المصادر غير التقليدية لتمويل الحركات المتطرفة

الجمعة 10/أغسطس/2018 - 09:59 ص
طباعة المصادر غير التقليدية د. نرمين محمد توفيق
 
مقدمة

تتعدد مصادر التمويل التي تعتمد عليها التنظيمات المتطرفة؛ فبدون أموال لن تستطيع هذه الجماعات الانتشار أو تحقيق أهدافها ولا جذب مزيد من الأتباع؛ لذا فهي في حاجة دائمة لتأمين مصادر تمويلها، ولم يعد الأمر قاصرًا على المصادر التقليدية للتمويل مثل أموال الفدية التي يحصلون عليها من اختطاف الرهائن، أو الدعم المادي من قبل بعض الأطراف التي توظف هذه الحركات للعمل من أجل مصلحتها، وإنما باتت هذه التنظيمات تفكر في مصادر غير تقليدية للتمويل تكون هي المتحكمة في جمعها وتضمن بها تعويض أي مصدر يتم وقفه، وهذا ما فعله عناصر تنظيم داعش حينما فكر في توفير مصادر دعم داخلية عن طريق أموال الضرائب التي فرضها على سكان المناطق التي تدخل تحت سيطرته باعتبارههم الوالي الشرعي، إن كان يجمع هذه الأموال من المسلمين، أو تحت عنوان «الجزية» إن كان يجمع هذه الأموال من غير المسلمين، كذلك قام التنظيم بمصادرة الموارد وسرقة البنوك والمنازل والثروات في هذه المناطق والتجارة في الآثار.

وعند رصد مصادر التمويل لدى التنظيمات المختلفة يظهر تشابه في بعضها، غير أن كل تنظيم يحدد أولوية تمويله من أحد المصادر بشكل قد لا يتشابه مع باقي التنظيمات، على حسب موارد المنطقة التي يوجد بها، وعلى حسب الظروف التي تحيط بهذا التنظيم، مما يعد مؤشرًا على طريقة عمل هذه التنظيمات ومن ثم محاصرته بعد ذلك عن طريق تجفيف تلك الموارد؛ لضرب هذه الحركات في مقتل.

وسيتم رصد وتحليل أبرز مصادر التمويل غير التقليدية لعدة تنظيمات متطرفة في السطور التالية:
1- تجارة المخدرات وتهريبها:
يعتبر الاتجار بالمخدرات من أبرز المصادر المالية لتمويل تنظيم القاعدة وحركة طالبان، حيث حرص التنظيمان على استمرار زراعة الأفيون والاتجار به بوصفه أحد أبرز مصادر الدخل في أفغانستان، وتسطير «طالبان» بشكل واسع على إنتاج الهيروين هناك والذي يمكنها من جمع عائدات تقدر بمليارات الدولارات، عن طريق تحويل نبتة الخشخاش إلى مورفين وهيروين ومن ثم تقوم بتصديره. 

وسارت القاعدة على نهج طالبان في الاعتماد على تجارة المخدرات كمصدر من مصادر تمويلها، فباتت تجارة المخدرات تدر ملايين الدولارات سنويًّا على فرع تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» الذي يوفر الحماية لمهربي الكوكايين عبر الصحراء الأفريقية، حسب ما أفادت صحيفة «التليجراف» البريطانية.

وأوضحت الصحيفة أن عصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية نقلت عمليات تهريب الكوكايين إلى الأسواق الأوروبية من الطرق القديمة عبر منطقة الكاريبي إلى طرق في غرب إفريقيا تخضع لسيطرة تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية المتحالفة معه، ونقلت «التليجراف» عن مسؤول سابق في مكافحة الإرهاب، بالولايات المتحدة الأمريكية، يدعى «مات ليفيت»، مدير برنامج مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن، قوله «إن كميات متزايدة من الكوكايين تصل إلى الأسواق في بريطانيا وأوروبا من غرب أفريقيا عبر المناطق الخاضعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبحماية التنظيم». 

