حسام الحداد يكتب: تأثير الإخوان المسلمين على القاعدة وداعش وإيران (2-3)

الأحد 07/يونيو/2026 - 10:19 ص
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
تُعد دراسة مسارات التطرف المعاصر في المنطقة العربية والشرق الأوسط إحدى أكثر القضايا تعقيداً، نظراً لتداخل العوامل الفكرية بالتنظيمية والسياسية. وقد استعرض المحور الأول من هذه السلسلة الجذور الأيديولوجية التي استندت إليها حركات الإسلام السياسي، مسلطاً الضوء على الدور المحوري الذي لعبته كتابات سيد قطب في إعادة صياغة الوعي الحركي، وتأسيس مفاهيم "الحاكمية" و"الجاهلية الحديثة" التي أحدثت قطيعة فكرية مع الدولة الوطنية. وقد أوضح ذلك المحور كيف تحولت هذه الأطروحات إلى بوصلة مرجعية لم تقتصر على التيارات السنية المتطرفة كالقاعدة وداعش فحسب، بل امتدت لتشكل إرثاً فكرياً عابراً للمذاهب أثّر حتى في بنية النظام السياسي للثورة الإيرانية، مما أسس لقاعدة أيديولوجية تستبيح الصدام العنيف مع الواقع السياسي القائم.
استكمالاً لهذا التأسيس المعرفي، ينتقل هذا المقال إلى المحور الثاني الذي يغوص في الآليات التنظيمية والعملية التي حولت هذه "النظريات" إلى "سلوكيات" ملموسة. فإذا كان المحور الأول قد فكك الأساس النظري، فإن هذا الجزء يسعى إلى رصد الظواهر الميدانية، بحثاً عن إجابات لأسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة التي ربطت جماعة الإخوان المسلمين بالتنظيمات الجهادية. إن الهدف هنا ليس مجرد تتبع تاريخي لشخصيات قيادية نشأت في أحضان الجماعة ثم انشقت عنها، بل هو تحليل "للحاضنة" التي وفرت البيئة التنظيمية واللوجستية التي أتاحت لهذه النخب الانتقال من حيز الدعوة والتربية إلى ميادين القتال العابر للحدود، محاولين بذلك فهم الفجوة بين الخطاب التنظيمي المعتدل وبين المخرجات الراديكالية التي أفرزتها تلك البيئة.
حسام الحداد يكتب:
إشكالية "التنشئة العقائدية": هل الفكر أم الممارسة؟
تكمن الإشكالية المركزية في دراسة حركات الإسلام السياسي في التمييز الدقيق بين الممارسة التنظيمية وبين التنشئة العقائدية التي تغرسها في قواعدها. إن جوهر النقد الموجه هنا لا ينصب على اتهام المؤسسة بالتورط المباشر في العمليات المسلحة، بل ينصب على "العدة المفاهيمية" التي توفرها للشباب؛ حيث تعمل الأدبيات الفكرية الراديكالية، وتحديداً تلك التي تقوم على ثنائية "الحاكمية والجاهلية"، كأداة تشكيل للوعي. هذا النوع من التلقين العقدي لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يعيد هندسة الولاءات الفردية، مما يخلق حالة من "المفاصلة الشعورية" مع المجتمع والدولة، وهي حالة يمكن وصفها بـ "الجهادية الكامنة" التي تنتظر محفزاً للظهور.
وتقوم هذه التنشئة على زرع بذور القطيعة الفكرية مع النظم السياسية القائمة، حيث يتم تصوير الدولة الوطنية ككيان غير شرعي أو "جاهلي" لا يستحق الولاء. ورغم أن المؤسسة الأم قد لا توفر "السيف" أو الأدوات التنفيذية لتجسيد هذه القطيعة في واقع ملموس لاعتبارات استراتيجية أو مؤسسية تتعلق بالحفاظ على وجودها داخل النظام، إلا أنها تنجح في تحرير الفرد نفسياً وعقائدياً من أي التزام أخلاقي أو وطني تجاه مؤسسات الدولة. هذه التعبئة الفكرية تعمل بمثابة الجسر الذي ينقل الفرد من حالة الامتثال العام إلى حالة التمرد المبدئي.
