«أمريكا اللاتينية».. الملعب الخلفي لـ«إيران وحزب الله»

الثلاثاء 10/يوليه/2018 - 04:37 م
طباعة «أمريكا اللاتينية».. نهلة عبدالمنعم
 
عقب سنوات من انتهاء الاستغلال المادي والبشري للقارة اللاتينية على يد الاحتلال «الإسباني- البرتغالي»، قُدر لقارة أمريكا الجنوبية في العصر الحديث أن تُستغل مرة أخرى من قبل إيران (الدولة الأبرز في رعاية الإرهاب) وأذرعها العسكرية الممثلة في «حزب الله» و«فيلق القدس»، لتكون منصة لأنشطة التطرف تبث من خلالها الدولة الصفوية سمومها على العالم.

المد الصفوي

سعى «نظام الملالي»، منذ الثورة الإيرانية عام 1979 إلى تعزيز علاقاته مع دول أمريكا اللاتينية بدءًا من دولتي «كوبا» و«نيكاراجوا»، وصولًا إلى عمق القارة، وذلك للبحث عن بقاع جديدة تستوعب أيديولوجيته، وتؤمن عزلته.



وخلال الفترة ما بين عام 1997 إلى عام 2005 وتحديدًا فترة حكم محمد خاتمي، بذلت إيران جهودًا مضاعفة لزيادة أنشطتها التجارية والاقتصادية مع أمريكا اللاتينية وبخاصة البرازيل.



بينما شكلت فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد، حجر الزاوية في زيادة تبلور العلاقات بين طهران وقيادات الدول اللاتينية، التي عمل الرئيس الإيراني على توطيد الروابط والمشاركات الدبلوماسية معهم، مستغلًا موقف بعضهم المعادي للولايات المتحدة وهيمنتها على السياسة الدولية مثل دولة فنزويلا، حيث شهدت الفترة ما بين عامي 2006 و2013، ثماني زيارات قام بها «نجاد» لأمريكا اللاتينية، كانت أغلبها لفنزويلا.



وعلى الصعيد الدبلوماسي شهدت فترة رئاسة «نجاد»، افتتاح ست سفارات بدول قارة أمريكا اللاتينية، ففي عام 2009 أضاف «نظام الملالي» تمثيلًا دبلوماسيًا في كلٍ من شيلي وكولومبيا وبوليفيا والإكوادور ونيكاراجوا وأوروجواي، إضافة إلى السفارات الموجودة في الأرجنتين والبرازيل وكوبا والمكسيك وفنزويلا، وذلك إلى جانب 17 مركزًا ثقافيًا.



إضافة إلى ذلك أطلقت طهران عام 2011 شبكة تلفزيون فضائية باللغة الإسبانية، وهي اللغة الرئيسية التي ينطق بها أغلب السكان في القارة، وذلك لتسهيل الوصول والسيطرة على شعوب الدول التي تُغفلها الكثير من الاقتصادات الشرق أوسطية.



فيما يتجه المحللون إلى تضاؤل التمثيل الإيراني في القارة الواقعة غرب الكرة الأرضية منذ تولي حسن روحاني، رئاسة البلاد في أغسطس من العام 2013 معللين ذلك بأنه لم يعطِ أولوية للعلاقات اللاتينية، ولكن ما يؤثر على صحة هذا الرأي هو قيام «روحاني» بزيارة للقارة في سبتمبر 2016، أي بعد ثلاث سنوات من توليه للمنصب ما يشير إلى عدم إغفال أو تناسي الدور اللوجيستي الضخم الذي تقوم به تلك الدول لخدمة أغراض إيران.



وكانت تلك الزيارة لحضور اجتماع لحركة عدم الانحياز في فنزويلا ومنها إلى كوبا، وبعدها بشهرين قام وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، بجولة في عدة دول لاتينية مثل: كوبا، وفنزويلا، والإكوادور وتشيلي وبوليفيا، ونيكاراجوا، للتأكيد على العلاقات الراسخة.

رغبات ومصالح مشتركة

فرض الحرص على إقامة تلك العلاقات الراسخة إثارة العديد من التساؤلات حول الأسباب والدوافع التي أثرت على نهم طهران نحو أمريكا اللاتينية وسعيها الحثيث لتوطيد الأواصر هناك، إضافة إلى رضوخ اللاتينيين وقبولهم المهادن.