وتشير تقارير أخرى إلى أن هناك علاقة بين تنظيم «حزب الله اللبناني»، وتنظيمي القاعدة، وداعش، وأن العامل المشترك بينهم هو الاتجار بالمخدرات، ويأتي هذا التمويل من خلال زراعة المخدرات من جانب «حزب الله» في حين يعمل «القاعدة» و«داعش» على تهريبها، ووفقًا لتقرير صادر عن مركز بروكنجز، فإن انتشار المخدرات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتزايد خصوصا في العراق وسوريا؛ حيث الصراعات والنزاعات المسلحة، وحيث ينتشر «داعش والقاعدة»، اللذان يساهمان في ذلك عبر تهريب المخدرات المزروعة من حزب الله، كذلك تؤكد وثائق أجهزة مكافحة تمويل المنظمات الإرهابية أن مراقبة أنشطة حزب الله منذ العام ٢٠١٠ أظهر وجود علاقة وثيقة بين الحزب وبين عمليات تهريب الكوكايين من أمريكا اللاتينية إلى بلدان أوروبا والشرق الأوسط، ويستخدم الحزب أرباح عمليات تهريب تجارة المخدرات فى تمويل أجهزته الإدارية واللوجستية والعسكرية والعمليات التي يقوم بها في أماكن مختلفة من العالم العربى، بما فى ذلك لبنان وسوريا واليمن. 

2- تجارة الآثار:
 يعتبَر تنظيم داعش من أغنى وأثرى الجماعات المتطرفة في العالم، حيث استطاع تأمين موارده الاقتصادية بصورة جعلته يكون إمبراطوريته المالية، ونجح في توفير ملايين الدولارات منذ العام الأول لسيطرته على الموصل بالعراق، بشكل جعل «ديفيد كوهين»، وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والمخابرات المالية السابق، يصف داعش بأنه التنظيم الأقوى اقتصاديا من كل التنظيمات المتطرفة التي واجهتها الولايات المتحدة، وكان مجلس الأمن أصدر في منتصف فبراير 2015 بيانًا بالإجماع دعا فيه لتجفيف منابع تمويل تنظيم داعش وجبهة النصرة، خصوصا عبر النفط وتهريب الآثار، مشيرا أن هذه التنظيمات تنقب عن أي مصدر تستطيع الاتجار به لجلب المال ويستغله.

وهذا ما حدث تجاه الآثار، فمن المعروف أن دولتي سوريا والعراق غنيتان بالآثار التي يرجع تاريخها لحقب مختلفة، وبما أن هذا التنظيم لا يعترف بأي مظهر من مظاهر الحضارة فقد انتهك الآثار إما عن طريق هدمها معتبرا إياها أوثانا كما فعل في مدينة تدمر وآثار مدينة النمرود وغيرها التي اعتبرتها اليونسكو جريمة حرب، أو عن طريق تهريبها والاتجار بها واعتبارها غنيمة حرب، وكان يعرض المقتنيات في المنطقة الحدودية التركية السورية. 

ونشرت صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية في 2016 تقريرًا عن تجارة الآثار غير المشروعة التي تقوم بها داعش في العراق وسوريا، وأشارت الصحيفة إلى أن التنظيم الإرهابي جنى حوالي 150 إلى 200 مليون دولار، ونقلت الصحيفة عن السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين قوله إن 4500 موقع أثري بما فيها مواقع مسجلة في قائمة التراث العالمي لليونسكو تخضع تحت سيطرة داعش في سوريا والعراق، وأوضح «تشوركين» أن الأرباح التي تجنيها داعش من الاتجار بالآثار والكنوز الأثرية تقدر بملايين الدولارات سنويا، مما ساعد التنظيم على البقاء، فهذه الأموال تصرف على السلاح والمقاتلين كرواتب.

