في لاهوت الاستبداد والعنف

الجمعة 20/مارس/2020 - 12:05 ص
طباعة في لاهوت الاستبداد حسام الحداد
 
تمر اليوم الجمعة 20 مارس 2020، الذكرى الرابعة لوفاة الدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة بعد صراع مع المرض.. ويعد "مبروك، واحدًا من أهم الكتاب والمفكرين المصريين والعرب الذين ناقشوا التراث الإسلامي، في العقود الأخيرة.. من مؤلفاته "النبوة...من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ"، "عن الإمامة والسياسة، والخطاب التاريخي في علم العقائد"، "لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا"، "ما وراء تأسيس الأصول.. مساهمة في نزع أقنعة التقديس"، "الخطاب السياسي الأشعري.. نحو قراءة مغايرة"، "السلطة والمقدس.. جدل السياسي والثقافي في الإسلام"، "ثورات العرب.. خطاب التأسيس"، "في لاهوت العنف و الاستبداد - الفريضة الغائبة في تجديد الخطاب الديني"، "الدين والدولة في مصر - هل من خلاص؟"، "أفكار مؤثمة؛ من اللاهوتي إلى الإنساني"، "القرآن والشريعة؛ صراعات المعنى وارتحالات الدلالة"، "نصوص حول القرآن؛ في السعي وراء القرآن الحى". 
وسبق أن قدمت بوابة الحركات الإسلامية قراءة لواحد من إنجازاته الفكرية وهو "في لاهوت الاستبداد والعنف- الفريضة الغائبة في تجديد الخطاب الديني" وتعيد بوابة الحركات الاسلامية نشره اليوم لقيمة هذا العمل وأهميته.
في لاهوت الاستبداد
• الكتاب: في لاهوت الاستبداد والعنف
• المؤلف: علي مبروك
• الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب 
ضمن المكتبة السياسية التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر في نهاية 2014، كتاب للباحث الدكتور على مبروك يتناول فيه كما جاء في العنوان لاهوت الاستبداد والعنف والفرضة الغائبة في خطاب التجديد الاسلامي، ورغم ان الكتاب ياتي في اطار ما عودنا عليه الدكتور على مبروك من جمله المركبة ولغته الصعبة احيانا على بعض الاكاديميين، فما بالنا بالقارئ العادي، وتؤخذ هذه الملاحظة على جزء كبير من الباحثين العاملين في حقل التنوير وتجديد الخطاب الديني، ونرى ان هذه الملاحظة وغيرها الكثير يقف حائلا امام تحقيق الهدف من كتاباتهم وهو خلق جمهور يتسم بالوعي النقدي، خصوصا والمستوى التعليمي في مصر نعرف ازمته جميعا، وبعيدا عن الملاحظات تلك فيتميز الكتاب الذي بين ايدينا بصغر حجمه رغم ما به من مادة علمية هائلة ورؤى واسئلة جديرة بان تناقش، وتدور حولها ندوات نقاشية وورش عمل للنزول بتلك الرؤى الى ارض الواقع في مجال التنوير والخطاب الديني.
يطرح علي مبروك في مفتتح كتابه الصراع الدائم في الحضارة العربية بين "العقل" و "النقل" في اطار المدارس الفكرية، او الكلامية العربية بداية من المعتزلة والاشعارة، تلك الثنائية التي انتجت ثنائيات متعددة في اطار هذا الصراع والتي تتمثل في شق منها، بثنائية الانسان كفاعل ومسؤول عن افعاله والانسان كمفعول به، او بين الانسان الحر المسؤول عن حريته واختياره، وبين الانسان المجبر الخانع المستكين، وتلك الثنائيات لا تبتعد كثيرا عن علاقة الانسان بالحاكم فالخليفة او الامام او الملك، أيا كان المسمى في الفريق الاول "النقل"، هو ظل الله في الارض لا يجب الخروج عليه فهو ممثل السلطة الدينية والزمنية في نفس الوقت، اما الفريق الثاني فالإمام لديه بشر يصيب ويخطئ ويحاسب ان اخطأ، وان كان ظالما يجب الخروج عليه، تلك الجدلية التي تجسدت في صراعات كثيرة في الحضارة العربية، ويلخصها على مبروك في مفتتح كتابه، معرفا في البداية ارتباط اللاهوت بالناسوت وانه عند دعاة النقل انفسهم "الاشاعرة" فانه لا قول في "الغائب" الا قياسا على " الشاهد" وبالتالي فان الاختلاف في صفة الله وفعله لا يمكن ان يكون ناشئا عن معاينتهم لله، بل انه ناشئ عن التباين بينهم حول الانسان والعالم المتعين فيقول على مبروك "رغم ان اللاهوت يقصد _ وبالأساس _ الى بناء تصور لله يحوز فيه كل صفات الاطلاق والتعالي والجلال، فانه – ولكونه يبقى في العمق خطابا بشريا حول الله – يظل مسكونا بكل ضروب التحيزات والتحديدات التي ينطوي عليها عالم البشر. وهكذا فان القول في الله يستحيل الى مرآة كاشفة عن طبائع البشر بأكثر من كونها كاشفة عن طبيعة الله. ومن هنا ان القول في صفات الله وافعاله قد تحول – بين متكلمي الاسلام – الى ساحة اصطراع تعكس – وراء لغة التسامي والعلو – التنازع على صفة الانسان وفعله، والى حد ما يمكن قوله من ان اللاهوت هو – في الحقيقة – قول في الناسوت.
