حسام الحداد يكتب: لحظة الحقيقة الغربية.. ما وراء تبني استراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب
الأحد 19/يوليو/2026 - 12:53 م
طباعة
حسام الحداد
لقد شكّل الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول مفصلية في التاريخ الحديث، حيث أطلق العنان لما عُرف بـ"الحرب العالمية على الإرهاب"، وهي مقاربة استندت بشكل شبه كلي على القوة العسكرية الغاشمة والحلول الأمنية الصلبة لاستئصال شأفة التنظيمات المتطرفة. ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمن، وتريليونات الدولارات المستنزفة، وآلاف الأرواح المفقودة، أثبتت الوقائع على الأرض أن هذه المقاربة، وإن نجحت في تدمير البنى التحتية للتنظيمات مؤقتاً وتصفية قياداتها، إلا أنها عجزت عن القضاء على "الفكرة" أو منع إعادة إنتاج العنف بأشكال ومسميات جديدة. هذا "الفشل الاستراتيجي" المستدام دفع القوى الغربية، في الآونة الأخيرة، إلى الدخول في حالة من المراجعة العميقة والبحث عن بدائل أكثر فعالية واستدامة، تتجاوز الحلول العسكرية البحتة وتغوص في عمق الأزمة.
وفي هذا السياق، يأتي التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" ليسلط الضوء على "مناقشات جوهرية" و"تحولات جذرية" تدور في أروقة الأمم المتحدة ووزارات الدفاع الغربية. ويشير التقرير بوضوح إلى تنامي قناعة استراتيجية بضرورة تبني مقاربات "جديدة ومتكاملة" لمكافحة التطرف، تضع في مقدمة أولوياتها معالجة "الجذور الاقتصادية والاجتماعية" التي تشكل بيئة خصبة للاستقطاب، وتعزيز برامج "إعادة التأهيل والدمج" للمقاتلين السابقين وعائلاتهم، باعتبارها أدوات وقائية لمنع العودة للعنف. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية وتحليلية لهذا التحول الاستراتيجي الغربي، مستكشفاً الدوافع الحقيقية الكامنة وراءه، والتحديات الجسيمة التي تواجه تطبيقه على أرض الواقع، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على مستقبل الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب.
تحليل دوافع التحول الاستراتيجي:
يُمكن إرجاع هذا التحول الاستراتيجي الجوهري في المقام الأول إلى حالة "الاعتراف الجماعي" المتزايدة، وغير المعلنة أحيانًا، داخل أروقة صنع القرار الأمني والسياسي الغربي بفشل المقاربات العسكرية الصرفة (أو ما يُعرف بالحلول الأمنية الصلبة) في تحقيق نصر حاسم ونهائي واستئصال شأفة الإرهاب بشكل مستدام. فبعد مرور أكثر من عقدين على إعلان "الحرب العالمية على الإرهاب" في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أثبتت الوقائع على الأرض أن الاعتماد شبه الحصري على الغارات الجوية، والتدخلات البرية، وعمليات "التصفية الجسدية" للقيادات، وإن نجح في تدمير البنى التحتية للتنظيمات لفترات مؤقتة، إلا أنه لم ينجح في القضاء على "الفكرة" أو منع "التكاثر" التنظيمي، حيث سرعان ما تعيد هذه الجماعات إنتاج نفسها بأشكال ومسميات جديدة.
إن ما يذكي هذا القلق الغربي ويدفع نحو التغيير هو إظهار التنظيمات المتطرفة مرونة مدهشة وقدرة فائقة على البقاء والاستمرار في التجنيد وشن الهجمات، على الرغم من تلقيها ضربات عسكرية موجعة. وتكمن قوة هذه التنظيمات في قدرتها الفائقة على قراءة وتعظيم الاستفادة من بيئات الهشاشة المتعددة في المناطق التي تنشط فيها. فهي تستغل ببراعة حالات عدم الاستقرار السياسي الناجم عن الحروب الأهلية أو ضعف الدولة الوطنية، وتحول الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية (كالفقر المدقع، والبطالة المستشرية، والتهميش الممنهج لشرائح واسعة من المجتمع) إلى مادة خصبة لخطابها الاستقطابي، مقدمةً نفسها كبديل أو "مخلص" في ظل غياب الدولة وعجزها عن توفير الخدمات والكرامة لمواطنيها.