وبحسب «لو فيجارو»؛ فإن التحف يتم تمريرها إلى مدينة غازي عنتاب بتركيا حيث تباع البضائع في مزاد غير قانوني ومن ثم يتم توزيعها على مجموعة من المحلات التجارية العتيقة والسوق المحلية، ولم ترد تركيا على الاتهامات الروسية بخصوص تسهيل تهريب السلع المنهوبة والآثار من سوريا إليها ثم منها إلى تجار الآثار عبر العالم وعبر الإنترنت وغيرها، وأنهت الصحيفة بأن كل ما يحدث ليس في صالح لا سوريا ولا تركيا ولا حتى العالم بأسره لأنه يُبقى التنظيم قادرًا على الحياة ويمتلك موارد مالية تبقيه قادرًا على استقدام المرتزقة الذين يقاتلون معه بالأجر منها الاتجار بالآثار. 

3- الاتجار في الأعضاء البشرية:
 ظهرت بقوة قضية الاتجار بالأعضاء البشرية التي يديرها «داعش» مع اكتشاف مقابر جماعية في المناطق التي يفقدها التنظيم بسوريا والعراق واختفاء الأعضاء الحيوية منها، وكان الدليل الرسمي في هذه القضية هو كلام «محمد علي الحكيم»، السفير العراقي لدى الأمم المتحدة في جلسة 17 فبراير 2015، حيث قدم أدلة على أن داعش يعتمد الاتجار في الأعضاء البشرية كمصدر للدخل في العراق وأقدم على قتل الأطباء الذين رفضوا التعاون معه، وفي لقاء مع مجلس الأمن الدولي، قال إن الحكومة العراقية اكتشفت مقابر جماعية، بها جثث عليها شقوق على الظهر، وأن بعض الأعضاء كانت مفقودة، والمقصود هنا تلك الأجزاء التي تستخدم للتجارة مثل: الكُلَى، والقلب، والكبد، وأوضح أن الحكومة تنصتت على اتصالات للتنظيم أظهرت تلقيَه طلباتٍ للحصول على أعضاءَ بشرية. 

وكانت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية كشفت في تقرير سابق لها نشرته بشهر ديسمبر 2014 عن تحول تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق إلى الاتجار بالأعضاء البشرية لتمويل نشاطه في منطقة الشرق الأوسط، وأوضحت الصحيفة أن «داعش» تمكن من ملء خزينته من مجموعة متنوعة من المصادر الغامضة من بينها إنتاج النفط، والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، ونوهت إلى أن التنظيم قام بتجنيد أطباء أجانب لاستئصال الأعضاء الداخلية (ليس فقط من جثث مقاتليهم المتوفين ولكن أيضًا من الرهائن الأحياء) ومن بينهم أطفال من الأقليات في العراق وسوريا.

وأشارت «ديلي ميل» إلى أنه تم الكشف عن تلك الأنباء المروعة في تقرير إخباري نقلا عن طبيب أنف وأُذُن وحنجرة عراقي يدعى سيروان الموصلي، الذي أفاد أن «داعش» استعان بأطباء أجانب لإدارة شبكة واسعة للاتجار بالأعضاء من مستشفى في مدينة الموصل، التي كانوا يسيطرون عليها في شمال العراق، وأن هذه الشبكة جنت أرباحًا هائلة، ولفتت الصحيفة إلى أن التنظيم الإرهابي خصص قِسمًا بتهريب الأعضاء البشرية لبيع القلوب والأكباد والكُلَى البشرية في السوق السوداء الدولية المربحة، وأوضح التقرير أنه يتم تهريب معظم الأعضاء من سوريا والعراق إلى عدة بلدان مجاورة من بينها تركيا حيث تباع إلى عصابات إجرامية تقوم بدورها ببيعها إلى مشترين مشبوهين في جميع أنحاء العالم. 

ويدخل تحت هذا المورد عرض داعش جثث قتلاه للبيع حيث أعلنت صحيفة «فرانكفورتر الغيمني سونتاغزيتونغ» الألمانية، أن تنظيم داعش الذي بات يعاني من مشاكلَ مالية عرض على أثرها إعادة جثث مقاتلين أكراد قتلوا في المعارك معه، مقابل مبالغ مالية، ونقلت الصحيفة عن «مصادرَ أَمنية» قولها إن التنظيم سعى لتسليم القوات الكردية جثث مقاتليها الذين قتلوا في المعارك معه مقابل مبالغ «تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف دولار للجثة».