ومع ذلك، يبرز هنا تناقض بنيوي يضع الشباب المتشبعين بهذه الأفكار أمام "مأزق أيديولوجي" حاد؛ فبعد أن يتم تهيئتهم نفسياً بأن النظام الحالي هو عائق أمام "المنهج الإلهي"، يجد هؤلاء الشباب أنفسهم في مواجهة مع قيادات تنظيمية ترفض الصدام المسلح أو الثورة الجذرية لأسباب تكتيكية براجماتية. هذا التباين بين الخطاب النظري الراديكالي الذي يغذي الحماس، وبين السياسات المعتدلة أو التبريرية التي تتبعها القيادة، يخلق فجوة عميقة تؤدي إلى الشعور بالإحباط والارتياب في شرعية المنهج التنظيمي السائد.
وهنا تبرز التنظيمات الراديكالية الأكثر عنفاً (مثل القاعدة أو داعش) كـ "مظلة" بديلة تستوعب هؤلاء الشباب، حيث تُقدم نفسها ككيان يمتلك الشجاعة لتحويل الأفكار "القطيعية" إلى ممارسة قتالية ملموسة. بالتالي، يتحول هؤلاء الأفراد من "موارد بشرية" تحت التدريب في الحاضنة الأولى إلى "أدوات تنفيذية" في التنظيمات الأكثر تطرفاً، ليس بالضرورة بتخطيط مباشر من الجهة الأولى، بل كنتيجة طبيعية لاستحالة التوفيق بين الفكر التصادمي وبين القيود التنظيمية، مما يجعل الحاضنة الفكرية الأولى بمثابة "مرحلة التمهيد" التي لا غنى عنها في المسار نحو الراديكالية المسلحة.
"متلازمة العبور": من التنظيم إلى الانشقاق
تتمثل إحدى أكثر الظواهر لفتًا للانتباه في دراسة الحركات الراديكالية في تتبع المسارات الحيوية للقيادات التي أحدثت تغييرات جذرية في المشهد الجهادي العالمي، حيث نجد أن قائمة طويلة من الشخصيات المؤثرة في تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش" قد استهلت مسيرتها الفكرية والتنظيمية داخل عباءة جماعة الإخوان المسلمين. هذا التداخل في البدايات لا يمثل مجرد حوادث فردية، بل يشير إلى نمط مستمر ومتكرر يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة البيئة التنشئوية التي توفرها الجماعة، وما إذا كانت توفر "المناخ الحاضن" الذي يغذي الرغبات السياسية المتضخمة حتى تتجاوز الحدود التنظيمية وتتحول إلى راديكالية مسلحة.
تنبثق هنا إشكالية نقدية تتعلق بدوافع الانشقاق؛ فهل هؤلاء القادة غادروا الجماعة لأنهم بلغوا درجات أعلى من الالتزام الديني، أم أنهم وجدوا في الأطر المؤسسية القائمة قيوداً تعيق طموحاتهم الصدامية؟ التحليل العميق يرجح أن الجماعة وفرت لهم "البيئة الخام" التي تبلورت فيها طموحاتهم، حيث يُعتبر الفكر الشمولي الذي تتبناه الجماعة بمثابة الأرضية الخصبة التي تُنمي بداخل الشاب شعوراً بالمسؤولية الكونية تجاه "الأمة"، وهو شعور إذا ما اقترن بغياب آفاق التغيير السياسي السلمي، يميل إلى التضخم ليتحول إلى نزعة راديكالية ترى في العنف المسلح السبيل الوحيد لإنجاز الغايات العقائدية.
من منظور تحليلي، يمكن توصيف الجماعة بأنها تعمل كـ "جامعة أولية" أو خزان استراتيجي لإعداد الكوادر الحركية؛ فهي لا تمنح أعضاءها فقط مفردات الخطاب الإسلامي السياسي، بل تمنحهم أيضاً شبكة تواصل اجتماعي وتنظيمي عالمية عابرة للحدود. هذه الشبكة توفر للفرد "شرعية الانتماء" لمشروع إسلامي كبير، وهو ما يُكسب الشاب ثقة مبكرة في قدرته على التأثير. وبمجرد استقرار هذا الإيمان في وجدانه، تصبح الهياكل التنظيمية الكلاسيكية عبئاً على طموحه، مما يدفعه للبحث عن تنظيمات توفر له آليات عمل أكثر سرعة، وأدوات حسم أكثر عنفاً، ومساراً مباشراً لإقامة الشريعة كما يراها.