ثم يعقد علي مبروك مقارنة بين مصر اواخر القرن الثامن عشر ومصر الان وان التغيير الذي طالب به المصريين في اواخر القرن الثامن عشر لم يختلف كثيرا عن ما يطلبه المصريون الان، حيث انه في الحالة الاولى كانت انوار العقل خافتة لذا ظهرت القوة على السطح وانها هي المؤهلة وحدها لأحداث تغيير، اما في حالة مصر بعد 25 يناير 2011، لم تكن انوار العقل غائبة تماما بل مازالت خافتة ولا تستطيع بحال القيام بفعل التغيير وبالتالي اخذت القوة والتي مازالت حاكمة اعادة انتاج نفسها ضمن شروط متحولة، مما يعني ان ما جرى في مصر خلال قرنين من الزمان لم يتمخض عن تغيير ذي بال من طبيعة الاصل المنشئ للتغيير فيها، فقد ظلت القوة على نفس حالها، كفاعل رئيس وظل العقل مجرد هامش على حواف المشهد. يؤكد هذا ما جاء في طيات كتاب على مبروك "ان تغييرا في مصر لن يكون نتاج انوار العقل، او اختمار الآراء الفلسفية المتصارعة، وانما تغيير تجريه قوة قاهرة على قوم وادعين جهلاء" يستعير هذا المقطع علي مبروك من مقولات الجنرال المعلم يعقوب ليقول لنا: تكشف عبارة "المعلم الجنرال" عن وعي مدهش، بان الاصل في فعل "التغيير" هي "انوار العقل" التي هي بدورها نتاج اختمار الآراء الفلسفية المتصارعة، فان خلو مصر من شيء منها عند اواخر القرن الثامن عشر، قد جعله يدرك ان "القوة القاهرة" هي المؤهلة وحدها للقيام مقامها. ومن هنا جاء تسلل "القوة" لترقد في رسوخ ضمن التلافيف العميقة لبنية ما يقال انها "الدولة العربية الحديثة".
فقد كشفت انتفاضات المصريين التي بلغت ذراها، مع علي بك الكبير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عن ان التغيير كان مطلبا يلح عليهم، وذلك قبل ان يفاجئهم نابليون، على رأس جيش الشرق عند نهاية هذا القرن بالضبط، ولكن اداة التغيير الرئيسية (التي هي العقل) لم تكن حاضرة ان ذاك، وربما ليست حاضرة حتى الان.. فلا تزال "القوة" هي آلة التغيير وأداته، وان راحت تتغير اشكال حضورها التي يبدو ان مصر تشهد بعد ثورتها الاخيرة، شكلا مستجدا لحضورها يتمثل في ممارستها بالحشد للجمهور المتحمس، بعد ان كان الجيش هو شكل ممارستها الغالب على مدى عقود.
ثم ينتقل على مبروك الى الثقافة ودورها في تكريس الاستبداد والعنف بسبب هيمنة الخطاب الاشعري على الفضاء الثقافي العربي فيقول "وان تكون الثقافة في حقل إنبناء ما يؤسس للاستبداد والعنف، فان ذلك يعني ان كافة المنضوين تحت مظلتها الواسعة – وعلى تباين انتمائهم الايديولوجي- سوف يكونون حاملين لجرسومة الاستبداد والعنف، حتى ولو كانت في حال الخمول وعدم الفاعلية عند البعض من هؤلاء، وبحسب ذلك، فانه ليس ثمة فارق بين الدولة والقائمين عليها وبين خصومها ادعياء الاسلام السياسي وغيرهم، وفقط فان الفارق بينهم حسب على مبروك يتمثل في نوع البيارق التي يمارسون تحتها الفرقاء عنفهم واستبدادهم. فاذا ظلت الدولة العربية موصومة بالتسلطية، بكل ما يصاحبها من القمع والعنف، على تنوع الايديولوجيات الحداثية (ليبرالية، قومية، علمانية، يسارية.. الخ) التي تبرقعت بها، فان الامر لم يختلف حين اصبحت ايديولوجيا الاسلام السياسي هي البرقع الذي التف على رأس الدولة في مصر في اعقاب ثورتها. واذن فان وحدة الثقافة وتماثل الاليات التي تشتغل بها عند جميع المنضوين تحت مظلتها، لابد ان تؤدي الى تماثل ما تنتجه في الجوهر. لكن التماثل الجوهري لما تنتجه الثقافة لا يلغي ان تتباين سماته الشكلية، على النحو الذي يبدو معه الاستبداد مثلا ناعما حينا، وفظا غليظا في حين اخر. ويرجع هذا التباين كما يشير الكاتب الى تباين المضمون الثقافي الذي يحدد شكل هذا المنتج في لحظة ما عنه في لحظة اخرى. فانه اذا كان انتماء المضمون الى السياق الحديث سوف يفرض عليه ان يزخرف نفسه بمفردات الديموقراطية والدستور والبرلمان