4- جمع الضرائب والإتاوات:
 قام داعش بتنظيم المجالس الشرعية التي تجمع الزكاة، وفرض الجزيةَ على المسيحيين في ولاية الرقة، واستغل نقاط التفتيش والحواجز على الحدود بين العراق وسوريا لنهب وسرقة المارة، كما نهبوا أموال البنوك الموجودة في مناطق سيطرتهم، وذكرت صحيفة «الفايننشال تايمز» أن مسلحي داعش حينما سيطروا على مدينة الموصل قاموا بنهب ملايين الدولارات من البنك المركزي في المدينة، وقد استفاد داعش من هذه الأموال، وشكلت لديه ثروة هائلة لا تنافسه فيها أي جماعة أخرى، إضافة إلى موارد مالية كفرض «إتاوات» على السيارات التى تمر بالأراضي التى كان يسيطر عليها فى حينه، كذلك كسب نحو ٥٠ مليون دولار من بيعه ٥٠٠ ألف طن من الأسمنت المخزن، وبيعه مئات الأطنان من المعادن والمركبات الكيميائية التى استولى عليها التنظيم من معامل الأدوية فى سامراء والموصل، بجانب استيفاء ديون التجار نيابة عنهم والحصول عليها بحجة أن التنظيم هو ولى أمرهم.

وبشكل عام يمكن القول إن داعش لم يعتمد فقط على الأموال التي تأتي له من التبرعات أو تحويلات الموالين له أو حتى من عمليات الاختطاف وإنما سعى إلى استنزاف كافة ثروات سوريا والعراق سواء عن طريق جباية الأموال، أو النهب وسرقة البنوك، وكذلك عن طريق النفط، ليصبح بذلك التنظيم الأكثر ثراء على خارطة التنظيمات الإرهابية. 

5- العملات الرقمية الافتراضية.. البيتكوين والإثيريوم
لجأ داعش إلى طريقة مبتكرة لتلقي الأموال بعد الهزائم التي تلقاها في سوريا والعراق وخسارته مصادر تمويلية مهمة كخفض عائدات النفط الذي كان يعتبر المصدر الأكثر دخلًا للتنظيم، حيث كشفت وقائع حديثة تطرقت إلى استخدام داعش للأنظمة المصرفية المشفرة تتم عبر شبكة المعلومات الدولية لنقل أمواله وهي ما تعرف بـ«البيتكوين» و«الإثيريوم»، أو أنظمة الدفع الجديدة التى لا تخضع لنظم المراقبة الدولية المعروفة، وباتت مؤخرًا من أبرز الأنظمة المستخدمة فى عالم العملات الافتراضية والمشفرة، فمع تكثيف المجتمع الدولى جهوده لمحاصرة التنظيم ماليًّا، أعاد التنظيم تطويع نظامه المالي بالاعتماد على التمويلات عالية الأمان، أو السرية كالعملات الإلكترونية، بشكل جعلها أحد أهم الأدوات المالية التى قد يلجأ إليها «داعش» لتمويل عملياته العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط، وغيرها من مناطق العالم.

6- عوائد الموانئ وتوظيف الموارد الداخلية.. حركة الشباب الصومالية نموذجًا:
اعتمدت حركة الشباب المجاهدين المبايعة للقاعدة في الصومال في تمويلها على عدة مصادر منها: موارد ميناء كيسمايو في جنوب غرب الصومال الذي يطل على المحيط الهندي، وانتزعته الحركة من سيطرة الحزب الإسلامي في 2008، وكان يوفر لها دخلًا يقدر بمليون دولار شهريًّا، قبل أن تفقد سيطرتها عليه، كما أن الحركة كانت تملك ميزانية كبيرة جدًا تعتمد في الأساس على الضرائب التي تحصل عليها من المنافذ البحرية كميناء «ماركا»، وعوائد الأنشطة التجارية التي تمارسها عبر المرافئ، كذلك فرضت الحركة على التجار في مناطق نفوذها تمويل بعض مشاريعها مثل مشروع «تقوية المجاهدين»، وكانت تجمع الزكاة من الصوماليين، وتذكر بعض الدراسات الغربية أن الحركة تحصل على جزء من أموال فدية اختطاف السفن قبالة السواحل الصومالية أو ما يُعرف بالقرصنة، غير أن الحركة أكدت في بياناتها أنه لا علاقة تربط بينها وبين القراصنة، وأجاب أحد قادتها في حوار مفتوح له على الإنترنت حينما سُئل عن القراصنة بأنهم «ليسوا حركة إسلامية ولا علاقة للشباب بهم».