ولعل من أبرز الدوافع المحركة لتلك العلاقة هو رغبة السلطة الحاكمة في الخروج من مأزق العزلة التي جلبتها السياسات العدائية لدولة الملالية تجاه استقرار وسلامة المجرة العالمية، حيث تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على بناء علاقات وطيدة مع الدول الأخرى خارج حدود الشرق الأوسط.



فيما تمثل أمريكا اللاتينية؛ الفناء الخلفي للولايات المتحدة، ولذلك تريد طهران زعزعة استقرارها وتشكيل منطقة ضغط عليها من خلال تلك العلاقات والنفوذ المحتدم، لتستفيد منه لاحقًا في بعض الامتيازات.

عوامل أيديولوجية

يرجع زخم العلاقة الإيرانية اللاتينية إلى توحد الاتجاه والمشكلات التاريخية والإيديولوجية ما بين طهران وبعض الدول مثل: فنزويلا وكوبا، وذلك في رؤيتهما الناقمة على الولايات المتحدة على خلفية النزاعات والصراعات التاريخية فيما بينها، ما ساهم في بلورة رغبة إيران في خلق نظام عالمي جديد يجابه الهيمنة الأمريكية ويصدر إيديولوجيته الشيعية لدول القارة اللاتينية.



ويتجلى ذلك التوحد في توجهات الرئيس الفنزويلي السابق، هوجو تشافيز، الذي حرص هو الآخر على توطيد تلك العلاقة، فقد زار طهران عدة مرات كما أنه دافع عن تلك العلاقة موضحًا إطارها في الروابط الاقتصادية فقط، وذلك على عكس الحقيقة.

مصالح اقتصادية

تحاول طهران بكل قوتها مد جسور العلاقات الاقتصادية لتعويض خسائر العقوبات المفروضة عليها لتعديل برنامجها النووي، ومن أهم الدول في هذا الإطار هي «فنزويلا».



فعلى صعيد الأزمة النووية التي أثارتها رغبة الدولة الراعية للإرهاب في امتلاك مفاعل نووي وجدت طهران في الدولة الفنزويلية معاونًا رئيسيًّا في برنامجها الخبيث، حيث ذكر تقرير لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في ديسمبر 2008 أن هناك تعاونًا خفيًا بين البلدين في مجال تخصيب اليورانيوم، فقدر التقرير أن فنزويلا لديها 50،000 طن من اليورانيوم يتم تخصيبه في إيران.



وفي إطار ما تقدمه فنزويلا من دعم، فقد وقعت الدولتان العديد من الاتفاقيات فيما يتعلق بالتجارة والبنوك والنفط والغاز الطبيعي إلى جانب مجالات التنمية الزراعية والبتروكيماويات، وفي عام 2009 أسست إيران البنك الدولي للتنمية في فنزويلا لدعم الصادرات وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة ذراعًا تمويلية للجماعات الإرهابية.

عوامل ديموجرافية

يمثل الوجود النسبي للمسلمين السنة والشيعة من المهاجرين من دول الهند وباكستان ولبنان مصدر جذب لأنشطة الدعاية الإيرانية، وتتمثل تلك الأنشطة في تمويل بناء المساجد والمراكز الثقافية والدينية، وترجمة الكتب والمواد الدينية إلى اللغة الإسبانية، وذلك بالإضافة إلى إنشاء محطة تلفزيونية إسبانية في 2012 وهي قناة «Hispan TV».



فيما يذكر أن أكبر تجمع للمسلمين يوجد في البرازيل والأرجنتين، تليهما في ذلك تشيلي وباراجواي وبيرو وفنزويلا والمكسيك وجزر الكاريبي.

المخدرات اللاتينية وحزب الله

ولم يقف الدور اللاتيني عند احتواء عزلة طهران فقط، بينما امتد ليكون مصدر تمويل ورعاية لأذرعها المسلحة مثل حزب الله وفيلق القدس، حيث تمثل عصابات المخدرات والجريمة المنظمة المنتشرة في أمريكا اللاتينية موردًا ماليًّا وثروة ضخمة لإرهاب الملالي.



