أزمة الخطاب الديني في مصر

الجمعة 12/أكتوبر/2018 - 10:15 م
طباعة أزمة الخطاب الديني
 
وحدة الاسلام السياسي ... بوابة الحركات الاسلامية
دعوات الإصلاح وتجديد الخطاب الديني ليست جديدة، وإنما تكررت اكثر من مرة فى مختلف العصور، وفى الحالة المصرية ظهرت هذه الدعوات فى ممارسات علماء الحملة الفرنسية ومحاولة الهيمنة على أنشطة علماء الأزهر وذوى المكانة والخبرات الناشطين فى العمل السياسي والمقاوم للاحتلال الفرنسي، وتكرر مرة آخري مع محاولة محمد على بناء الدولة الحديثة، وكذلك ابان الفترة الليبرالية خلال الفترة من 1923 وحتى 1952، وما شهدته من بروز دور آئمة الأزهر فى الحياة السياسية ومقاومة الاحتلال الإنجليزي، حتى جاءت ثورة 1952 التى عملت على تأميم مؤسسات لدولة لتكون خاضعة لها والابتعاد بها عن الدور النشط والمؤثر الذى كانت عليه.
ومع اشتعال الصراع السياسي والديني، وظهور العنف الديني مع منظمات الاسلام الراديكالى التى مارست العنف تجاه الدولة والمجتمع، برزت من خلال اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات يوم النصر فى 6 أكتوبر1981، ثم الصراع من نوع خاص بين الرئيس الأسبق حسنى مبارك وجماعات الاسلام الراديكالى، لينتج هذا الوضع ممارسات وخطابات مدنية وسياسية حاولت تسويغ سلوكيات مضادة لدولة القانون تكشف عن حالة من الجمود الفقهى والميل إلى اختيارات انتقائية تتسم بالتزمت والتشدد.
وفى هذه الورقة حاولنا تسليط الضوء على ما أسفر عنه نظام الاعارات لبعض الأزهريين إلى الجامعات العربية النفطية على نحو أدى إلى إحداث تغييرات فى بعض توجهاتهم الدينية بما يغاير الإسلام المصري الاعتدالى، وتأثر بعض الأزهريين بالاتحاه الاسلامى الراديكالى وصعوده وجاذبيته لبعض الشباب المصري، إلى جانب تنامى نفوذ جماعة الاخوان المسلمين والسلفيين داخل جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات المصرية، وما ترتب على ذلك من تغييرات فى الحياة اليومية للمصريين من حيث الزى واللغة المتداولة والتعامل مع الفنون والاداب والحريات العامة للمجتمع، إلى جانب تنامى السجال الديني والطائفي سواء الاسلامى او المسيحي، وهو ما انتقل بدوره إلى الفضائيات ووسائل الاعلام، ليدخل المجتمع مرحلة جديدة يغلب فيها الخطاب الطائفي والتحريضي على لغة التعايش المشترك والاصلاح الديني، وهو ما ترتب عليه كثير من الأحداث  عقب ثورة 25 يناير 2011، ووصول جماعة الاخوان المسلمين إلى الحكم فى يونيو 2012.
وحاولنا أيضا استعراض خبرات سابقة نحو تجديد الخطاب الديني، والتأكيد على أن التجديد فى الفكر والتعليم والمؤسسات الدينية ليس من قبيل التغيير الثورى، وإنما المقصود به تحويلات فى بنية العقل والفكر والخطابات الدينية الوضعية إنتاجا وتفسيرا وتأويلا وتأصيلا، مع الاهتمام على ضرورة تطوير السياسات الاجتماية من خلال  التنمية الشاملة تزامنا مع تطوير الفكر الديني.
كذلك تم التركيز على تطوير خطابات الثقافة والتعليم والاعلام لما لهم من تأثير كبير مرتبط بتطوير الخطاب الديني، مع تقديم امثلة على هذا النحو، يبرز فى زيادة السجال الديني فى الفضائيات بعد دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعلماء الأزهر فى كلمته بمناسبة ذكري المولد النبوى الشريف فى يناير 2014، من حيث قيام عدد من الاعلاميين والكتاب بالخوض فى النصوص الدينية واستغلال المنابر الفضائية والأقلام للحديث عن نصوص مقدسة وما ترتب عليه من تأجيج الخطابات الدينية واستنفار البعض من دعوات تجديد الخطاب بعد ان تعرضت هذه المحاولات للتشكيك فى النصوص المقدسة تارة والمطالبة بحذف نصوص آخري بعيدا عن تشكيل لجان معنية من كبار العلماء للنظر فى هذه الدعوات للحفاظ على النصوص المقدسة وفى نفس الوقت النظر فى الاجتهادات البشرية الوضعية الأخري.