ومن مصادر التمويل الأخرى التبرعات المالية التي تتلقاها من خلال مؤيديها في داخل الصومال وخارجها، ففي الداخل كانت العشائر تقدم تبرعات للحركة لأهداف سياسية، ولا يمكن إغفال التبرعات الفردية التي كان يقوم بها بعض الأشخاص من منطلق عقائدي لدعم الشباب، إضافة إلى الدعم المادي واللوجيستي الذي يصل إليهم من صوماليي الشتات (الدياسبورا)، كما أشار قرار مجلس الأمن رقم 2036 لعام 2012 إلى أن صادرات وواردات الفحم في الصومال تشكل مصدرًا مهمًا لإيرادات حركة الشباب، ودعا الدول التي تستورد منهم الفحم بوقف هذا الأمر لضرب أحد مواردهم التمويلية المهمة.

7- المواد الخام المسروقة من الذهب والماس:
 يمكننا هنا رصد تجربة تنظيم «جيش الرب»، للمقاومة بأوغندا ومصادر تمويله؛ كتنظيم قد يختلف بشكل أو بآخر عن تجربة داعش والقاعدة، فهو تنظيم ذو خلفية مسيحية، يتزعمه شخص يدعى «جوزيف كوني» ويعد المصنف رقم 1 عالميًَّا في قائمة مجرمي الحرب الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، وقد تسبب هذا التنظيم على مدى أكثر من 30 عامًا في قتل وتشريد مئات الآلاف من مواطني دول شرق ووسط أفريقيا واختطف عشرات الآلاف من الأطفال، وتجعل طول مدة بقاء هذا التنظيم من الضرورة بمكان الكشف عن مصادر تمويله، ويعتبر أبرزها المواد الخام المسروقة من الذهب والماس سواء في المناطق التي يسيطر عليها في أوغندا أو المناطق التي ينتشر بها خارج أوغندا كالكونغو وأفريقيا الوسطى، ويعتمد أفراد التنظيم في هذا الأمر على أشخاص لعمل غسيل أموال لهذه الموارد، إضافة إلى أن جوزيف كوني أمر مقاتليه بنهب الماس والذهب من المناجم في جمهورية أفريقيا الوسطى لنقلها إلى السودان، وتركزت هجمات التنظيم في منطقة Haute Kotto الغنية بالموارد في أفريقيا الوسطى على سرقة الماس والذهب ومواد الغذاء والعملات النقدية. 

وقد استطاع التنظيم خلق طرق آمنة له في المنطقة المشتركة حدوديا بين جنوب السودان والكونغو وأفريقيا الوسطى ودارفور لنقل العاج والماس والذهب والموارد الأخرى التي استولت عليها قواته، وكانت عوائد هذه التجارة موردًا مهمًا له، كذلك تعد عمليات السلب والنهب على المناطق والقرى التي ينتشرون بها مصدرًا مهمًا من مصادر التمويل وذلك من خلال قطع الطرق وسرقة أموال المسافرين على الطرق التي تربط دول وسط أفريقيا ببعضها.

8- الصيد غير المشروع وتجارة العاج:
 أشار تقرير اللجنة الأممية المسؤولة عن متابعة الوضع في أفريقيا أن الصيد غير المشروع يعتبر مصدرًا من مصادر تمويل جيش الرب، فبعد انتشار التنظيم في منطقة الكونغو وأفريقيا الوسطى قامت ميليشياته بصيد الأفيال للاستفادة من أنيابها، والعمل في تجارة العاج، وقد استغل جوزيف كوني زعيم التنظيم وجودهم في قاعدة (حديقة جارامبا الوطنية بالكونغو) في الصيد الجائر للأفيال للحصول على أنيابها، وكان يشكل عناصره على هيئة مجموعات، وتكونت كل مجموعة من شخصين إلى أربعة لاصطياد أحد الفيلة، وبمجرد قتله يقومون بأخذ أنيابه بسرعة دون تجميع لحمه حتى لا يقعون في أسر حرس الحديقة أو الصيادين، وهكذا لا تمثل هذه التنظيمات خطرا على البشر فقط وإنما على الحياة البرية أيضا.