وقد أدى مجموع هذه العوامل إلى ترسيخ قناعة استراتيجية جديدة لدى الدوائر الاستخباراتية والدفاعية الدولية بأن التركيز التقليدي القائم على مبدأ "قطع الرأس" (القضاء على قادة الإرهاب) أو "تدمير المعاقل والمقرات" لم يعد كافياً، بل هو جزء من حل مؤقت ومبتور. إن المنظور الجديد يفرض ضرورة الانتقال الجذري نحو "معالجة الأسباب العميقة" والبيئية الطاردة التي تشكل "البيوت الزجاجية" التي يتغذى فيها التطرف وينمو. وهذا يتطلب صياغة استراتيجيات طويلة الأمد تهدف إلى مكافحة التهميش الاجتماعي، ومحاربة الفقر، وتعزيز قيم العدالة والمساواة، وفض النزاعات المسلحة، باعتبار أن الاستثمار في التنمية والعدالة هو، في جوهره، استثمار أمني وقائي لمنع الأفراد من الانزلاق نحو مستنقع العنف وتجريد الجماعات المتطرفة من أهم أوراقها التجنيدية.
نقد التركيز على الجذور الاقتصادية والاجتماعية:
على الرغم من الوجاهة النظرية والقبول الواسع النطاق لأهمية معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، إلا أن حصر التركيز في "الجذور الاقتصادية والاجتماعية" يواجه رزمة من الانتقادات المنهجية والتحديات التطبيقية القاسية. تكمن المعضلة الأساسية في الصعوبة البالغة، بل الاستحالة، في "عزل" هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية (مثل الفقر والبطالة والتهميش) وفصلها تماماً عن العوامل السياسية والأيديولوجية الأخرى التي تساهم في التشكيل المعقد لظاهرة التطرف العنيف. فالمنظور النقدي يرى أن هذه الأبعاد تتداخل وتتفاعل معاً؛ فسوء الأوضاع الاقتصادية لا يؤدي للتطرف تلقائياً دون وجود خطاب أيديولوجي مُقنع يربط المعاناة بظلم سياسي ممنهج، مما يجعل أي حل تنموي "محض" قاصراً عن معالجة جوهر المشكلة إذا أغفل الجوانب الفكرية والسياسية.
وإلى جانب التعقيد البنيوي، يُخشى النقاد من "التداعيات السياسية" لهذا التركيز، حيث يُمكن استغلال مقاربة "الجذور الجذرية" من قبل بعض الأنظمة (خاصة السلطوية) كـ"ذريعة" أو "غطاء" شرعي لتبرير سياساتها القمعية الداخلية وتضييق الخناق على المعارضة السياسية تحت ستار مكافحة التطرف وتجفيف منابعه. وفي سياق العلاقات الدولية، قد يفتح هذا الباب على مصراعيه لتدخل قوى خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأقل استقراراً، تحت عنوان "المساعدة في التنمية لمكافحة الإرهاب"، وهو ما يُنظر إليه في كثير من الأحيان على أنه أداة جديدة لإعادة إنتاج أدوار الوصاية أو فرض أجندات سياسية واقتصادية محددة تتوافق مع مصالح القوى الكبرى، مما يفرغ "التعاون الدولي" من محتواه الإنمائي الحقيقي.
وأخيراً، يواجه تطبيق هذا المنظور الجديد تحديات عملياتية هائلة تتعلق بـ"التكلفة" و"اللوجستيات". فمن الناحية الواقعية، يتطلب تصميم وتنفيذ برامج ناجحة ومستدامة لإعادة التأهيل والدمج، فضلاً عن مشاريع التنمية المجتمعية الضخمة، حشداً هائلاً ومستمراً للموارد المالية والبشرية، وهو ما تفتقر إليه العديد من الدول المتضررة والتي تُعد منشأً للتطرف. علاوة على ذلك، تعتمد هذه المقاربة الشاملة على شرط "التنسيق الوثيق والفعال" بين شبكة معقدة من الفاعلين: الحكومات الوطنية، والمنظمات الدولية والدائنة، ومنظمات المجتمع المدني المحلية، وهو شرط يكاد يكون "مستحيلاً" التحقيق في ظل التوترات السياسية والصراعات المسلحة القائمة التي تضرب المناطق المستهدفة بالأساس، مما يحول "الاستراتيجية المتكاملة" إلى مجرد خطط طموحة تفتقر لأدوات التنفيذ الواقعية.