وتمت الاستعانة فى هذه الورقة بالسجال الديني على الجانبين سواء الاسلامى أو المسيحي، فى الفضائيات والصحف، وما ترتب عليه من زيادة جرائم ازدراء الأديان، والابتعاد عن سياسية دينية تجددية إلى سياسات طائفية والحض على الكراهية، وتقديم عدد من الأفكار والمقترحات لتعزيز أفكار تجديد الخطاب الديني، من خلال احترام منظومة حقوق الانسان والحريات الدينية على اختلافها، وتقديم دراسة نقدية حول القوانين والنصوص التى تحكم عمل المجال الديني، وأفكار خاصة للمؤسسات الدينية الاسلامة مثل الأزهر والأوقاف والكنيسة، مع الاستعانة بمثال بيت العائلة المصرية الذى تشكل بقرار رئيس الوزراء برئاسة فضيلة الامام شيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة المصرية، ويضم قيادات الأزهر والكنيسة والأوقاف، وما أسفرت عنه هذه الاجتماعات، فى ظل وجود لجنة تهتم بتجديد الخطاب الدينيى تضم الائمة والقساوسة، ومعرفة ما انتجته هذه اللجنة لتطوير الخطاب الديني فى المجتمع، عبر الوثائق الرسمية الصادرة عن بيت العائلة.               
الأزهر ..نفوذ ومكانة:
الهجوم على مشيخة الأزهر ونية التأثير عليه بسبب سيطرته على عقول المصريين، عمل على ظهور عدد رغبة للهيمنة من اجل تسهيل السيطرة على الخطابات الصادرة عنه، نتيجة ما يلعبه من تعزيز النزعة الثورية ضد الاحتلال أحيانا، أو حشد قطاعات من المجتمع لأهداف ما، وهو ما ظهر فى خروج آلاف المصريين ضد الاحتلال الفرنسي تارة والانجليزية تارة بمشاركة قوية وواضحة لشيوخ وآئمة الأزهر الشريف، ومحاولة رئيس الجمهورية فى مصر الحديثة بمحاولة الانفراد بتعيين شيخ الأزهر لضمان الولاء له، وإن كان هناك من يري أن الذى يقلق  الحكام ويهددهم أقطاب التصوف وليس مشايخ الأزهر، وهؤلاء الأقطاب بمن خلفهم من المريدين والتابعين ونفوذهم على الجماهير، فضلا عما يشاع عنهم من كرامات وبعض الأمور الخارقة جعلت الحكام يهابونهم.   
وبعودة سريعة للوراء، نلاحظ أنه حينما تضاعفت الأزمات على نابليون وجيشه ابان الحملة الفرنسية على مصر، حتى اندلعت ثورة ضد القوات الفرنسية من الأزهر في 21 أكتوبر، وحينها أمر نابليون بقمع الثائرين، وتخلى نابليون لفترة عن دور الفاتح المتسامح، فأمر نابليون بأن تقوم المدافع الموجودة على جبل المقطم بضرب القاهرة وأمره بضرب الأزهر لكونه مركز الثورة ودخلت الخيول الفرنسية الأزهر الشريف وقتل الجنود كل من وجوده أمامهم وتم حرق الكتب. 
ومع انسحاب الفرنسيين ومجيء محمد على باشا، أنشأ مؤسسة تعليمية منافسة للأزهر واستغل دخول الطباعة وظهر نوع جديد من التعليم يهتم بدراسة التاريخ، والرياضيات، والعلوم الحديثة، والاعتماد على المناهج الدراسية التي كانت تلقى قبل عام 1872، تحت إشراف جمال الدين الأفغاني.
وبالرغم من أن محمد على باشا كان حذرا فى الاقتراب من الأزهر، إلا انه اصطدم معهم بعد ذلك، بعد أن استاء رجال الدين والأزهر والمشايخ والعلماء من دفع الضرائب التى فرضت عليهم لأول مرة في حياتهم، وتكاتفوا ضده، وهو ما أشعر محمد علي بالخوف على منصبه، معتبرا رجال الدين والأزهر عامة الجبهة الأخطر لقدرتهم على تحريك الشارع بخطبة واحدة من أقل واحد منهم، وكان رده على شيوخ الأزهر بتجريد عمر مكرم من كل ألقابه وينفيه إلى دمياط، وعين الشيخ السادات نقيباً للأشراف بديلاً عنه والذي يقبل المنصب بدوره، فى خطوة نحو التخلص من عمر مكرم لأنه الشخص الوحيد القادر على أن ينتزع السلطة منه، فبخطبة واحدة منه ينقلب عليه الشعب.