9- تجارة السلاح:
 تعد تجارة السلاح من الموارد المهمة لتمويل التنظيمات المتطرفة، ومن المعروف أن الحصول على الأسلحة وبيعها في مناطق الصراع لا يعد أمرًا صعبًا، وساهم اقتصاد الحرب في جعل الاتجار بالأسلحة مصدرًا مهمًا من مصادر الدخل بما في ذلك الجيوش الحكومية.

وقد أكد «إيليا روغاتشوف»، مسؤول في الخارجية الروسية أن الإرهابيين في سوريا والعراق إن كانوا قد حرموا من النفط إلا أنهم احتفظوا بمواردهم من تجارة السلاح، وأضاف أنه تكدست لديهم كميات خيالية مما يسمى بالمنتجات العسكرية، علما بأنهم لا يصنعون محليا إلا جزءًا ضئيلًا منها، حيث يتلقون ما يقارب 100% من هذه الأسلحة التي يقتلون ويتاجرون بها من جهات خارجية، ثم يقومون ببيعها بعد ذلك للحصول على الأموال، وذكر «روغاتشوف» أن روسيا تمكنت من رصد بعض الأنشطة ذات الصلة وبدأت العمل مع عدد من الدول على هذا الموضوع، مشيرًا إلى أن مشكلة تهريب السلاح «لم تطرح بعد بشكل جدي» في سياق التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب.

وختامًا: يتضح من العرض السابق اعتماد الحركات المتطرفة على أكثر من وسيلة لتمويل نفسها، وأنها دائما تخلق لنفسها موارد مالية تستطيع الاعتماد عليها، عن طريق العمليات غير الشرعية والمصادر المشبوهة من الأموال التي تحصل عليها من السرقة أو حتى تجارة المخدرات وتجارة في البشر، وهذا دليل يؤكد مخالفتها للصورة التي تخدع بها أتباعها في أنها تنطلق من مبادئ دينية أو أنها تسعى لتكون المتحدث باسم الله في أرضه، وتعكس كذلك تطوير هذه الجماعات لاستراتيجيتها بشكل دائم عن طريق استغلال موارد البيئة الموجودة بها لمواجهة أي خسارة محتملة لأي مصدر من مصادر تمويلها، وهذا ما جعل داعش يُتاجر في آثار سوريا، وجعل طالبان والقاعدة يزرعون المخدرات ويبيعونها، وجعل جيش الرب يتاجر في الذهب والماس والعاج؛ وكي يتم مواجهة هذه الجماعات وهزيمتها فلا بد من تجفيف موارد تمويلهم، وذلك عن طريق:

أ‌- تفعيل القرارات الدولية التي تُجرم المساعدة في تمويل الحركات المتطرفة التي تدعو إلى تجفيف مصادر تمويلهم، وقد صادق مجلس الأمن الدولي عام 2015 على القرارين رقم 2199 ورقم 2263 اللذين يلزمان دول العالم بالعمل على تجفيف مصادر تمويل داعش والقاعدة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، كما دعا مجلس الأمن إلى حرمان التنظيمات الإرهابية من إمكانيات الحصول على الموارد الاقتصادية، والاتجار بالنفط ومشتقاته بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث أشارت المادة الثامنة من القرار 2199 إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقمع وتمويل الإرهاب والإرهابيين والمنظمات الإرهابية، بما في ذلك التمويل باستخدام العائدات المتأتية من الجريمة المنظمة وبوسائل منها إنتاج المخدرات والاتجار بها على نحو غير مشروع وبأهمية مواصلة التعاون الدولي تحقيقا لهذه الغاية.