فحزب الله الذي اتهمه وزير الخزانة الأمريكية، ستيفن منتشين، في مايو الماضي بالضلوع في علاقات مشبوهة مع مافيا المخدرات وغسيل الأموال، يرتع في الاضطراب اللاتيني مستغلًا بعض التنظيمات الثورية التي تدعي الحرية والمثالية، ولكن جوهرها الاتجار بالمخدرات مثل «فارك» بكولومبيا وهي منظمة مسلحة معارضة للنظام الحاكم وتسعى إلى إسقاطه.



وعلى صعيد الاتجار المشترك في المخدرات، اتهم نائب رئيس فنزويلا، طارق العاصمي من قبل وزارة الخزانة الأمريكية باستغلال المزايا الدبلوماسية لمنصبه في تهريب المخدرات، وذلك في فبراير 2017، كما أظهرت التقارير الأمنية أن وكالة الجوازات والتجنيس الفنزويلية «أوندكس» التي يرأسها العاصمي قد أصدرت جوازات سفر لأعضاء من حزب الله، وذلك لتسهيل تهريب وتجارة المخدرات بين منظمة فارك الكولومبية والتنظيم الإرهابي، بالإضافة إلى تجنيد العناصر الإرهابية.



فيما حذر رئيس العمليات السابق بوكالة مكافحة المخدرات، مايكل براون في جلسة استماع أمام الكونجرس الأمريكي، عام 2016، بأن «حزب الله» قد تحول إلى مافيا وذلك بفضل علاقاته الدولية المتشعبة في أمريكا الجنوبية خاصة على صعيد تجارة المخدرات وغسيل الأموال وتجنيد الإرهابيين.



كما وجد تحقيق بوليتيكو، أن برنامج مكافحة المخدرات الذي يطلق عليه «مشروع كاساندرا» (وهو مشروع تحقيق استقصائي تم اطلاقه من جانب إدارة مكافحة المخدرات في الولايات المتحدة «DEA» في عام 2008 للتحقيق في تمويلات حزب الله من تجارة المخدرات وتتبع الأموال التي تمر من أمريكا الجنوبية عبر أفريقيا وصولًا إلى مقر التنظيم في لبنان) أن تزاوج العلاقات بين إيران وحزب الله وأمريكا اللاتينية والدول الراعية للإرهاب قد يخلق مخاطر تفوق التصور بل ستصل إلى حد المأساة.

دور «فيلق القدس» الخفي

وإضافة إلى المخدرات وغسيل الأموال؛ يتخذ «فيلق القدس» (وحدة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني تضطلع بمهام خارج حدود البلاد يأمر بها المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي) من أمريكا اللاتينية ودولها مسرحًا لعملياته المسلحة وتصفية الحسابات.



وكشف تقرير أصدره البنتاجون في العام 2011 عن وجود مكثف للحرس الثوري الإيراني متمثل في «فيلق القدس» بدول أمريكا اللاتينية خاصة فنزويلا، كما أكد قوته العسكرية والعملياتية هناك.



ونظرًا للعداء الذي يكنه «نظام الملالي»، لدول الخليج وبخاصة السعودية أقدم النظام على استغلال شبكاته الإجرامية التي أسسها في إحدى دول القارة وهي المكسيك لتنفيذ عملية اغتيال للسفير السعودي في واشنطن آنذاك، عادل الجبير، وهو ما اعترف به المتهم الرئيسي في القضية الإيراني «منصور أربابسيار» خلال جلسات محاكمته، حيث صرح بأن محاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذها في 2011 تمت بالاشتراك بين فيلق القدس ومافيا مخدرات مكسيكية، وتجدر الإشارة إلى أن المتهم قد حكم عليه في 2013 بالسجن لمدة 25 عامًا بواسطة محكمة نيويورك الفيدرالية.



بينما تشير أصابع الاتهام في وفاة المدعي العام الأرجنتيني ألبرتو نيسمان، في العام 2015 إلى فيلق القدس وإيران، حيث إنه قتل (وقيل انتحر في بعض الروايات) عن طريق رصاصة في الرأس قبل أيام من إدلائه بشهادته حول التحقيق في تورط حزب الله في تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس أيرس الأرجنتينية في عام 1994 والذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا.



ويذكر أن تلك الحوادث قد أثرت على علاقة الأرجنتين بإيران على عكس الدول اللاتينية الأخرى، كما أثرت تلك العلاقات في مجملها على إثارة مخاوف الدول المختلفة خاصة الولايات المتحدة.

شارك