وحمل الأزهر راية النضال ضد الاحتلال البريطاني منذ الوهلة الأولى، عندما قاد أحمد عرابي، أحد الدارسين في الأزهر ثورة الأحرار ليقف أمام الخديوي توفيق قائلًا كلمته الشهيرة "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم" عام 1881 ، ليلهب الأزهر شعلة المقاومة والفدائية ضد المحتل الإنجليزي، وفى 1919 ابان الثورة المصرية الخالدة، ومع محاولات الاحتلال الانجليزي للوقيعة بين أبناء الشعب الواحد،  ليقوم المشايخ بالوعظ في الكنائس ويقوم القساوسة بالقاء الخطبة في المساجد ضد الاحتلال، واعتلى القس سرجيوس منبر الأزهر لأول مرة ليكون أول قس يعتلى المنبر ويلقي خطبة فى صفوف المصلين مشيدا بالتلاحم بين المسلمين والمسيحيين ، ليظهر شعار "يحيا الهلال مع الصليب"، ويرفض شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي طلب المندوب السامي البريطاني إغلاق الأزهر إبان الثورة فى محاولة  بائسة لاخماد فتيل الثورة.
واستمرت المحاولات للتدخل فى الأزهر، حتى صدر قرار بتنظيم الأزهر رقم 103 لسنة 1961، والذى أعاد هيكلة الأزهر واستحدث فيه مجمع البحوث الاسلامية، ووسع من جماعة الأزهر وأضاف إليها الكليات العملية مثل الطب والهندسة وغيرهما ليكون هناك الطبيب المسلم والمهندس المسلم للدفع بهما نحو افريقيا، وبمراجعة القرار يشعر وكأنه قرار صادر من الملك فؤاد، فقد قررت المادة الثانية منه بوضوح تام أن الأزهر يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة أى لا يمر عبر مجلس الوزراء ولا مجلس الأمة وأن شيخ الأزهر يصدر بتعيينه قرار جمهوري، وطبقا للقرار شيخ الزهر هو رئيس المجلس الأعلى لشئون الأزهر، ليجعل القرار شيخ الأزهر امبراطورا بمعنى الكلمة  فى مجاله وأعطاه الكثير من الاختصاصات وجعل كل شيء فى الأزهر بيده من رسم السياسات ووضعها واختيار القيادات بالأزهر. 
واعترافا بدور وتأثير الأزهر لمصلحة الحاكم واستغلال الأزهر لتمرير رسائل معينة للمجتمع، كان هناك تقدير للأزهر فى الصراع مع جماعة الاخوان المسلمين التى تأسست عام 1928، حيث راهن رؤساء مصر من محمد نجيب إلى عبد الفتاح السيسي على أن شيخ الأزهر وقيادة المؤسسة الدينية الاسلامية سوف يكونان السند الحقيقي فى المواجهة مع الاخوان وغيرهم من جماعات وتنظيمات، فى ظل الموقف الحذر للقيادة العليا للأزهر من الاخوان، وهو ما اعتبره قيادات الأزهر بأنه تكريما لهم أن يختص رئيس الجمهورية بتعيين شيخ الأزهر وتبعية المشيخة لرئاسة الجمهورية، حتى تم الكشف ذات مرة عن رسالة الشيخ شلتوت شيخ الأزهر يشكر فيها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بأنه جعل الأزهر يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة.      
مع العلم بأن الرئيس الأسبق حسنى مبارك اهتم بتبعية الأزهر له فى محاولة لمواجهة تيارات متطرفة استغلت المناخ الطائفي وتديين المجال العام الذى رسخه الرئيس الأسبق أنور السادات فى خضم معاركه مع الاشتراكيين، وهو ما اسفر عن اغتياله فى ذكرى  نصر 6 أكتوبر 1981، على يد عناصر اسلامية سبق وأن منحها فرصة العمل السياسي، وهو ما راعاه مبارك فيما بعد وحرم هذه التيارات من مميزات تمتعت بها فى عصر السادات.