 وأشارت المادة التاسعة من نفس القرار إلى أن الدول ملزمة بأن تكفل عدم إتاحة أي أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية أخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق رعاياها أو أي أشخاص موجودين في أراضيها بما في ذلك النفط والمنتجات النفطية ووحدات المصافي والمواد ذات الصلة والموارد الاقتصادية الأخرى التي تم تحديدها على أنها موجهة أو محصلة أو خلاف ذلك لصالح تنظيم داعش وجبهة النصر وسائر ما يرتبط بتنظيم القاعدة، فضلًا عن أي أموال أو فوائد قابلة للتداول تتأتي من هذه الموارد الاقتصادية.

وعليه فإنه يجب على المجتمع الدولي أن يضمن الآليات التي توفر تنفيذ هذه القرارات ومعاقبة الدول التي تشارك مباشر أو غير مباشر في تمويل هذه الجماعات.

ب‌- وضع نظام رقابي يتتبع عمليات تحويل داعش للأموال من خلال نظام البيتكوين الذي لا توجد رقابة عليه، مما يتطلب إعادة صياغة وسن قوانين جديدة تواكب التطور الإلكتروني الذي يستخدمه داعش لمواجهة التضيقات المصرفية على تحويل أمواله، ويبدو أن الأنظمة التفت إلى هذا الأمر مؤخرًا؛ حيث قدم النائب الجمهوري الأمريكي تيد باد مشروع قانون جديد للكونجرس يسعى إلى «إنشاء فريق عمل مستقل معني بالتكنولوجيا المالية» مكرس لـ«إجراء أبحاث مستقلة عن الاستخدام الإرهابي والمحظور للتكنولوجيات المالية الجديدة، ومن ضمنها العملات الرقمية؛ وتطوير مقترحات تشريعية وتنظيمية لتحسين جهود مكافحة الإرهاب ومكافحة التمويل غير المشروع». 

ج- المتابعة الدورية للمنتديات التي يستخدمها المتطرفون وتحليل الرسائل التي يقومون بنشرها؛ لأن هذا الأمر يساعد في فهم الطرق التي يعتمدون عليها في التمويل وفهم طبيعة البيئة التي توجد بها هذه التنظيمات وتوقع المصادر التمويل التي قد يلجؤون إليها، وهذا سيساعد على تجفيف تلك المصادر ومن ثم محاصرتها، وفي ذات الوقت حماية تلك المصادر مثل وضع تشكيلات أمنية في المناطق الأثرية وحمايتها من أن تطالها يد الإرهابيين بسوء، وهذا لن يحدث إلا بتكاتف العالم أجمع للوقوف أمام تلك الجماعات. 

موقع فرنسا 24، حركة "طالبان" تمول عملياتها في أفغانستان من صناعة المخدرات، تاريخ النشر 882017
https:goo.glEK2RLi
The Telegraph، British cocaine users helping fund Islamic terror groups behind Algerian siege and Mali conflict، published on 26 Jan 2013

https:www.telegraph.co.uknewsworldnewsafricaandindianoceanmali9829132British-cocaine-users-helping-fund-Islamic-terror-groups-behind-Algerian-siege-and-Mali-conflict.html

وانظر أيضا Al Qaeda's arm in north Africa has made around $100 million through ransom and drug trading، study says
https:www.cnbc.com20171206al-qaedas-arm-in-north-africa-has-made-100-million-dollars-via-ransom-drug-trade.html
صحيفة الشرق الأوسط، "حزب الله والقاعدة وداعش.. صداقة تجّار المخدرات"، تاريخ النشر 3032016 https:goo.glKjWFTq

د. إبراهيم نوار، مافيا الجريمة المنظمة تساند الإرهابيين للهروب من الرقابة المالية، المركز العربي للبحوث والدراسات، إبريل 2017.
U.S. Department of the Treasury، “Attacking ISIL’s Financial Foundation”، published on 23102014
https:www.treasury.govpress-centerpress-releasesPagesjl2672.aspx

