مقتطف من كتاب: القافلة.. عبد الله عزام وصعود الجهاد العالمي

الإثنين 18/يوليو/2022 - 05:16 ص
طباعة مقتطف من كتاب: القافلة.. حسام الحداد
 
يشكل كتاب " القافلة.. عبد الله عزام وصعود الجهاد العالمي"، واحدا من أهم الكتب التي تناقش ظاهرة عولمة الإرهاب، والتي كانت بدايته كما يصور الكاتب "عبد الله عزام" وبداية ما أطلق عليه الجهاد الأفغاني، حيث استقبلة أفغانستان العديد من العناصر الإرهابية من جنسيات وأعراق مختلفة لمجابهة الإحتلال السوفيتي لأراضيها، وقامت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول العربية بتمويل ودعم انتقال هذه العناصر إلى الأراضي الأفغانية، الكتاب تأليف توماس هيجهامر، وترجمة عبيدة عامر، صادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2021، ولأهمية الكتاب سوف نقدم بعض المقتطفات التي توضح للقارئ كيف تشكلت شخصية عبد الله عزام الإرهابية.
ما الذي شكّل عزام؟
كانت مسيرة عزام مثل أي شخص آخر، خليطًا من الصفات الشخصية، والقوى الاجتماعية، والمصادفات. الصورة الشخصية التي تظهر في هذا الكتاب هي لفرد مثالي وجادّ، يملك نقاط قوة وأخطاء مثل أي إنسان آخر. لكونه متدينًا ومحافظًا بعمق؛ تبع عزام قناعاته بثمن باهظ على نفسه وعائلته. لقد كان رومانتيكيًّا في الحرب، نظر لحياته بشكلها الكامل بالجهاد، لكنه كان متعلقًا جدًّا بالكتب ليصبح جنديًا ملتزمًا، وخجلًا جدًّا من الصراعات ليكون قائدًا جيدًا. لقد كان مليئًا بالطاقة ومنضبطًا وشديد العزم؛ مرتقيًا بدرجة كبيرة لمعنى اسمه: عزام. هذه الصفات الشخصية جعلته عالي الإنتاج، وصارمًا وحادًّا في بعض الأحيان. كان متواضعًا في التعاملات اليومية، وشوفينيًّا بما يتعلق بالثقافة الإسلامية، ويمكن أن يصبح باهيًا نسبيًّا إذا اعتلى منصة. المتحدث الآسر، عزام، كان يمكن أن يبالغ في مقارناته ليوصل فكرته، وأن يعطي كذبة بيضاء ليجمّل قصته. تغيرت أفكاره مع الوقت، ويمكن أن يعطي أفكارًا متناقضة جزئيًّا اعتمادًا على سياق حديثه. باختصار؛ كان عزام شخصية أكثر تعقيدًا من كونه مجرد "المسلم الخارق" كما في السير التبجيلية المكتوبة له.
دول الخليج والسعودية سارت بعيدًا بترويجها للوحدوية الإسلامية الشعبوية في السبعينيات والثمانينيات. لقد دفعت، عمليًّا، صعود حركة الوحدة الإسلامية بتمويل المنظمات الإسلامية الدولية. لو أن السعودية لم تمول منظمات مثل "رابطة العالم الإسلامي" وأعطتهم حرية كهذه؛ فسردية الوحدة الإسلامية لم تكن مؤثرة كما هي عليه، ولا الشبكات الانتقالية لم تكن كبيرة كما هي عليه. هذا، بدوره، كان سيقلل على الأرجح صدى دعوات تجنيد المقاتلين الأجانب، ويحد قدرة استغلال الجمعيات الخيرية والبرامج التعليمية لأهداف عسكرية. هذا الكتاب قدّم كثيرًا من الأدلة على أن المنظمات والجمعيات الخيرية المدعومة من الحكومة ساهمت بالعمل العسكري في أفغانستان.