تجديد الخطاب الدينى وتقصير الأزهر:
بالرغم من أن الاسلام يعتمد فى دعوته على تفكر العقل ، وأن هذا هو الأصل فى الدعوة الإسلامية، وانه لمن سوء الحظ أن تظهر دعوات الاحياء الاسلامى وتجديد الخطاب فى وقت ملبد بالشبهات  ،ومع ذلك يستقبل شيوخ وآئمة الأزهر دعوات تجديد الخطاب الديني وكأنه هجوما على ثوابت الدين والخطابات التى يقدمونها، ليتم تحوير هذه الدعوات عن مسارها، ويدخل المجتمع فى نفق مظلم، وتصوير الأمر وكأنه مؤامرة على مشيخة الأزهر، والحقيقة انه لم يتم انتاج خطاب ديني جديد منذ عهد الامام محمد عبده وحتى الآن، وهو ما عمل على توسيع الهوة بين الخطابات المقدمة من مشيخة الأزهر والاسلام المعتدل من ناحية، وبين الخطابات المتطرفة التى تصدر عن جماعات وتنظيمات اسخدمت وسائل التواصل الاجتماعى والفضاء الالكترونى فى الترويج لأفكارها لغياب البديل.
وكانت دعوة الامام محمد عبده للاصلاح الديني واضحة، حيث أكد على انه يجب تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الانسانية، بل هى أفضلها فى الحقيقة.
واختص الامام محمد عبده الأزهر بالهجوم والانتقاد نتيجة عدم قيام الأزهر بدوره فى التجديد، وهو ما برز فى قوله "إن بقاء الأزهر متداعيا على حاله فى هذا العصر محال، فهو إما ان يعمر وإما أن يتم خرابه" 
وقال أيضا" أريد أن أعلم فى هذا الجامع شيئا نافعا، بدلا من الشروخ العتيقة البالية الخالية من المعنى، التى هى اضر من كتبكم القديمة المؤلفة فى القرون الوسطى، ولكن لا أجد من يساعدنى على ذلك، وإن لم اجدن فهل أفلح فيها وحدى؟!"  
واستمرت الاتهامات حتى يومنا هذا للأزهر، وخاض الدكتور جابر عصفور المفكر والمثقف ووزير الثقافة الأسبق حروبا كبيرة مع الأزهر عبر سلسلة من المقالات والتحليلات الناقدة لدور الآزهر واتهامه بالتقصير فى تطوير الخطاب الديني، وهو ما كان مثار سجال اعلامى بين المؤيدين والرافضين لعصفور.
وكثيرا ما حمل نظام الاعارة الازهري لدول الخليج اتهامات من قبل مثقفين وحقوقيين فى مصر، نتيجة تشبع الآئمة والمعلمين بأفكار الدول النفطية والبعيدة عن الاسلام المعتدل، ويقومون بإعادة انتاج هذه الأفكار داخل مصر، بدل من نشرهم للأفكار المتعدلة فى الدول النفطية وخاصة دول الخليج العربي، حيث يتم اختيار مجموعة بشكل سنوي للسفر إلى دول الخليج على سبيل الاعارة ولكنهم يعودون بأفكارهم بدلا من الدعوة بما تعلموه فى الداخل، وهو ما القي بظلال قاتمة على نظام التعليم فى مصر عامة والتعليم الأزهر خاصة، وشيوع أفكار التطرف والغلو، وما ارتبط بها من أفكار انغلاقية لا تتناسب مع الواقع.
وكنتيجة طبيعية  لما سبق، تزايدت الدعوات لتطوير المناهج الأزهرية من الحشو والأفكار الانغلاقية الموجودة بها، ويري متابعون انه بالرغم من أن الأزهر ممثل الوسطية فى العالم الإسلامى، والداعى للتطور دائمًا فى فهم النصوص الدينية، لم يلزم نفسه بتطوير المناهج الدراسية التى يتلقاها الدارسون فى المعاهد المنتشرة فى كل أنحاء الجمهورية، أصابها الجمود، وأصبحت لا تلائم التطور البشرى والاستقرار المجتمعى، وابتعدت عن متن النص الدينى من قرآن وسنة إلى تأويلات فقهاء عاشوا فى عصور مضت كانت تناسبها تلك الأحكام، ولا تناسب بالضرورة زماننا هذا .
وأعد المجلس القومى لحقوق الانسان دراسات عديدة حول المناهج التعليمية ودورها فى نشر الأفكار المتطرفة، وخص بالذكر المناهج الأزهرية، ولكنه للأسف لم يتم الاستجابة للتوصيات الواردة فى هذه الدراسات، وتم تنظيم العديد من المؤتمرات المتطالبة بتنقيح المناهج الأزهرية من أفكار التطرف، ولكن كان التجاهل هو السمة المميزة لهذا الأمر.