عبد البارى عطوان، الدولة الإسلامية "الجذور، التوحش، المستقبل" (بيروت: دار الساقى، الطبعة الاولى، بيروت، 2015)
Le lefigaro، Le business des antiquités de Daech، 06042016
http:www.lefigaro.frflash-eco2016040697002-20160406FILWWW00389-le-business-des-antiquites-de-daech.php
موقع روسيا اليوم الإخباري، داعش" من النفط إلى الرأس وبينهما الحبل السري، منشور بتاريخ 18 فبراير 2015
Daily Mail، Blood money: "How ISIS is selling human organs harvested from living hostages and its own dead soldiers to fund terror across the Middle East"، Published on 19 Dec، 2014
http:www.dailymail.co.uk
Idem. 
موقع العربية نت، داعش يعرض تسليم قتلى أكراد مقابل 10 آلاف دولار للجثة، تاريخ النشر 22 فبراير 2015
https:goo.glyr3fEB

انظر أيضا: موقع فرنسا 24، المال مقابل الجثث.. هل أصبح تنظيم "الدولة الإسلامية" يعاني من مشاكل مالية؟، تاريخ النشر 22 فبراير 2015 https:goo.gl2mMEYm
Financial Times Newspaper، Op.cit.

البوابة نيوز، "البيتكوين" و"الإثيريوم".. مصادر "داعش" لتمويل إرهابه، تاريخ النشر 30 سبتمبر 2017
http:www.albawabhnews.com2734901
المرجع السابق.
نبيل البكيري، "تنظيم الشباب والقاعدة: حقيقة العلاقة"، في الإسلاميون في الصومال (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، الكتاب الثاني والأربعون، الطبعة الأولى، يونيو 2010) ص214.
الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، القرار ٢٠٠٢، جلسة ٦٥٩٦، المعقودة في ٢٩ يوليو11 ٢٠، ص4.
David H. Shinn، Somalia’s New Government and the Challenge of Al-Shabab (Lincoln Hall: Combating Terrorism Center at West Point، Vol.2، issue 3، Mar. 2009) p. 2
Evan F.Kohlmann، Shabaab Al-Mujahideen: Migration and Jihad in the Horn of Africa (New York: The Nine Eleven Finding Answers Foundation، May 2009) p.49
Andre Le Sage، "Somalia’s Endless Transition:Breaking the Deadlock" in Strategic Forum (Washington: institute for National Strategic Studies National Defense University، No. 257، Jun. 2010) p.2
United Nation، Security Council، Resolution 2036، at its 6718th meeting، 22 February 2012، p.3
استضافت قناة دوتشيه فيلله الألمانية إحدى السيدات التي عملت لفترة في غسيل أموال للمتمردين حيث قالت إن ممثلين عن المتمردين يقومون بإرسال الذهب من الكونغو إلى أوغندا، ثم تقوم هي برشوة الموظفين لتزوير وثائق تدعي أن مصدر الذهب هو أوغندا، ما يسمح لممثلي المتمردين ببيعه بصورة قانونية وبضرائب أقل إلى عملائهم الأوروبيين الذين قد يكونون من رجال الأعمال. وأضافت إن الصفقات تكون بالملايين، وأطراف الصفقة يجمعهم هدف واحد وهو كسب المال، أما الدين بالنسبة للحركة فهو مجرد ذريعة.
للمزيد انظر: قناة دوتشيه فيللة الألمانيةDW، "حركة جيش الرب الأوغندي الإرهابية"، تقرير تلفزيوني، http:dw.comp1E6Vp

Security Council Committee established pursuant to resolution 2127 (2013) concerning the Central African Republic، Lord’s Resistance Army، Published on 7 March 2016.
LRA Crisis Tracker، The State of the LRA in 2016 (Washington، D.C: The Resolve Project & Invisible Children، March 2016) p.8
Ibid.، p.7
موقع روسيا اليوم، موسكو: الإرهابيون في سوريا والعراق حرموا من النفط لكنهم احتفظوا بالسلاح، تاريخ النشر 31 مارس 2018
https:goo.glPP7wgb

The National Interest، A New Era of Terror Money?، published on 10 February، 2018 http:nationalinterest.orgfeaturenew-era-terror-money-24452?page=2

شارك