مسار عزام كان مرسومًا جزئيًّا بالأحداث السياسية، التي كان أهمها تأسيس وتوسع إسرائيل، والتي كلفته أرض عائلته عام 1948، ودفعته شخصيًا للمنفى عام 1967، وظلت بالنسبة له تذكيرًا مهينًا بالضعف الجيوسياسي للمسلمين. وحتى في كتاباته المبكرة، نرى حنينًا للنظام الإقليمي العثماني، وغيابًا للثقة في الدول الوطنية الجديدة في المنطقة. "حرب الأيام الستة" جعلت عزام بلا جنسية؛ ولو لم تحصل الحرب، فقد كان عزام، على الأرجح، سيعيش حياة هادئة كأستاذ ديني أو قاضٍ في منطقة جنين. خلفيته الفلسطينية كانت أساسية في تكوين هويته، وسعيه لتحرير وطنه دفعه بشكل كبير طيلة حياته. كان للصراع تأثير الدرجة الثانية بدفعه إلى الصراعات العربية-العربية المريرة حول مواجهة إسرائيل. خلافاته مع اليساريين الفلسطينيين واستياؤه من قمع الأردن للفدائيين جعله مستاءً وخائبًا. أخيرًا وليس آخرًا؛ أخذ مسار عزام انعطافة مصيرية عام 1980 عندما طردته الحكومة الأردنية، عمليًا، بسبب آرائه السياسية، ووضعته على مساره نحو أفغانستان. بذلك، أصبح عزام جزءًا من قائمة طويلة من الفلسطينيين الذين شاركوا بشكل بارز في الجهادية الانتقالية، والذي دفع البعض، بشكل محق، للحديث عن "تأثير فلسطين" على الحركة الجهادية.
ولكن، عزام لم يكن، ببساطة، منتَجًا من الاحتلال والسلطوية. خياراته كذلك كانت متأثرة بالأيديولوجية الدينية لـ "الإخوان المسلمين". لقد استُدخل في الحركة منذ وقت مبكر جدًّا من حياته، ورؤيته الجوهرية للعالم شكّلتها أفكار الإخوان، خصوصًا أفكار سيد قطب. عزام لم يكن ديمقراطيًّا ليبراليًّا، فقد أراد المسلمين أن يصبحوا أكثر محافظة، وأن تُحكم مجتمعاتهم بالشريعة حصرًا. لقد اعتبر الدول الوطنية في العالم الإسلامي كيانات فاسدة وصناعية يجب أسلمتها بداية، ودمجها بعد ذلك ضمن خلافة إسلامية. لقد اعتبر الثقافة الغربية فاسدة أخلاقيًّا، وحاكم الأفراد بناء على دينهم، وارتاب نوعيًّا باليهود والمسيحيين والملحدين. لقد اعتبر التاريخ الإسلامي صراعًا ثابتًا بين الإسلام والمجموعات الدينية الأخرى، وخصوصًا اليهود. عزام، المعادي للسامية بعمق، لام اليهود لا على احتلال فلسطين وحسب؛ وإنما على العديد من الأمور الأخرى، مثل سقوط الإمبراطورية العثمانية، وانتشار الاشتراكية والعلمانية. العديد من قراراته في الحياة كانت متأثرة بالأيديولجيا، مثل اختياره لوم الحكومة الأردنية لأنه اعتبر سياساتها غير إسلامية، واختياره القتال في أفغانستان لشعوره بالتضامن الديني مع المسلمين الأفغان، ولأنه كان يعتقد أن سيأثم من الله إن لم يفعل.
مسار عزام شكّله كذلك شبكة انتقالية من الصلات التي جمعها مع "الإخوان المسلمين". فمن خلال الإخوان شارك مع الفدائيين نهاية الستينيات، ومن خلالهم حصل على منحة الدكتوراه للقاهرة ثم على وظيفة في الجامعة الأردنية. العديد من سفره الدولي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات كان لفعاليات مرتبطة بالإخوان، ومن خلالهم وجد وظيفة في السعودية بعد أن طُرد من الجامعة الأردنية. لقاء عزام مع كمال السنانيري في ربيع عام 1981 –الذي وضعه على مسار باكستان– كان سمة بارزة لصلاته المصرية القديمة. بذلك، "الإخوان المسلمون" ألهموا وسهلوا التفافة عزام نحو الانتقالية.
الحكومات كذلك مُلامة عن تأميم الجهاد، ولكن ليس للمدى الذي يُقال غالبًا، وليس للأسباب نفسها. هذا الكتاب أظهر، بشكل عام، أن الحركة الجهادية أخذت مسارها الخاص بناء على قناعاتها الأيديولوجية أكثر من كونه بناء على تلاعب الحكومات بها. ومع ذلك، فسياسات كل من البلدان المسلمة والغربية ساهمت بعولمة الجهاد بعدة طرق.