وبالرغم من أن كارثة المناهج الأزهرية، وضع يده عليها شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوى، وقام بإلغاء المناهج التاريخية، واستبدل بها الكتاب الذى ألفه وسماه "المُيسّر"، إلالاان هناك اتهامات للشيخ أحمد الطيب من بعده بإلغاء الكتاب، بناء على طلب جبهة علماء الأزهر، وعودة المناهج القديمة مرة أخرى .
وإن كانت الفترة الأخيرة حملت اعترافا من مشيخة الأزهر بتنقيح المناهج التعليمية والعمل على وضع مناهج عصرية تتناسب مع الوضع الراهن، وبدء تنقيح المناهج وتوزيع الكتب الجديدة على التلاميذ، وأن عملية التطوير مستمرة ولن تتوقف.
وفى تقرير لأنشطة الأزهر خلال 2015، والذى يعد بمثابة كشف حساب للمشيخة فى مواجهة التطرف والارهاب، أكد التقرير - المنشور على الموقع الرسمي للمشيخة -  أن عام 2015 شهد نهضة تعليمية غير مسبوقة، حيث آتت اللجان التي شكلها الأزهر لتطوير التعليم الأزهري ثمارها فظهرت المناهج الأزهرية لكافة المراحل التعليمية في ثوبها الجديد بما يضمن تكوين جيل قادر على حمل رسالة الأزهر نقية صافية إلى العالم كله، وأن شيخ الازهر واصل اجتماعاته بالمسئولين عن العملية التعليمية لاستكمال تطوير منظومة التعليم الأزهري بما يوفر للأمة احتياجاتها من العلماء ذوي الكفاءات والعقول المستنيرة التي تستطيع حمايتها من أفكار التطرف والتشدد والغلو، ووضع إستراتيجية شاملة (طويلة – متوسطة – قصيرة) الأجل من خلال الخبراء والمتخصصين للنهوض بالأزهر الشريف تعليميا ودعويًا، وجعل العمل الميداني هو شعار العام الدراسي المقبل، وتفعيل الأنشطة الطلابية ودعم النشاط الرياضي والثقافي للطلاب في جميع المراحل التعليمية، كما شكل الأزهر الشريف، لجانًا علمية استمرت أكثر من عام ونصف تواصل العمل فيها ليل نهار لمراجعة الكتب والمناهج الدراسية لمرحلة التعليم قبل الجامعي، حيث انتهت هذه اللجان بالفعل من تطوير جميع مناهج التعليم قبل الجامعي وتم تطبيقها كاملة بداية من العام الدراسي الحالي، ووجه الإمام الأكبر بمراجعتها سنويا ثم تطويرها كل 3 سنوات، كما تم استحداث مادة "الثقافة الإسلامية" لتحصين الطلاب من أي فكر متطرف ، فضلا عن قيام لجان متخصصة تعمل الآن على تطوير التعليم الجامعي بالأزهر.
والحقيقة ان الأمر هنا لا يتعلق فقط بضرورة تطوير المناهج التعليمية التى تستغلها جماعات متطرفة فى جذب الشباب، وإنما الاشارة إلى أن هناك بعض الكتابات والفتاوى الدينية تعتمد عليها حاليا التنظيمات الارهابية، لتوظيف الدين فى استراتيجيات النزاع على الهوية 

دعوات التجديد الديني:
الدعوة لتجديد الخطاب الديني تجددت أكثر من مرة وليست وليدة الصدفة، وسبق وأن دعا الرئيس الأسبق حسنى مبارك إلى تجديد الخطاب الديني، وكان من أبرز هذه الدعوات مطالبته للعلماء والشيوخ والائمة تطوير الخطاب الديني، وقام مجلس الشعب بتشكيل لجنة لنظر في هذه الدعوة ومناقشتها وتقديم توصيات للجهات المعنية في 2003، ورغم ما بذلته اللجنة البرلمانية من جهد، إلا أن هذه التوصيات كانت حبيسة الأدراج.
وحسب ما ورد في تقرير اللجنة كما هو مرفق بمضبطة الجلسة  السابعة والسبعين، أن اللجنة لاحظت أن هناك سلبيات عديدة للخطاب الديني بواقعه الحالى يجب تداركها لضمان الوصول إلى المأمول من فاعلية وتأثير هذا الخطاب، وخاصة من حيث الانفصال عن واقع الناس بمعنى اسقاط النصوص على الواقع المعاش وعدم توظيفها في إصلاحه، والدعوة للدين عن طريق الترهيب والتخويق وليس عن طريق الترغيب والتيسيير، إلى جانب مداومة الحديث عن الماضي والبعد عن الحاضر والخوف من المستقبل.
