"، الذي يربط بين التطورات في مضيق هرمز وباب المندب، بما يعزز احتمالات عودة التوتر إلى جنوب البحر الأحمر ويزيد من المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية.
السعودية بين هواجس الأمن ومخاطر البحر الأحمر
يشير التقرير إلى أن استهداف الأراضي السعودية يضع المملكة أمام تحديات أمنية أكثر تعقيداً، خاصة مع تزامن الضغوط القادمة من أكثر من جبهة مرتبطة بإيران، سواء عبر التهديدات في مضيق هرمز أو أنشطة الفصائل المسلحة الموالية لطهران في المنطقة، إضافة إلى تحركات الحوثيين في اليمن.
ويؤكد التقرير أن السعودية باتت تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية متشابكة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية يعتمد على المرور عبر باب المندب، ما يمنح أي اضطرابات في البحر الأحمر تأثيراً مباشراً على الاقتصاد الإقليمي وسوق الطاقة العالمية.
كما يلفت التقرير إلى تزايد الهجمات ذات الطابع القرصني في خليج عدن والسواحل الصومالية، بالتزامن مع ما وصفه بتنامي العلاقات بين الحوثيين وبعض شبكات حركة الشباب المرتبطة بالقرصنة، وهو ما قد يضيف تحدياً أمنياً جديداً للملاحة الدولية في المنطقة.
ويرى المراقبون أن تقرير معهد الدراسات السياسية الدولية (ISPI) يعكس قراءة مفادها أن الحوثيين دخلوا مرحلة جديدة من إعادة صياغة استراتيجيتهم، مستفيدين من التحولات التي فرضتها الحرب الإيرانية على المشهد الإقليمي، ويشيرون إلى أن الجماعة باتت أكثر ميلاً لاستخدام الضغوط العسكرية والسياسية لفرض معادلات جديدة، سواء داخل اليمن أو في محيطه الإقليمي.
ويؤكد المراقبون أن استمرار هذا النهج قد يزيد من هشاشة الهدنة التي صمدت لأربع سنوات، كما يرفع من احتمالات عودة التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، خاصة إذا تداخلت الحسابات اليمنية مع المواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