إن الرابط بين هؤلاء القادة وبين تجربتهم التأسيسية ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لاتساق المرجعية الفكرية التي تتبناها الجماعة مع الطموحات التي سعت تلك الشخصيات لتحقيقها. فبينما تحاول الجماعة ضبط إيقاع التحرك ببراجماتية سياسية، فإنها في الوقت ذاته ترسخ في عقول أتباعها مفاهيم التمايز عن "الآخر" وضرورة التغيير الجذري؛ مما يجعلها في نهاية المطاف منصة انطلاق لا إرادية. وبذلك، تظل الجماعة -من الناحية الهيكلية- بمثابة المفرخة التي تضع النواة الأولى للوعي، والتي تستغلها لاحقاً التنظيمات الأكثر تطرفاً لتوظيفها في أجنداتها القتالية.

الجسور اللوجستية: تداخل المصالح
يُعد ربط الأطر الفكرية بالجسور اللوجستية نقطة ارتكاز حيوية في فهم تحولات حركات الإسلام السياسي، حيث لا يمكن فصل الخطاب الأيديولوجي عن الآليات العملية التي تضمن استمرارية النشاط العابر للحدود. إن دراسة التاريخ المعاصر لهذا التيار تكشف عن وجود "مساحات رمادية" معقدة، تداخلت فيها شبكات التمويل والتنظيم، مما خلق بيئة خصبة مكنت الأفراد والنخب من الانتقال السلس من مرحلة العمل الدعوي أو التنظيمي المؤسسي إلى الممارسة الجهادية المسلحة، مدعومين ببنية تحتية لوجستية وفرت لهم الغطاء والموارد.
تتمثل هذه البنية في مؤسسات مالية وكيانات اقتصادية اتخذت طابعاً ظاهرياً لخدمة الأهداف الدعوية أو الخيرية، بينما كشفت التقارير الاستخباراتية والتحقيقات الدولية لاحقاً عن تورط بعضها في أدوار وظيفية لدعم شبكات متطرفة. هذه الكيانات، التي عملت كشركات صورية أو واجهات تمويلية، قدمت خطوط ائتمان حيوية وخدمات لوجستية سهلت حركة القادة وتأمين احتياجاتهم، مما يثبت أن التحول نحو الراديكالية لم يكن مجرد انشقاق فكري منعزل، بل كان مدعوماً بشبكة مصالح متداخلة مكنت من تقريب المسافات بين أجنحة العمل الإسلامي المختلفة.
ولا يتوقف الأمر عند التمويل المالي فحسب، بل يمتد إلى الروابط الشخصية التي جمعت بين شخصيات قيادية في التنظيمات المؤسسية وبين زعامات العمل المسلح. لقد لعبت هذه الرموز أدواراً مزدوجة كمرشدين روحيين ومنسقين ميدانيين، حيث استغلت الثقل التنظيمي والقبول الاجتماعي الذي تحظى به داخل الحاضنة الإخوانية لشرعنة التواصل مع الجماعات المسلحة، وتوفير التغطية اللازمة لها، مما جعل الحدود بين التنظيمات المعتدلة ظاهرياً والكيانات الراديكالية حدوداً هشة تذوب في لحظات التقاطع الاستراتيجي.
إن هذه الإشارات الواقعية لا يمكن تجاهلها عند إجراء قراءة تحليلية دقيقة لتطور المشهد الجهادي؛ فهي تؤكد أن الانتقال من العمل "الدعوي" إلى "القتالي" كان يتم أحياناً عبر مسارات ممهدة مسبقاً بفعل تداخل المصالح والروابط اللوجستية. وبذلك، تصبح تلك المؤسسات بمثابة الشرايين التي أمدت التنظيمات المسلحة ليس فقط بالأفراد، بل بالدعم المالي والخبرات الإدارية التي اكتسبها القادة خلال مسيرتهم الطويلة داخل المنظومات الإسلامية الشمولية، وهو ما يفسر القدرة التنظيمية العالية التي أظهرتها تلك الجماعات عند نشأتها.