ودعت اللجنة في خلاصة عملها إلى المزيد من تطوير المناهج التعليمية وتنقية أساليب التعليم، وأن يكون الخطاب الديني متكاملا، وعدم الانحياز لمذهب واحد في الخطاب الديني أو الافتاء به، وضرورة الجمع بين النقل والعقل وبين التراث والتجديد مع الاستفادة من الجوانب الايجابية لمنجزات الأمم الآخري في العلوم والمعارف فيما لا يصادم ثوابت الإيمان.
كما أوصت اللجنة بضرورة تنقية الخطاب الديني من الأفكار والممارسات التى لا تمت إلى صحيح الدين، وأن يركز على ما يشغل الناس من أمور الحياة والمعاش، ويحذر المواطنين من السلبية والانعزالية ويدعوهم إلى المشاركة وغبداء الرأى في اختيار من يمثلهم تمثيلا صادقا.
وفى يناير 2015 وعلى هامش الاحتفال بذكري المولد النبوي الشريف دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي شيوخ الأمة والائمة لتطوير الخطاب الديني بما يتناسب ويتواكب مع العصر، إلا انه لم يتم اتخاذ خطوات جدية في هذا الشأن، وإنما تحول الأمر إلى سجال في الفضائيات، والتشكيك في العقائد والثوابت وخاصة كتب التراث والفقه، وهو ما انتقل بدوره إلى الصحف ووسائل الاعلام المختلفة، بل وفى حياة المواطنين البسيطة الذينن انقسموا ما بين مؤيد ومعارض لما يتم بثه على الفضائيات من خلال النبش في كتب التاريخ.
والتشكيك في كتب التراث ومناقشة احاديث البخاري  ليست المحاولة الأولى، وإنما خطوة سبق وأن حدثت في عصر الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حينما حاولت برامج اثارة قضايا خلافية على الفضائبات والتشكيك في الكتب والتراث، وسببت ازمة كبيرة بسبب ان من يقوم بمناقشة هذه القضايا قس مسيحي وعلى قناة فضائية مسيحية،  ومع دعوات الحكومة والاعلام للكنيسة المصرية بوقف هذه البرامج التى تثير فتنة طائفية، ردت الكنيسة بأن هذه الفضائيات ليست تابعة لها، وإنما فضائيات تبث من خارج مصر، وهو ما شجع الكنيسة على أن يكون لها فضائيات خاصة بها، وهو ما ظهر في خروج 3 قنوات فضائية مسيحية رسمية.
وهو ما دعا الرئيس السيسي مرة آخري إلى مخاطبة شيوخ الأمة من جديد، محملا اياهم مسئولية انتشار الأفكار المتطرفة، والتأكيد على انه دعا لتطوير الخطاب الديني، إلا ان الواقع لم يثبت ذلك، وهو ما برز في كلمته بمناسبة ليلة القدر في يوليو 2015، حيث قال" إن الإسلام دين السلام والتسامح، ولا يمكن قبول من يدعون للقتل والتدمير تحت راية الإسلام، عندما تحدثت العام الماضى فى ليلة القدر عن تحقيق ثورة دينية لم يكن الهدف اتخاذ إجراءات عنيفة، ولكن إحداث ثورة فى الفكر تتناسب مع العصر الذى نعيش فيه وتوضيح صورة الإسلام الحقيقية القائمة على أن الدين المعاملة"
وكان أبرز ما جاء في كلمة الرئيس السيسي حينما خاطب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر بقوله" أنتم مسؤولون عن الخطاب الدينى، وسيسألنى الله عن تصويب الخطاب الدينى، وسأقول إننى قد بلغتكم أمام الأشهاد»، ولكن الجهد المبذول فى هذا الشأن ليس كافياً".
وهو ما دعا كثير من الأقلام الصحفية والبرامج الفضائية إلى مناقشة هذه الكلمة، واعتبار أن الرئيس السيسي غير راض عن محاولات الأزهر لتطوير الخطاب الديني، وهو ما برز في اتهام الاعلاميين والمثقفين للمؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر والأوقاف بالتقاعس عن الاستجابة لدعوة الرئيس، كما اكتفت وزارة التعليم بالإعلان عن لجان غير مدروسة لتنقية المناهج من التطرف لم نحصد من ورائها شيئا حتى الآن، بينما استغلت أطراف أخرى باحثة عن الشهرة دعوة الرئيس، وانطلقت بشكل مهووس تتحدث عن تجديد الخطاب الدينى لدرجة دفعت كل طرف فيهما، سواء الأزهر أو الأوقاف أن يتحرك منفردا، والحركة المنفردة فى ملف شائك مثل تجديد الخطاب الدينى لا يمكنك أن تحصد من ورائها أى خير أو أى عوائد محترمة.