وحكم القانون وغيرها. وعلى النحو الذي يجعل ما ينتجه خطاب الثقافة المهيمن من الاستبداد ناعما ورقيقا، فان انتماء المضمون الى اللحظة ما قبل الحداثية بما تفيض به من مفردات احكام الشريعة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجماع والبيعة وغيرها، سوف يجعل الاستبداد غليظا فظا لا يختفي. وهكذا فانه اذا كان الجذر الاعمق للاستبداد والعنف يكمن في قلب الثقافة، وخطابها المهيمن بالذات، فانه يلزم التمييز في الثقافة وخطابها بين نظام يقوم ثابتا في العمق، رغم تحولات المضمون وتبدلاته على سطحها. وفي حين يتعلق النظام بطريقة التفكير وآليات انتاج المعرفة المهيمنة داخل الثقافة، فان المضمون يتعلق في المقابل بالأيديولوجيات المتعددة التي يجري تداولها على السطح بحسب هذه الطريقة في التفكير.  وهنا يلزم التنويه كما يؤكد الكاتب بان ما ظهر من عجز الايديولوجيات الحديثة المتبدلة على السطح في الواقع العربي عن اخراجه من ازمة جموده وتقليديته، انما يرتبط بخضوعها لهيمنة نظام الثقافة الذي ينتجها كنماذج لابد من فرضها من الاعلى على نحو اكراهي، وليس كمجرد تجارب مشروطة بسياقات تاريخية ومعرفية لا فعالية لها خارجها.
ينتقل بنا الكاتب الى تلك الالتباسات في ظاهرة الاسلام السياسي متخذا جماعة الاخوان نموذجا، حيث يقدم من خلالها مواقف هذا التيار من الحداثة من خلال استقصاء السياق المعرفي والفكري الذي تبلور فيه خطاب هذه الجماعة بوجه الخصوص وتيار الاسلام السياسي بصفة عامة. حيث يقوم مفهوم الالتباس عند جماعة الاخوان كممثل لتيار الاسلام السياسي في رؤية على مبروك على السعي الى التسكين الطوعي او الاكراهي لتراكيب متباينة، على نحو يقوم فيه الواحد منها الى جوار الاخر، رغم انتماء كل واحد منها الى مجال معرفي وتاريخي وحضاري او حتى وظيفي، مغاير لذلك الذي ينتمي اليه الآخر، مع تصوير الواحد من هذه التراكيب المصطنعة على انه يمثل وحدة متجانسة لا انقسام فيها، وذلك عبر اخفاء احد او حتى بعض الجوانب المكونة لها.. وذلك مثل ان يأتي حاكم مثلا ويصور للناس ان غاية دولته هي ضمان خلاصهم في الاخرة، ليضمن سكوتهم عن وضعهم البائس في الدنيا.. وهنا يلزم التأكيد كما يقول على مبروك على ان الكثير من ضروب الالتباس غالبا ما تكون رغم تخفيها متعمدة، حيث يسعى بها صانعوها الى تثبيت الوعي المشوه والمغلوط او المنقوص حول ايديولوجيا بعينها لترسيخ هيمنتها السياسية.
ثم ينتقل على مبروك الى جزء اخر وهم في كتابه وهو العنف الحدث والخطاب ويؤكد على احتياجنا الى مجموعة من المقدمات لتناول الموضوع وقد حددها هنا بثلاث مقدمات الاولى وتتحدث عن سطوة الايديولوجيا على نخبة اهل مصر والثانية في معنى الحدث على العموم والثالثة عن الخطاب وتباين مضمون القول داخله ثم يعرج بنا الكاتب لتحليل خطاب تديين السياسة حيث يكشف تاريخ الثورات عن انها تندلع من اجل الدخول بمجتمعاتها الى افاق جديدة. ومن هنا فقد كان الظن ان ثورات الربيع العربي سوف تفتح الباب امام مجتمعاتها لدخول عصر الحداثة العقلية والسياسية والاجتماعية ولكن العرب قد ارادوا لثوراتهم ان تكون سبيلهم الى النكوص الى العصور الوسطى. وغني عن البيان كما يؤكد الكاتب ان الصعود الملحوظ لخطاب تديين السياسة قد اعطى دفعة معنوية هائلة لكافة الفيالق المنضوية تحت راياته التي بدأت ترفرف خفاقة، وذلك على الرغم من كل ما يقوم بين فصائلها من تباينات تطال التصور ومنهج العمل. وهكذا فقد اندفع الجميع يعملون على تحقيق الغاية القصوى للخطاب بطرائق في الاشتغال تتراوح بين التطرف والاعتدال. وهنا يلزم التنويه بانه اذا كان التطرف والاعتدال هما محض طريقتين في الاشتغال يسع لهما الخطاب، فان ذلك يعني انهما من قبيل العارض الذي لا يؤثر في حضور المشتغلين بهما معا تحت مظلة ذات الخطاب.

شارك