بين جبهتي لندن وإسطنبول: قراءة في تقرير "المونيتور" حول تفكك الإخوان
الأحد 19/يوليو/2026 - 09:42 ص
طباعة
حسام الحداد
لقد شكل صعود وهبوط جماعة الإخوان المسلمين أحد أبرز ملامح المشهد السياسي في الشرق الأوسط خلال القرن الماضي، حيث تركت بصماتها العميقة على مسارات التحول الديمقراطي وصراعات الهوية، وأثارت جدلا واسعا حول علاقة الدين بالسياسة. ومع ذلك، فإن الجماعة تعيش اليوم واحدة من أصعب فترات تاريخها، حيث واجهت ضربات قاصمة في معقلها الرئيسي بمصر، مما دفع بالعديد من قياداتها وقواعدها إلى المنفى. في هذا السياق، يأتي التقرير الأخير الذي نشره موقع Al-Monitor ليلقي حجرا في المياه الراكدة، مقدما "لوحة كئيبة" عن واقع الجماعة في شتاتها، ومسلطا الضوء بصورة خاصة على أزمة التشرذم الداخلي وفشل كافة محاولات المصالحة بين أبرز جبهتيها المتناحرتين في لندن وإسطنبول.
إن أهمية تقرير الـ "المونيتور" لا تقتصر على رصد وقائع الانقسام فحسب، بل تمتد لتشمل محاولة تقديم تفسير بنيوي لأسباب هذا العجز التنظيمي والفشل السياسي. ويسعى المقال النقدي الحالي إلى تجاوز مجرد عرض محتويات التقرير، بل يهدف إلى إخضاعه لقراءة تحليلية متأنية، تستكشف مكامن القوة والضعف في طرحه المنهجي والمعرفي. فبينما ينجح التقرير في تقديم رصد دقيق وواقعي لعمق الشرخ القائم، فإنه قد يقع في فخ "تبسيط الأسباب" عبر تضخيم دور الثنائية القطبية، أو "إغفال السياق الأوسع" لأزمة الإسلام السياسي. وفي المحصلة، يطمح هذا المقال إلى رسم صورة أكثر شمولا وتعقيدا لأزمة الجماعة، واستشراف التداعيات المحتملة لهذا الضعف التنظيمي على مستقبلها ومستقبل المنطقة.
تشريح الأزمة:
يمثل التوثيق الدقيق لحالة التشظي التنظيمي والجغرافي التي تعيشها جماعة الإخوان المسلمين في المنفى إحدى الركائز الأساسية لقوة تقرير "المونيتور". فالتقرير لا يكتفي برصد السطح الخارجي للخلافات، بل يغوص عميقا لتقديم تحليل بنيوي ورصد واقعي لعمق الشرخ القائم بين الجناحين الرئيسيين (لندن وإسطنبول). وتكمن الدقة هنا في نجاح التقرير في توضيح الجذور التاريخية والفكرية لهذه التصدعات، مؤكدا أنها تتجاوز مجرد الصراع التقليدي على السلطة أو الموارد المالية، بل تمتد لتشمل خلافات جوهرية حول تفسير النصوص التأسيسية وآليات العمل التنظيمي في ظروف المحنة والتشتت.
ومن عناصر التحليل الهامة التي تدعم مصداقية التقرير، هي قدرته على الربط المنطقي والممنهج بين تباين وجهات النظر حول القضايا الاستراتيجية المصيرية وبين التشكل النهائي لهذه الكيانات المنفصلة. حيث يوضح "المونيتور" كيف أن الخلاف الجذري حول ملفات حساسة، مثل شكل العلاقة المستقبلي مع القوى الغربية، وموقف الجماعة من مراجعة أفكار "سيد قطب"، أو حتى التباين في الموقف من "تبني العنف" أو مشروعيته كأداة سياسية، لم تكن مجرد نقاشات نظرية، بل كانت "القواصم" التي أدت في نهاية المطاف إلى استحالة العيش تحت سقف تنظيمي واحد، مما شرعن الانقسام وحوله إلى واقع هيكلي مستدام.
وفي سياق متصل، يحسب للتقرير تبنيه مقاربة تحليلية ناضجة تبتعد كليا عن الانزلاق نحو "التفسيرات التآمرية" الجاهزة التي دأبت أدبيات الجماعة وقياداتها على تبنيها لعقود لتبرير أي إخفاق. فبدلا من إلقاء اللوم التقليدي على "المؤامرات الخارجية" أو "الأجهزة الأمنية"، يركز "المونيتور" عدسته التحليلية بشكل مكثف على "العوامل الذاتية" والفشل الداخلي. حيث يسلط الضوء بوضوح على الترهل القيادي، وغياب الرؤية السياسية الموحدة التي تلم شتات القواعد، واستشراء الخلافات البينية الشخصية والمصلحية التي نخرت جسد التنظيم وحولته إلى جزر معزولة، مما جعل الجماعة هي "السبب الأول" في عجزها الحالي.
