هوامش على الدرر السنية في تأسيس الدولة الداعشية (3)

الأحد 29/نوفمبر/2015 - 11:19 م
طباعة
 
الخطاب الوهابي السلفي وتعليم المرأة

كنا قد تناولنا في المقالة السابقة بتاريخ 11 نوفمبر 2015 موضوع المرأة في الخطاب الوهابي وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن أكثر الخطابات الدينية تشددًا تجاه المرأة هو ذلك الخطاب الوهابي، وقد بيَّنَّا في المقالة السالفة الذكر بعض سمات هذا التشدد، بداية من التمييز بينها وبين الرجل ورفع شأن الرجل ودونية المرأة، استنادًا إلى كم هائل من الأحاديث والمرويات التي تؤكد على دونية المرأة ورفعة شأن الرجل، ليس هذا فقط، بل تأويل الآيات القرآنية حسب الهوى وحسب ما يتناسب مع عادات وتقاليد "نَجْد" التي تأسس فيها هذا الدين الوهابي الجديد، والذي انتشر بقوة النفط في الكثير من دول العالم.
وسوف نكمل اليوم الحديث عن المرأة في الخطاب الوهابي مسلطين الضوء على قضية تكاد تكون من أخطر القضايا التي تمس المرأة ووجودها، وهي قضية التعليم، فكيف ينظر هذا الخطاب الوهابي لتعليم المرأة؟
هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه من خلال كتاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية". ليس هذا فقط، بل مدى تأثير هذا الفقه على تلك الدعوة السلفية في مصر، وتماهي هذه الدعوة مع الفكر الوهابي بهذا الخصوص، متخذين أبو إسحاق الحويني نموذجًا.
ومن خلال كتاب "الدرر السنية" بداية من ص 71 يقول الشيخ عبد الله السليمان بن حميد عن مسألة تعليم البنات: ".. لا شك أن هذا الكلام خلاف ما شرع الله ورسوله، ودرج عليه المسلمون والعرب في جاهليتها، وضد حكمة الله من خلقه. فالله فضل الرجل على المرأة، وجعله القائم عليها، وجعل له من الحقوق مثل ما لها، وجعل شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين، وفضله في الدية وغير ذلك مما يطول عده".
وهنا يؤكد علماء الوهابية على أن التعليم بالنسبة للبنات مخالف لشرع الله، ثم يستطرد الشيخ قائلًا: "إن المرأة عورة، وتعليمها على الصفة التي يريدها المفكرون و الباحثون، مصدر انحطاط الأمة وسقوطها في الهاوية، وهل مصيبة على المسلمين أعظم من تمرد المرأة؟ وخروجها عن تعاليم دينها وآداب شرعها وعوائد قومها.. وبتعليم المرأة حصل التبرج، وبتعليمها مزقت الحجاب، وكشفت عن الساق والفخذ، والرأس والصدر، فصرفت لها الأنظار، فثارت الشهوة، فضعفت الرجولة أو ماتت الغيرة والحمية، وهلك الشباب بذلك.. وإني لأنصح لكل مسلم، أن لا يدخل ابنته أو أخته في هذه المدارس التي ظاهرها الرحمة وباطنها البلاء والفتنة، ونهايتها السفور والفجور".
هذا الرعب من تعليم المرأة لا يعادله رعب من شيء آخر، وكأن تعليم المرأة هو القنبلة الموقوتة التي نأخذ بالدين بالكلية حسب ما يرى الخطاب الوهابي السلفي، ولنرى هذا الجزء المقتبس من الكتاب نفسه، والذي يحدد أنواع العلوم التي يجب على المرأة تعلمها بعيدًا عن الجغرافيا والهندسة والحساب وغيرها من العلوم التطبيقية، فيقول في ص 79 "وألفت نظر ولاة الأمور أنه لا مانع من توسيع تعليم المرأة على المنهج الذي يقره الدين وتعاليمه، مع التمسك بالحجاب، وبالأخلاق الفاضلة، وكما كان التعليم زمن السلف الصالح. مثل تعليمها التوحيد، والطهارة، والصلاة، وأحكام الحيض، والنفاس وأمور دينها الواجب عليها، وكتربية أولادها، وتدبير منزلها، وغير ذلك من الأمور النافعة لها.. بينما إدخال مواضيع الحساب والهندسة، والجغرافيا بمناهج مدارس البنات. إن تعليم المرأة على هذه الصفة هو مصدر انحطاط الأمة، وسقوطها في الهاوية، إن هذا التعليم سبب لتمرد المرأة، وخروجها عن تعاليم دينها، وآداب شرعها، وعوائد قومها الصالحة، وسفورها، واختلاطها مع الأجانب، والسفور مدعاة إلى الفجور. وفتنة الاختلاط كبيرة".