وتأكيدا على اهتمام وسائل الاعلام بدعوات الرئيس والخطوات التى يقدم عليها الازهر في هذا الشأن، نظمت مؤسسة الأهرام العريقة ندوة بمشاركة كبار العلماء والائمة للحديث حول خطوات الأزهر ووزارة الاوقاف لتطوير الخطاب الديني، وتم نشرها في صحيفة الأهرام على صفحة كاملة تحت عنوان "الأزهـر.. ثورة فى مواجهة التطرف"  ، وفيها أكد الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر على أن التعليم والمناهج التعليمية من أهم المحاور لتجديد الخطاب الدينى، وشيخ الأزهر يعنى بإصلاح التعليم الأزهرى منذ أن كان رئيسا لجامعة الأزهر،وكان التكليف الأول الذى تلقيته منه بعد أن شرفنى باختيارى وكيلا له هو التركيز على محور التعليم وتشكيل لجنة لإصلاحه،باشر الإشراف على أعمالها فى كافة مراحله بنفسه،وكان يناقش كل صغيرة وكبيرة تتعلق بأعمالها، وهو من أصر على تسمية اللجنة التى شكلت في سبتمبر 2013 بلجنة إصلاح التعليم ،وقال بالتركيز فى التعليم، كما شكلت أيضا لجنة لاصلاح التعليم الجامعى فى الكليات الأزهرية. وبعد انتهاء اعمالها تكون منظومة التعليم فى الازهر تم اصلاحها،وكذلك قامت لجنة اصلاح التعليم ما قبل الجامعى بمراجعة المناهج الدينية والعربية فى التربية والتعليم.

بيت العائلة..خطوة على الطريق الصحيح:
في إطار ما شهده المجتمع من توترات طائفية عقب ثورة 25 يناير، وفى محاولة لمواجهة السجال الديني، خرجت فكرة تشكيل بيت العائلة المصرية، أصدر د. عصام شرف رئيس الوزراء - في ذاك الوقت-  قراره رقم 1279 لسنة 2011، بإنشاء بيت العائلة المصرية برئاسة شيخ الازهر وبابا الكنيسة القبطية الارثوذكسية ومقره الرئيسي مشيخة الأزهر بالقاهرة ويهدف إلي الحفاظ علي النسيج الاجتماعي لابناء مصر بالتنسيق مع جميع الهيئات والوزارات المعنية في الدولة ، والتأكيد على أن بيت العائلة يتكون من عدد من العلماء المسلمين ورجال الكنيسة القبطية وممثلين من مختلف الطوائف المسيحية بمصر وعدد من المفكرين والخبراء، ويكون لبيت العائلة مجلس أمناء برئاسة فضيلة شيخ الازهر وقداسة البابا بالتناوب، ويختص برسم السياسات العامة ومتابعة الأنشطة بينما ينشأ مجلس تنفيذي يختص بتنفيذ السياسة العامة لبيت العائلة. 
ويضم بيت العائلة عدد من اللجان، منها لجنة الشباب والتنمية المجتمعية، لجنة الخطاب الديني، لجنة التعليم، لجنة الثقافة الأسرية، لجنة الطواريء التنفيذية.
وبالاطلاع على محاضر عدد من اجتماعات لجنة الخطاب الديني التابعة لبيت العائلة، لوحظ الاهتمام بترتيب لقاءات وندوات يحضرها وعاظ من الأزهر وقساوسة من الكنائس المصرية، للحديث حول مفهوم قبول الاخر ونشر ثقافة التسامح ونبذ العنف والكراهية، إلى جانب تنظيم عدد من الزيارات للمساجد والكنائس القديمة والاثرية، وتقديم محاضرات مشتركة حول القيم الانسانية والاخلاقية، مع التوصية بزيارة المؤسسات المجتمعية، ومتابعة الوعاظ والقساوسة الذين تم تدريبهم في دورات تابعة لبيت العائلة.