وأخيرا، يكتمل البناء التحليلي للتقرير بتقديم تقييم استشرافي مقنع وواقعي للتداعيات الكارثية لهذا التشرذم على مستقبل الجماعة وقدرتها على الفعل السياسي أو التأثير. فالتحليل ينجح في توضيح "دائرة مفرغة" من الهبوط؛ حيث أدى الانقسام العلني وتبادل الاتهامات بين القيادات إلى فقدان الجماعة لما تبقى من مصداقيتها السياسية والأخلاقية، وهو ما أدى بالتبعية إلى تراجع مريع لتأثيرها على قواعدها الشعبية "المحبطة"، وتجميد قدرتها على التعبئة. وينتهي التقرير بخلاصة مفادها أن هذا "العجز الذاتي" قد جرد الجماعة من أهم أوراقها، وهي القدرة على تقديم نموذج سياسي بديل أو منافس للنظم القائمة، مما يحولها تدريجيا إلى ظاهرة "صوتية" معزولة عن مجريات الأحداث الحقيقية.
هيكل مائل:
على الرغم من القيمة التحليلية التي قدمها تقرير "المونيتور"، إلا أن منهجية إعداده شابتها ثغرة أساسية تمثلت في الغياب الشبه تام للأصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين ذاتها. ويلاحظ المتابع للتقرير ندرة، بل انعدام، الاعتماد على مصادر موثوقة من داخل الهياكل التنظيمية للجماعة، سواء أكانت من القيادات التاريخية المحسوبة على أي من الجبهتين، أو حتى من الكوادر الشبابية والقواعد المشتتة في المنافي. هذا المغيب القسري لوجهة النظر الداخلية يضعف من تماسك الطرح، ويجعل التحليل يميل بوضوح نحو "النظرة الخارجية" الصرفة، التي، مهما كانت دقيقة، قد لا تمتلك القدرة على سبر أغوار الأزمة واستيعاب كافة أبعادها النفسية، التنظيمية، والفكرية المعقدة التي لا تطفو بالضرورة على السطح.
وفي سياق متصل، وقع التقرير في فخ "تبسيط الأسباب" عبر تضخيم دور الثنائية القطبية المتمثلة في جبهتي لندن وإسطنبول كسبب وحيد ومباشر لحالة التشرذم. فبينما يركز التحليل بشكل مكثف على الصراع القيادي والشخصي بين هاتين الجبهتين، فإنه يغفل، بعمد أو دون قصد، عوامل بنيوية وسياقية أخرى لا تقل أهمية في تعميق حالة التشظي. ومن أبرز هذه العوامل التغيرات الجذرية في البيئة السياسية الإقليمية التي رفعت الغطاء عن الجماعة في عواصم كانت حليفة، بالإضافة إلى التنامي الملحوظ لدور حركات وجماعات إسلامية أخرى (بعضها أكثر راديكالية وبعضها أكثر براغماتية) نجحت في استقطاب أجزاء من القواعد الإخوانية المحبطة، وهو بعد هام لم ينل حقه من البحث في تقرير "المونيتور".
وعلاوة على ما سبق، يعاب على التقرير "إغفال السياق الأوسع" لأزمة التيار الذي تنتمي إليه الجماعة. فقد تعامل "المونيتور" مع جماعة الإخوان المسلمين ككيان معزول كليا، ومختبر مغلق تجري فيه التفاعلات بمعزل عن المحيط، دون أن يضع أزمتها الراهنة في إطارها الصحيح باعتبارها جزءا لا يتجزأ من "أزمة الإسلام السياسي" ككل، والتي تضرب المنطقة منذ أكثر من عقد. إن هذا القصور في الرؤية فوت فرصة تقديم تحليل أعمق يربط بين تراجع نموذج الجماعة وبين التحديات الوجودية، الفكرية والعملياتية، التي تواجهها حركات "الإسلام الحركي" في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، وصعود الدولة الوطنية، وفشل نماذج الحكم القائمة على الأيديولوجيا.
وبناء على هذه الملاحظات، يمكن القول إن اختزال الأزمة في أبعادها التنظيمية والصراعية البينية، مع تغييب الرواية الداخلية واحتجاز التحليل بعيدا عن السياقات الإقليمية والفكرية الأوسع، قد حد من قدرة تقرير "المونيتور" على تقديم رؤية بانورامية شاملة. فبدلا من تقديم تفسير متكامل لظاهرة التفكك، انتهى التقرير بتقديم قراءة مجتزأة تركز على "الأعراض" (مثل صراع الجبهات) أكثر مما تركز على "الأمراض" الحقيقية والجذور العميقة للأزمة، مما يجعله تحليلا وصفيا بامتياز، ولكنه يفتقر إلى العمق التفسيري والاستشرافي المطلوب لفهم مستقبل هذه الجماعة وتأثيرها.