هكذا يفكر العلماء الوهابيون ويخشون من التعليم على المرأة، ويخشون تمردها بسبب هذه العلوم.
ويختتم الشيخ قوله: "إن تعليم المرأة سبب لتمردها، وهن ناقصات عقل ودين".
هكذا تنشأ الذهنية السلفية المتشبهة بهذا الخطاب الوهابي المعادي للمرأة، والذي يؤكد في كل مكان على دونية المرأة، وأنها مخلوق درجة ثانية لا يرقى لمرتبة الرجل.
هذا الخطاب ليس قديمًا كما نتخيل، بل هو نفس الخطاب السلفي الذي يردده محمد حسان وأبو إسحاق الحويني وغيرهما من مشايخ الدعوة السلفية، ويقومون بنشره على منابر القاهرة.
سواء كان في المساجد أو من خلال القنوات الفضائية التي يملكونها كقناة الرحمة، وغيرها، فيقول الحويني في مقطع فيديو على اليوتيوب معنون "أبو إسحاق الحويني: العلم للرجال فقط والنساء جهلة لا يفقهون شيئًا".. إذ يؤكد على أنه "لا يوجد دليل على أن تخرج المرأة في قناة فضائية لتخاطب الناس، وماذا عند هذه المرأة من العلم حتى تقدمه؟ العلم إنما هو للرجال، أي امرأة مهما صعدت هي مقلدة وعامية ولا توجد امرأة عالمة بالعلم على أصوله- ويقصد هنا العلوم الدينية أو ما يسميها بالعلوم الشرعية- فالجهل فاش في النساء، والأصل عندنا أن تقر المرأة في بيتها، ولا تخاطب الرجال إلا لضرورة، وأنها تعتزل الرجال".
هكذا يتطابق الفكر السلفي في مصر مع الفكر الوهابي بالسعودية لإنتاج خطاب مُعَادٍ للمرأة، ويؤكد على دونيتها. ومن هذا الفكر يستقي تنظيم الدولة "داعش" فتاواه، ويعيد نشرها مرة أخرى لتقديم صورة بشعة عن الإسلام. وتترسخ في عقول الشباب هذه القيم المعادية ليس للمرأة فقط، بل للإنسانية كلها، فمعاداة هذا الخطاب الوهابي السلفي للمرأة إنما هو معاداة للمجتمع وتطوره ونموه. إن القائمين على هذا الخطاب لا يريدون حضارة ولا تطورًا أو تقدمًا، بل يريدون تدمير عقولنا قبل حضارتنا. لا يريدون عزة للإسلام كما يدعون، فكان الإسلام عزيزًا حينما تقدم بالعلوم والفنون والآداب، في القرون الأولى إلى أن ساد مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وتم غلق باب الاجتهاد، وتكفير العلماء والأدباء، فانهارت تلك الحضارة التي بناها ابن سينا والرازي والفارابي وابن الهيثم وغيرهم. وجمد العقل الإسلامي الجمعي عند هؤلاء الشيوخ الذين استلهموا ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ومن قبلهم أحمد بن حنبل بمواقفهم المعادية للعلم والحضارة والمرأة، وبات التشدد سمة جوهرية في منهج محمد بن عبد الوهاب في تعامله مع فقه المرأة، والذي استلهم هذا الفكر من دعاة السلفية في مصر والوهابية في السعودية، مُصِرِّين على التعامل من خلال النص الفقهي الذي تم إنتاجه في الماضي، غير مبالين بتطور الحياة الاجتماعية والمناهج العلمية التي يجب علينا إعمالها على تلك النصوص؛ حتى نصل لحالة من حالات التطور والفهم العلمي لديننا وحياتنا معًا.

شارك