نقد المنهج والنتائج
يتطلب التحليل الموضوعي لظاهرة انتقال الأفراد من التنظيمات الحركية إلى التشكيلات الجهادية التمييز الدقيق بين مفهومي "السببية المباشرة" وبين "التأثير البيئي". فبينما قد لا تصدر توجيهات تنظيمية مباشرة نحو العمل المسلح، إلا أن البيئة الفكرية التي توفرها المنظومة تعمل كمهيئ استراتيجي يسهل هذا الانتقال. تبرز قوة التحليل في قدرته على تشخيص "التحول الأيديولوجي" الذي يعتري الشباب، خاصة في لحظات الانكسار السياسي أو الأزمات الكبرى، حيث يصبح الانخراط في المسارات الراديكالية استجابة طبيعية لانسداد الآفاق وتآكل مسارات الإصلاح الداخلي.
تتجلى إحدى أبرز ديناميكيات هذا التحول في فترات التوتر السياسي، إذ يتحول الفكر الذي شُكِّل عبر أدبيات المفاصلة والقطيعة إلى "خيار انتقامي" أو "خيار حسم" لدى جيل الشباب. عندما تغيب الممارسة الديمقراطية أو الفاعلية السياسية السلمية داخل البنية التنظيمية، يجد الشباب المتشبعون بالنصوص الراديكالية أنفسهم أمام فراغ استراتيجي، مما يدفعهم للبحث عن تنظيمات توفر لهم مخرجاً عملياً وعنيفاً، محولين الإحباط السياسي إلى وقود لتبني أفكار الصدام الكلي مع الدولة والمجتمع.
في المقابل، يقتضي الإنصاف التحليلي الإشارة إلى أن البنيات التنظيمية المركزية كثيراً ما تتخذ مواقف معارضة صريحة للفكر الجهادي التكفيري، ليس فقط من منطلقات أيديولوجية، بل دفاعاً عن استمراريتها ومحاولة لتجنب الصدام مع الدولة أو فقدان الشرعية الشعبية. هذا الموقف يظل محكوماً بالضرورات التنظيمية والاحتياجات السياسية اللحظية، وهو ما يخلق فصاماً مستمراً بين الرغبة في الحفاظ على التوازن وبين التداعيات غير المقصودة للخطاب التربوي التأسيسي.
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية التي تضع التنظيمات في مأزق أخلاقي وفكري؛ فبينما ترفض القيادات العنف على مستوى "القرار السياسي"، فإنها تفشل -أو ترفض- تفكيك "البنية الفكرية" التي أنتجت هذا العنف أصلاً. إن الرفض السياسي وحده لا يغني عن ضرورة المراجعة الفكرية العميقة للأصول التي تشرعن المفاصلة والصدام. وبناءً عليه، يظل الخطاب المؤسسي يدور في حلقة مفرغة، حيث يُحارب العنف بالسلوك السياسي، بينما تُترك الجذور الأيديولوجية المسببة لهذا العنف قائمة، مما يضمن استمرار عملية التفريخ المستمرة للتوجهات الراديكالية داخل البيئة الحاضنة ذاتها.
ختاماً، يمكن القول إن التحليل النقدي لهذا المسار يكشف أن جماعة الإخوان المسلمين، وإن لم تكن في بنيتها المركزية "داعش الأم"، إلا أنها مثلت "الحاضنة الفكرية" التي أنتجت الظروف الموضوعية لظهور هؤلاء القادة والكوادر المتطرفة. إن الخطر الكامن في هذا النموذج لا يقتصر على النشاط السياسي أو التنظيمي الظاهر، بل يمتد إلى استمرار الجماعة في التمسك بأيديولوجيا "الحاكمية" كمرجعية تربوية وثقافية، وهو ما يظل بؤرة جذب دائمة لكل من يبحث عن مبرر أخلاقي وديني للصدام مع الدولة الحديثة؛ مما يفرض ضرورة ملحة للمراجعات الفكرية العميقة التي تتجاوز التكتيكات السياسية لتصل إلى تفكيك الأصول التي تشرعن العنف والقطيعة مع المجتمع.

شارك