تحديات برامج إعادة التأهيل والدمج:
تنتصب برامج إعادة التأهيل والدمج الموجهة للمقاتلين السابقين وعائلاتهم كواحدة من أعقد العقبات العملياتية والأخلاقية في الاستراتيجية الجديدة. وتكمن الصعوبة البنيوية الأولى في عجز هذه البرامج عن تقديم "ضمانات حتمية" للنجاح المستدام في منع العودة إلى مربع التطرف (Recidivism)، خاصة عندما يتم تنفيذها كـ"جزر معزولة" في ظل استمرار ذات البيئة الطاردة والظروف الهيكلية (السياسية والاقتصادية) التي دفعت هؤلاء الأفراد نحو العنف في المقام الأول. إن محاولة "إعادة تأهيل" فرد وفكرياً ونفسياً ثم إعادته إلى ذات السياق المأزوم الذي أنتجه، يضع البرنامج برمته تحت رحمة "انتكاسة أمنية" محتملة، حيث قد يجد الفرد نفسه مضطراً أو مدفوعاً للعودة إلى التنظيمات المتطرفة كآلية للبقاء أو للتعبير عن إحباط متجدد.
وإلى جانب التحديات الذاتية للبرامج، تواجه جهود الدمج ممانعة "سوسيولوجية" شرسة تتمثل في أزمة القبول المجتمعي والشرخ القائم بين هؤلاء الأفراد والمجتمعات المستضيفة. ففي كثير من الأحيان، تصطدم هذه البرامج بمعارضة علنية أو مستترة من قبل المجتمعات المحلية، وخاصة تلك التي ذاقت ويلات الإرهاب وتضررت بشكل مباشر من فظائع التنظيمات المتطرفة. بالنسبة لهذه المجتمعات، التي لا تزال تضمد جراحها، يُنظر إلى فكرة إعادة دمج المقاتلين السابقين كنوع من "الإفلات من العقاب" أو كتهديد أمني واجتماعي مباشر لم تندمل آثاره بعد، مما يولّد مناخاً من العدائية والرفض الاجتماعي (Social Stigma) الذي يحول دون تحقيق دمج حقيقي ومستدام، وقد يؤدي إلى دفع العائدين نحو العزلة والتطرف مجدداً.
وأخيراً، يمثل ملف التعامل مع أفراد العائلات، وخاصة الأطفال والقصر الذين نشأوا أو ولدوا في ظل دولة "الخلافة" المزعومة تحت تأثير التنظيمات المتطرفة، التحدي الأكثر إلحاحاً وحساسية من الناحية الإنسانية والقانونية. إن هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد "ملحقات" بالمقاتلين، بل هم ضحايا مباشرون لعمليات غسيل دماغ ممنهجة وصدمات نفسية عميقة ناجمة عن معايشة العنف والحرب وفقدان الأهل. وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع هذا "الجيل المنسي" يتطلب تصميم مقاربات تربوية ونفسية واجتماعية خاصة جداً، تكون مراعية لاحتياجاتهم التنموية الفريدة، وصدماتهم المركبة، بدلاً من التعامل معهم كـ"تهديدات أمنية محتملة"، وهو ما يفرض عبئاً تخصصياً ومالياً هائلاً على الدول والمنظمات القائمة على هذه البرامج.
تأثيرات المحتملة على جهود مكافحة الإرهاب:
يحمل التبني الفعال والجاد للاستراتيجيات الجديدة والمتكاملة في طياته إمكانات هائلة لإحداث تحول جذري ومستدام في مسار الجهود الدولية الرامية لمكافحة الإرهاب، ونقلها من مرحلة "إدارة الأزمات" الأمنية المؤقتة إلى مرحلة "الحل الشامل" على المدى الطويل. وتكمن القيمة الاستراتيجية القصوى لهذه المقاربة في قدرتها على كسر "حلقة التجنيد المفرغة" التي تتغذى عليها التنظيمات المتطرفة؛ فمن خلال الانتقال الفعلي من التركيز على استهداف "المقاتل" إلى معالجة "الظروف البنيوية" (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) التي صنعته، وتوفير بدائل حقيقية ومنصات تمكين للشباب المُهمش، يُمكن تجريد الأيديولوجيات المتطرفة من جاذبيتها الاستقطابية وقدرتها على استغلال الإحباط العام، مما يؤدي بالتبعية إلى جفاف منابع التجنيد البشرية وتعقيم "البيئة الحاضنة" للتطرف.