وكنتيجة لما سبق، تم تدشين فروع لبيت العائلة المصرية بعدد من المحافظات داخل مصر، وأصبح لكل فرع خصوصية في تنظيم ورش عمل وندوات ولقاءات تجمع بين الشيوخ والقساسة لتقديم خطابات دينية متطورة وعصرية تركز على القيم الانسانية أكثر من الحديث عن الخلافات اللاهوتية او الفقهية، ولكن في حقيقة الأمر  لا تزال هذه المجهودات أسبرة الغرف المغلقة، ولا يظهر صوت العائلة إلا في الأحداث الكبري، ولا يظهر صدى هذه اللقاءات على حياة المواطنين البسيطة، وأغلبهم لا يزال يبحث عن القنوات الفضائية التى تقدم خطابات طائفية تحريضية والتشكيك في عقائد الآخر، وهو ما يمنع من تطويع فكرة بيت العائلة لكى يقوم بدور المهديء وممتص الصدمات في مواجهة الجماعات والتيارات المتطرفة.
وربما يلعب بيت العائلة دورا مهما في الفترة المقبلة لتطوير الخطاب الديني إذا تم الاهتمام بالتعليم وتنقيح المناهج التعليمة من الأفكار المتطرفةـ، إلى جانب تنظيم لقاءات شعبية للمسيحيين والمسلمين، والكف عن التشكيك في عقائد الاخرين عبر المنابر الدينية الاسلامية والمسيحية، خاصة وأن وسائل الاعلام كثيرا ما تستخدم ما يبرز من شطحات الائمة في المساجدوالفضائيات أو القساوسة في الكنائس والفضائيات لتصبح مادة دسمة للسجال تطيح بكل المحاولات الرامية لتطوير الخطاب الديني.
ومع ذلك هناك مقترح في بيت العائلة حاليا لتشكيل فروع خارج مصر، والتواصل مع مجلس الكنائس العالمى، من حيث القيام بدور أكبر في ترسيخ علاقة المسلمين بالمسيحيين، وحث المواطنين على احترام حرمة دور العبادة. 




توصيات
تكليف مجلس النواب الجديد بدراسة تقرير اللجنة البرلمانية في 2003 والخاص بتطوير الخطب الديني، والعمل على تفعيل التوصيات الواردة به، خاصة وأن معظمها يتماشي مع الفترة الراهنة ويمكن الاستعانة به لمواجهة أفكار التطرف والغلو، وتقديم فكر ديني عصري تناسب مع المرحلة الراهنة. 
ضرورة تطوير لجان واجتماعات بيت العائلة وتطويعه بشكل يخدم أفكار تجديد الخطاب الديني الاسلامى والمسيحي، ومواجهة حازمة لكل أفكار التطرف الصادرة عن المؤسسات الدينية.
 ضرورة منع غير المؤهلين من الخطاب والقاء الدروس الدنية منعا لتقديم أفكار متطرفة وغير صحيحة يستخدمها المتطرفين في تنفيذ جرائمهم، وما يترتب عليه من تقديم صورة غير صحيحة عن صحيح الدين.
دعوة وسائل الاعلام لنشر مواد اعلامية للاستنارة وليس الاثارة، وتجنب بث المواد التى تشكك في العقائد وكتب التراث، وترك مثل هذه الأمور إلى لجان متخصصة من كبار العلماء ومشايخ الأزهر ورجال الدين المسيحي، وعدم طرحها على عامة الشعب، لما يترتب عليه من التشكيك في الايمان والدين.
اجراء دراسات وأبحاث متعمقة لدراسة الخطاب السياسي والثقافي والديني، حتى يتم التعامل مع الأمر وفق حزمة من القرارات والأفكار التى يمكن من خلالها مواجهة الأفكار المتطرفة، والتعامل مع تجديد الفكر الديني بموجب الخطابات السائدة في المجتمع وليس بمعزل عن الخطاب السياسي أو الثقافى بالمجتمع.    

 
مراجع الدراسة

جمال البنا، الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الاسلامى، دار الفكر الاسلامى، 2004
حلمى النمنم، الأزهر الشيخ والمشيخة،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012
طه جابر العلوانى، لا اكراه في الدين، مكتبة الشروق الدولية، 2006
عبد المتعال الصعيدي، حرية الفكر في الاسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015
محمد عبده، الأعمال الكاملة، تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، 2009
نبيل عبد الفتاح، الخطاب الديني مقاربة أولية، الهيئة القبطية الانجيلية، 2006 
موقع بوابة الحركات الاسلامية (تقارير- ملفات خاصة)
صحف ودوريات مختلفة ومواقع الكترونية

شارك