أولًا، بضعة دول عربية استخدمت العنف المفرط ضد المعارضين الإسلاميين منذ الخمسينيات حتى الستينيات. هذا دفع القادة باتجاه المسرح الدولي، وخلق مظالم حشدت ناشطين جدد. للتأكيد، لم يكن دومًا من السهل دمج الإسلاميين في العملية السياسية، لأن المتشددين من بينهم رفضوا عادة سمات جوهرية في النظام القائم. إضافة لذلك، السياسات السلطوية لهذه الأنظمة عكست اختلالات وظيفية متأصلة بها منذ الفترة الاستعمارية. ومع ذلك، بلدان مثل مصر وسوريا اختارت عادة المواجهة أو القمع، بينما كان هناك استراتيجيات بديلة متاحة.
ثانيًا، دول الخليج والسعودية سارت بعيدًا بترويجها للوحدوية الإسلامية الشعبوية في السبعينيات والثمانينيات. لقد دفعت، عمليًّا، صعود حركة الوحدة الإسلامية بتمويل المنظمات الإسلامية الدولية. لو أن السعودية لم تمول منظمات مثل "رابطة العالم الإسلامي" وأعطتهم حرية كهذه؛ فسردية الوحدة الإسلامية لم تكن مؤثرة كما هي عليه، ولا الشبكات الانتقالية لم تكن كبيرة كما هي عليه. هذا، بدوره، كان سيقلل على الأرجح صدى دعوات تجنيد المقاتلين الأجانب، ويحد قدرة منظمين مثل عزام لاستغلال الجمعيات الخيرية والبرامج التعليمية لأهداف عسكرية. هذا الكتاب قدّم كثيرًا من الأدلة على أن المنظمات والجمعيات الخيرية المدعومة من الحكومة ساهمت بالعمل العسكري في أفغانستان. أكثر ما عرض هذه الفكرة بشكل صارخ هو أن عزام نفسه اعتاش على المال السعودي أثناء فترة وجوده في باكستان، أولًا من جامعة الملك عبد العزيز، ثم من "رابطة العالم الإسلامي".
المتهم الثالث بالطبع هو الاتحاد السوفييتي. بالتدخل العسكري في أفغانستان، ودعم الديكتاتورية الشيوعية، وممارسة حملات مكافحة تمرد وحشية؛ موسكو خلقت رمزًا كبيرًا للمعاناة الإسلامية. بدون احتلال سوفييتي، أفغانستان كانت على الأرجح ستشهد مزيدًا من الصراع وعدم الاستقرار، لكنها كانت ستكون حربًا بين الأفغان، وليس من السهولة النظر لها على أنها احتلال من غير المسلمين لأراضي المسلمين، أي حالة مباشرة جدًّا للجهاد. الصراع داخل أفغانستان بين الإسلاميين والشيوعيين كان ربما سيجذب المقاتلين الأجانب، لكن أعدادهم كانت أقل كثيرًا.
رابعًا، الداعمون الرئيسيون للجهاد الأفغاني -الولايات المتحدة والسعودية وباكستان- يتحملون الملامة بالسماح، عمليًّا، للمقاتلين الأجانب بالعمل بحرية في باكستان وأفغانستان، وفي مجتمعاتهم كذلك. لقد رأينا أن الأجهزة الاستخباراتية العربية لم تدعم المتطوعين العرب بشكل فعّال، لكنها كذلك لم تفعل الكثير لتوقفهم. هذا مفهوم بشكل ما، لأن العرب كانوا لاعبين هامشيين في الحرب، ولم يكن هناك سابقة لمقاتلين أجانب يتحولون لإرهابيين دوليين. ومع ذلك، هناك قدر من العلامات التحذيرية لأولئك الذين كانوا ينظرون، مثلًا، بعداء الغرب الشرس للمتطوعين العرب والتكتيكات الإرهابية التي استخدمها الجهاديون في مصر وسوريا في السنوات السابقة. لقد كان من الساذج الاعتقاد أن تدفق المقاتلين الأجانب لن يكون له أصداء دولية.

شارك