وعلى صعيد آخر، يمثل النجاح العملياتي لبرامج إعادة التأهيل والدمج، المصممة وفق معايير دقيقة ومراعية للاحتياجات الفردية والمجتمعية، ركيزة أساسية لمنع الانتكاسات الأمنية وضمان ديمومة السلم الأهلي في المناطق التي عصفت بها ويلات التطرف. فمن خلال تقديم مسارات آمنة وكريمة لعودة المقاتلين السابقين وعائلاتهم، بدلاً من تركهم فريسة للإقصاء والملاحقة، تُسهم هذه البرامج في تحييد "خطر العودة" (Recidivism) للعنف وقطع الطريق أمام محاولات التنظيمات لإعادة تدوير عناصرها. وعلاوة على ذلك، فإن عملية دمج هؤلاء الأفراد، إذا تمت بأسلوب تشاركي يُنصف الضحايا ويضمن المحاسبة والمصالحة، يُمكن أن تتحول إلى أداة فعالة لرأب الصدع المجتمعي وترسيخ دعائم الاستقرار، محولة "مصدري التهديد" السابقين إلى لبنات محتملة في بناء مجتمعات مرنة وقادرة على مقاومة التطرف ذاتياً.
ومع ذلك، فإن هذا الأفق الإيجابي والطموح يظل مشروطاً ومعلقاً على توافر جملة من الإلزاميات الحاسمة التي تحول الاستراتيجيات من "إعلانات نوايا" دبلوماسية إلى واقع تطبيقي ملموس. يفرض هذا التحول أولاً ضرورة وجود "التزام سياسي حقيقي" وعابر للأجندات من قبل الدول والمنظمات الدولية والدائنة، يُترجم كـ"توفير مستدام ومباشر للموارد" المالية والبشرية والفنية الضخمة المطلوبة لتصميم وتنفيذ هذه المشاريع التنموية والتأهيلية المعقدة، والابتعاد عن التمويل القائم على "المشاريع القصيرة" أو "الاستجابة الفورية". وأخيراً، يرتبط النجاح بالقدرة على "اعتماد مقاربات شاملة ومراعية للسياقات المحلية"، تبتعد كلياً عن استنساخ النماذج الجاهزة أو فرض الحلول "من الأعلى"، وتستند بدلاً من ذلك إلى فهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والفكرية والسياسية الفريدة لكل منطقة، لضمان مواءمة الحلول التنموية والأمنية مع الاحتياجات والجذور الحقيقية للأزمة.
وفي الختام، يمكن القول إن تقرير "نيويورك تايمز" يمثل وثيقة هامة تشير إلى "لحظة إدراك" غريبة في مسار الحرب على الإرهاب، حيث يبدو أن القوى الغربية قد بدأت أخيراً في الاعتراف بحدود القوة العسكرية وحدها في مواجهة فكرة متجذرة. إن التحول نحو معالجة الجذور التنموية والاجتماعية، وتعزيز برامج الدمج، يمثل، من حيث المبدأ، خطوة في الاتجاه الصحيح، ويفتح آفاقاً جديدة لتحقيق استقرار مستدام. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول لا يعتمد على طموح الاستراتيجيات فحسب، بل هو مرهون بقدرة المجتمع الدولي على تجاوز "عقدة الفشل" السابقة، وتوفير الموارد المالية والبشرية الضخمة والمستدامة المطلوبة، والابتعاد عن "تسييس" التنمية، والأهم من ذلك، تبني مقاربات شاملة ومراعية للسياقات المحلية، توازن بدقة بين الضرورات الأمنية والاعتبارات الإنسانية والتنموية، لضمان عدم تحول هذه "الاستراتيجيات الجديدة" إلى مجرد شعارات فارغة أو أدوات جديدة لإعادة إنتاج الفشل بصور أخرى.