مآلات الانحدار:
يؤسس تقرير "المونيتور" لنتيجة حتمية مفادها أن استمرار حالة التشرذم الراهنة سيفضي، دون أدنى شك، إلى تلاشي التأثير السياسي المتبقي لجماعة الإخوان المسلمين بصورة شبه كاملة. هذا الانحسار لن يقتصر تأثيره على الساحة المصرية، التي تمثل المركز التاريخي للجماعة، بل سيمتد ليشمل كافة دول الجوار والمنطقة التي كانت تشهد نفوذا إخوانيا متفاوتا. إن العجز عن تقديم جبهة موحدة أو خطاب سياسي متماسك جرد الجماعة من قدرتها على المنافسة أو حتى حجز مقعد كفاعل "رقمي" في المعادلات السياسية، مما سيفتح الباب على مصراعيه أمام قوى سياسية وأيديولوجية أخرى (سواء كانت علمانية، وطنية، أو حتى إسلامية منافسة) لملء هذا الفراغ المتزايد واحتلال المساحات التي أخلتها الجماعة بسبب تآكلها الذاتي.
وفي بعد أمني واجتماعي بالغ الخطورة، يستشرف التحليل سيناريو قاتما يتعلق بتنامي خطر التطرف العنيف نتيجة لهذا التفكك. إن غياب مرجعية فكرية وتنظيمية موحدة ومقبولة لدى كافة الأطراف داخل الجماعة يترك القواعد الشبابية، على وجه الخصوص، في حالة من "السيولة الأيديولوجية" والتيه الوجودي. هؤلاء الشباب، الذين عاصروا المحن المتتالية وعاشوا خيبات الأمل بسب فشل قياداتهم في الإدارة أو المصالحة، يصبحون صيدا سهلا للأفكار الأكثر راديكالية. فمع انسداد الأفق السياسي السلمي وتشرذم "الجماعة الأم"، قد يجد هؤلاء المحبطون في تبني العنف وانتهال أفكار جماعات أكثر تطرفا وسيلة وحيدة، وإن كانت تدميرية، للتعبير عن غضبهم المكبوت وصدمتهم من فشل مشروعهم، مما يهدد بظهور جيل جديد من المتطرفين الخارجين عن سيطرة أي هيكل تنظيمي تقليدي.
وعلاوة على ما سبق، يضرب التشرذم المزمن بعمق في منظومة "الشرعية التاريخية" التي طالما تترس خلفها التنظيم لعقود كأقدم وأكبر حركات الإسلام السياسي. فالاستمرار في تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة بين جبهتي لندن وإسطنبول، والفشل الذريع في تحقيق أي إنجاز سياسي أو حتى إنساني ملموس لصالح قواعدهم المتضررة، قد أدى إلى تعرية القيادات وأسقط "الهالة" التي كانت تحيط بالعمل التنظيمي. هذا "التآكل المعنوي" للشرعية لا يمكن ترميمه بسهولة، وهو يجعل من شبه المستحيل على الجماعة في المستقبل، حتى لو نجحت نظريا في التوحد، أن تستعيد دورها السابق كقائدة للتيار الإسلامي أو كقوة شعبية قادرة على حشد وتوجيه الجماهير التي فقدت الثقة في مصداقيتها وفعاليتها.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن استشراف "المونيتور" للتداعيات لا يتوقف عند حدود رصد الضعف الحالي، بل يرسم معالم "نهاية حقبة" بأكملها. إن تلازم تلاشي النفوذ السياسي، وتنامي مخاطر الراديكالية بين الشباب، مع التآكل الوجودي للشرعية التاريخية، يضع الجماعة في "طريق مسدود" لا عودة منه. وبهذا، لا تعود الأزمة الراهنة مجرد "كبوة" تنظيمية يمكن تجاوزها بالمصالحات الهشة، بل هي تحول بنيوي عميق يشير إلى أن الجماعة، بصيغتها التاريخية الراهنة، قد استنفدت أغراضها ولم تعد قادرة على البقاء كفاعل مؤثر في مستقبل المنطقة المعقد.
وفي الختام، يمكن القول إن تقرير Al-Monitor يمثل مرجعا هاما لكل من يرغب في فهم الديناميكيات الداخلية المعقدة لجماعة الإخوان المسلمين في المنفى، ولكل من يسعى لاستشراف مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لهذا التحليل تتطلب النظر إلى ما وراء السطور، واستكشاف كافة الأبعاد المتشابكة للأزمة، وعدم الاكتفاء بالوقوف عند عتبة "الأعراض" الظاهرة (مثل صراع الجبهات). إن استمرار التشرذم المزمن سيؤدي حتما إلى تآكل ما تبقى من الشرعية التاريخية والتاثير السياسي، وتنامي مخاطر التطرف والراديكالية، مما يضع الجماعة أمام "لحظة حقيقة" حاسمة، تفرض عليها ضرورة إجراء مراجعات نقدية عميقة، وتقديم نموذج سياسي وفكري جديد يتواكب مع متطلبات العصر ويجيب على تحدياته المصيرية.
